السجلّ الوطني الموحّد في لبنان: هل هو خطوة نحو تحقيق الحماية الاجتماعية الشاملة؟ تقرير تقني شامل
يبحث هذا التقرير في جدوى إنشاء سجلّ وطني موحّد في لبنان باعتباره حجر الأساس لأيّ برنامج فعّال لتوفير الحماية الاجتماعية. فمن شأن السجلّ الفعّال أن يُسهِّل عمليات التواصل والإدراج، وتسجيل المستفيدين/ات، والتحقّق من أهليتهم/نّ، ممّا يضمن تخصيص الموارد بكفاءة أكبر - وهو أمر بالغ الأهمية أثناء الأزمات، حيث تتزايد الاحتياجات، وتتضاءل الموارد، ويتضاعف عدد الجهات التي تُقدِّم خدمات الحماية الاجتماعية.
To cite this paper: Nizar Hariri, Iskandar Boustany,"السجلّ الوطني الموحّد في لبنان: هل هو خطوة نحو تحقيق الحماية الاجتماعية الشاملة؟ تقرير تقني شامل", Civil Society Knowledge Centre, Lebanon Support, 2025-04-01 00:00:00. doi:
[ONLINE]: https://civilsociety-centre.org/ar/paper/national-unified-registry-lebanon-step-towards-universal-social-protection-AR
جدول المحتويات
القسم الأوّل: البرامج والأنظمة المتفرّقة
٢.١. نهج شمولي للقطاع العام في ظلّ تطوُّر الدولة الرقمية
٢.٢. إمكانات التشغيل البَيْني والأثر غير المباشر
٢.٣. إطار مُحدَّث لتلبية متطلّبات إدارة البيانات
٢.٤. المخاطر البارزة المرتبطة بالتحدّيات الأخلاقية
٢.٥. التحدّيات التكنولوجية: من البرمجيات إلى البنية التحتية لحماية خصوصية البيانات
٢.٦. التحكُّم السياسي، والتفويض المؤسّسي، والاعتبارات الطائفية
القسم الثالث: ما هي الخيارات المطروحة لتصميم نظام معلومات متكامل للحماية الاجتماعية في لبنان؟
٣.١. إيجاد التوازن بين الإصلاح الشامل والنهج التدريجي
٣.٢. المهمّة الدقيقة لتصميم سجلّ وطني موحّد
شكر وتقدير
استندَ هذا البحث التقني إلى مراجعة معمّقة للمنشورات المتاحة، بالإضافة إلى رؤى مُستمَدَّة من مقابلات أُجرِيَت مع ممثّلي/ات المؤسّسات المعنيّة. يتقدّم المؤلّفان ومركز العلوم الاجتماعية للأبحاث التطبيقية بجزيل الشكر إلى الخبراء التالية أسماؤهم/نّ الذين تكرّموا بتقديم خبراتهم/نّ وآرائهم/نّ (بحسب الترتيب الأبجدي باللغة الإنجليزية):
- ماري-لويز أبو جودة، مديرة مشروع، وحدة البرنامج الوطني لدعم الأُسَر الأكثر فقرًا في رئاسة مجلس الوزراء؛
- شوقي أبو ناصيف، المدير المالي ورئيس الديوان في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي؛
- خليل داغر، اختصاصي سياسات اجتماعية / مُساعَدة اجتماعية في مكتب اليونيسف في لبنان؛
- جيري فيتزباتريك، قائد الفريق في "DAI"؛
- ستيفن كيد، اختصاصي أوّل في السياسات الاجتماعية في منظّمة "مسارات التنمية" (Development Pathways)؛
- أحمد فاتح أورتاقايا، اختصاصي أوّل في الحماية الاجتماعية في البنك الدولي؛
- ريمون طربيه، مستشار الوزير لشؤون الحماية الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية.
الملخّص التنفيذي
لطالما كانَ نظامُ الحماية الاجتماعية في لبنان غير ملائم، إذ لم يتمكّن من توفير الحدّ الأدنى من الحماية للمواطنين/ات. وحتّى قبل الانهيار المالي في عام ٢٠١٩، واجهَ النظام تحدّياتٍ كبيرة بسبب محدودية الموارد المالية والجمود السياسي. ومع تفاقم الأزمة، ازدادَ الوضعُ سوءًا، حيث انتقلَ التركيز من البرامج القائمة على الاشتراكات، التي كانَ يستفيد منها بشكل أساسي موظّفو/ات القطاع العام - إلى المساعدة الاجتماعية غير القائمة على الاشتراكات، والاعتماد غير المستدام على تمويل الجهات المانحة.
وفي فترة تفشّي جائحة كوفيد-١٩، أطلقت الحكومة "البرنامج الوطني للتضامن الاجتماعي" الذي قَدَّمَ مدفوعات نقدية مباشرة للأُسَر المتضرّرة من الأزمات المتداخلة. وقد حُدِّدَت شروط الاستفادة من هذه المدفوعات بناءً على معايير فئوية تطوّرت خلال التنفيذ (منظّمة العمل الدولية، ٢٠٢١). وبين عامَيْ ٢٠٢١ و٢٠٢٣، بُذِلَت الجهود لتوسيع نطاق المساعدة الاجتماعية من خلال مبادرات رئيسية، من بينها برنامج شبكة الأمان الاجتماعي في حالات الطوارئ، المُمَوَّل من البنك الدولي والمُوجَّه لاستهداف الفقر، بالإضافة إلى توسيع البرنامج الوطني لدعم الأُسَر الأكثر فقرًا، المُمَوَّل عبرَ قرضٍ من البنك الدولي. كذلك، أطلقَ لبنان أوّل برنامج مِنَح اجتماعية، وهو برنامج "البدل النقدي للأشخاص ذوي الإعاقة"، المُمَوَّل من الاتّحاد الأوروبي والمدعوم من اليونيسف ومنظّمة العمل الدولية.
وعلى الرغم من هذه الجهود، لا يزال النهج المُتَّبَع قائمًا إلى حدّ كبير على التدابير المؤقّتة والإقصائية، حيث لا يرقى إلى إطارٍ متكاملٍ مُرتكِز على الحقوق. ولكنَّ الخطوات المتّخذة نحو الإصلاح تحمل بعض الأمل. فقد أقرّت الحكومة قانونًا لإنشاء نظام شامل للمعاشات التقاعدية للعاملين/ات في القطاع الخاصّ، ممّا يؤدّي إلى تغييرٍ جذريّ في حوكمة برامج الضمان الاجتماعي الحالية. ويُعَدّ هذا التطوُّر، إلى جانب اعتماد الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية، محطّةً أساسية في المسار نحو نظام حماية اجتماعية شامل وجامع. وتُشدِّد الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية على أهمية إنشاء "سجلّ وطني موحّد" كأولوية استراتيجية.
لا يمكن تحقيق الإصلاح الفعّال للحماية الاجتماعية من دون إنشاء سجلّات موحّدة ومتكاملة. ففي غياب هذه الركيزة، تبقى أوجه القصور قائمةً في ظلّ سوء تخصيص الموارد وعدم كفاية تغطية الرعاية الاجتماعية. يبحث هذا التقرير في جدوى إنشاء سجلّ وطني موحّد في لبنان باعتباره حجر الأساس لأيّ برنامج فعّال لتوفير الحماية الاجتماعية. فمن شأن السجلّ الفعّال أن يُسهِّل عمليات التواصل والإدراج، وتسجيل المستفيدين/ات، والتحقّق من أهليتهم/نّ، ممّا يضمن تخصيص الموارد بكفاءة أكبر - وهو أمر بالغ الأهمية أثناء الأزمات، حيث تتزايد الاحتياجات، وتتضاءل الموارد، ويتضاعف عدد الجهات التي تُقدِّم خدمات الحماية الاجتماعية.
وقبل التعمّق في كيفية تحقيق التكامل والتشغيل البَيْني للسجلّات أو توحيدها، من الضروري توضيح الفوارق بين السجلّات الوطنية والاجتماعية وسجلّات المستفيدين/ات. فعلى الرغم من أنَّ هذه المصطلحات تُستخدَم عادةً كمترادفات، إلّا أنَّ كُلًّا منها يخدم وظائف وأغراضًا مختلفة ويحمل انعكاسات سياسية فريدة. يُشدِّد هذا التقرير على أهمية مواءمة تصميم القاعدة البيانية مع النموذج العام للحماية الاجتماعية. فقد يكون السجلّ الموحّد بمثابة محطّة أساسية نحو نظام شامل وجامع، أو آلية لتحديد الفئات المستهدفة في سياسات المساعدة الاجتماعية. لذلك، يجب أن يكون إنشاء السجلّ الوطني الموحّد جزءًا من استراتيجية شاملة ومستدامة تُعزِّز نظام الحماية الاجتماعية الهشّ في لبنان بدلًا من أن تُضعِفه.
المنهجية
تمّ إعداد هذا التقرير من خلال مراجعة مُقارَنة للمنشورات والدراسات المتوفّرة بهدف استخلاص الدروس من السياقات والبلدان المجاورة. وقد سعت هذه المراجعة إلى تسليط الضوء على التحدّيات الرئيسية والثغرات المُحتمَلة التي ينبغي معالجتها مُبكرًا عند تصميم السجلّ الموحّد وتنفيذه. بالإضافة إلى ذلك، أُجرِيَت سبع مقابلات معمّقة مع مُقدِّمي معلومات رئيسيين من القطاع العام وخبراء من وكالات دولية، ممّا وَفَّرَ رؤى معمّقة حول قضايا الحماية الاجتماعية في لبنان وعلى المستوى العالمي.
يُعالِج هذا التقرير فجوةً أساسية في النقاش حول الحماية الاجتماعية في لبنان، إلّا أنَّه لا يُقدِّم تقييمًا تقنيًا لأنظمة إدارة المعلومات الحالية أو مراجعةً قانونية شاملة للأُطُر التي تُنظِّم بيانات الحماية الاجتماعية. بدلًا من ذلك، يسعى التقرير إلى إطلاق النقاش المُستنِد إلى الأدلّة، من خلال عرض التحدّيات الرئيسية والإشكاليات المتعلّقة بتطوير سجلّ وطني موحّد، ممّا يُمهِّد الطريق لمزيدٍ من الأبحاث في هذا المجال.
النتائج الرئيسية
▪ التغافُل المنهجي في الاستجابة للأزمات: أظهرَ نظام الحماية الاجتماعية في لبنان ضعفًا كبيرًا في الاستجابة للأزمات، لا سيّما منذ اندلاع الحرب في سوريا عام ٢٠١١. فبسبب العجز عن اتّخاذ إجراءات سريعة ودقيقة لتحديد الأفراد الأكثر احتياجًا، لم يكن من الممكن تقديم المساعدات والخدمات بشكلٍ فعّال. تمّ تصميم السجلّات المؤقّتة، مثل البرنامج الوطني لدعم الأُسَر الأكثر فقرًا وبرنامج شبكة الأمان الاجتماعي في حالات الطوارئ، من دون اعتماد استراتيجية متكاملة، فبرزت تحدّياتٌ في الاستهداف والتحقّق من الأهلية. ونتيجةً لذلك، واجهَ النظام صعوبةً في توفير رؤى واضحة حول الآليات الأكثر فعّاليةً في التصدّي للصدمات الخارجية.
▪ برامج الحماية الاجتماعية المُجزّأة: يتّسم مشهد الحماية الاجتماعية في لبنان بالتشرذُم، حيث تُوثِّق السجلّات الرسمية والموازنة العامّة أكثر من ١٤٥ برنامجًا وخدمةً قابلة للتحديد. يَظهَر هذا التشرذُم بشكل خاصّ في برامج التأمين الاجتماعي التي تُديرها جهات منفصلة. وتجدر الإشارة إلى أنَّ الافتقار إلى بيانات مُجمَّعة حول معدّلات الالتحاق والانتساب يؤكِّد الحاجة المُلِحَّة إلى سجلٍّ موحّد لدمج هذه البرامج واعتماد آلية مُنسَّقة لإدارتها.
▪ المخاطر السياسية المرتبطة بنقص البيانات: نظرًا للافتقار إلى البيانات الشاملة، تتفاقم أوجه القصور البنيوية وتزداد ظاهرة التجزئة والتشرذُم، ممّا يؤدّي إلى مخاطر سياسية مثل إساءة استخدام السياسات. والواقع أنَّ تساهُل الجهات السياسية حيال مسألة نقص البيانات يمنع تصميم وتطبيق تدابير فعّالة لتوفير الحماية الاجتماعية، ممّا يُعزِّز أوجه القصور وعدم المساواة في تقديم الخدمات.
▪ التحوُّل الرقمي والمخاطر المتعلّقة بالحوكمة: إنَّ الاعتماد المتزايد على التقنيات الرقمية يُثير مخاوف تتعلّق بالحوكمة الديمقراطية. فعلى الرغم من أنَّ هذه الأدوات يمكن أن تُحسِّن الكفاءة، إلّا أنَّها تُشكِّل أيضًا مخاطر على الخصوصية والعدالة والمساواة. فالممارسات الرقابية الحالية في لبنان، التي تتّسم بثغراتٍ عدّة لناحية الأمن السيبراني وجمع البيانات بشكل غير مُصرَّح به، تفرض تحدّيات كبيرة بشأن خصوصية المواطنين/ات وحوكمة البيانات.
▪ التحدّيات القانونية والأخلاقية: يجب على عملية توحيد السجلّات أن تُراعي المتطلّبات القانونية والمؤسّسية والتقنية المعقّدة. إنَّ تحقيق التوازن بين الالتزامات الأخلاقية والمهنية، مثل ضمان السرّية مع الامتثال للمتطلّبات القانونية، سيكون عاملًا أساسيًا لضمان عدالة السجلّ الموحّد وفعّاليته.
▪ أهمية إدارة البيانات: أصبحت الإدارة الفعّالة للبيانات التي تملكها الدولة عنصرًا أساسيًا في التدخّلات العامّة، تمامًا كما هو الحال مع إدارة الموارد المالية والبشرية. يعتمد توفير خدمات عامّة عالية الجودة بشكل متزايد على التعامل مع البيانات واستثمارها بكفاءة. وهذا يُبرِز الحاجة المُلِحَّة إلى سجلّ موحّد يدعم هذه الجهود بما يضمن تبسيط الوصول إلى البيانات واستخدامها بفعّالية في صنع القرار وتقديم الخدمات.
▪ إدماج العاملين/ات في القطاع غير النظامي: إنَّ إدراج العاملين/ات في القطاع غير النظامي ضمن السجلّ الوطني الموحّد يتطلّب جهودًا استباقية لتصنيف مختلف أنواع العمل. فالنُهُج التي تستثني القطاعات غير النظامية قد تؤدّي إلى عدم المساواة، ممّا يُبرِز الحاجة إلى استراتيجية متوازنة تضمن الشمولية مع الحفاظ على العدالة.
▪ قاعدة بيانات شاملة لتحديد الفئات المستهدفة وتعزيز الإيرادات: يمكن أن يُنتِج السجلّ الوطني الموحّد، عند ربطه بسجلّات أخرى باستخدام مُعرِّفات فريدة، مجموعة بيانات تفصيلية تشمل الأفراد ذوي العمالة الجزئية أو الموسمية، والعاملين/ات في القطاع غير النظامي. وتُعتبَر هذه البيانات ضرورية من أجل تحقيق استهداف دقيق، ومعالجة التهرّب الضريبي، وتعزيز مساهمات أصحاب العمل، ممّا يُسهِم في تحسين تمويل نظام الحماية الاجتماعية وتوسيع نطاق تغطيته.
▪ تحسين التكاليف والإيرادات: يُتيح السجلّ الوطني الموحّد للمؤسّسات المعنيّة بالحماية الاجتماعية أن تُحدِّد كلّ مقيم بشكل فريد، وأن تتتبَّع مختلف أشكال التعويضات والتغطية والمساعدات، ممّا يحدّ من الازدواجية في الجهود. يضمن ذلك استمرارية الترابط بين البرامج القائمة على الاشتراكات وغير القائمة على الاشتراكات، وحماية الأموال العامّة. كذلك، يمكن للمؤسّسات الخاصّة والمنظّمات الدولية الاستفادة من المُعرِّف الفريد لتوثيق بيانات المستفيدين/ات، مما يُعزِّز كفاءة وتنسيق نظام الحماية الاجتماعية.
▪ التحدّيات في اختيار المستفيدين/ات: يُشكِّل تطوير آليات وصول عادلة وشفّافة لتحديد المستفيدين/ات تحدّيًا كبيرًا لكلٍّ من البرامج التي تقودها الدولة والمنظّمات الإنسانية. وغالبًا ما يُخفي الجدل حول "الأهلية" إشكاليةً أعمق تتعلّق بـ"وضوح البيانات"، حيث يمكن أن يؤدّي الغموض والتناقض في التعريفات والتصنيفات إلى التلاعب في البيانات أو تفسيرها بشكلٍ خاطئ.
▪ معالجة التعريفات البيروقراطية: غالبًا ما تكون المصطلحات مثل "الفئات الهشّة" و"غير المستقرّة" و"الفقيرة" موضوعًا للتفاوض بين مقدّمي الخدمات والمستفيدين/ات. يُنتِج هذا التفاعل "اقتصادًا قائمًا على الكذب"، حيث يقوم المستفيدون/ات بالتكيُّف مع التعريفات المتغيّرة والعشوائية من أجل تلبية معايير الأهلية. لذلك، يجب أن تُعالَج التعريفات البيروقراطية والتصنيفات ومعايير الأهلية بشكل دقيق ضمن الجهود التحضيرية لإنشاء السجلّ الوطني الموحّد. ويُفتَرَض أن تُحسِّن هذه الخطوة طريقة تخصيص الموارد في البرامج غير القائمة على الاشتراكات، وتُعزِّز التكامل مع البرامج الإلزامية والقائمة على الاشتراكات.
التحدّيات والتوصيات
▪ يجب ضمان أمن البيانات وسرّيتها وخصوصيتها من خلال استخدام تقنيات آمنة. يتّسم نظام الرقابة الحالي في لبنان بانتهاكات واسعة النطاق لخصوصية الأفراد، فضلًا عن ثغرات كبيرة في الأمن السيبراني، ممّا يُشكِّل مخاطر جسيمة على أمن بيانات المواطنين/ات. وغالبًا ما تؤدّي المخاوف المتعلّقة بالأمن القومي أو التهديدات المُفتَرَضة إلى ممارسات قمعية تقوم بها الشرطة والمجموعات شبه العسكرية والميليشيات، التي تعمل في كثيرٍ من الأحيان خارج نطاق القانون. بالإضافة إلى ذلك، تنخرط جهات حكومية متعدّدة في عمليات مراقبة رقمية واسعة النطاق، ممّا يُفاقِم هذه المخاطر أكثر فأكثر. لمعالجة هذه التحدّيات، يجب على المؤسّسات والجهات المعنيّة بإدارة البيانات الحسّاسة تنفيذ تدابير فعّالة لحماية الأمن السيبراني. كذلك، يجب وضع أُطُر قانونية شاملة لتنظيم أعمال المراقبة الرقمية، بما يضمن حماية خصوصية المواطنين/ات من الوصول غير المُصرَّح به والجهات التطفُّلية.
▪ تبرز الحاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث لفهم الدور السياسي للبيانات وكيفية توظيفها في لبنان. سيُساهِم هذا البحث في تسليط الضوء على كيفية بناء البيانات سياسيًا، ممّا يكشف عن دورها في ترسيخ هياكل السلطة الحالية. يجب أن تستكشف هذه الأبحاث الآليات التي تؤثّر من خلالها البيانات على عملية صنع القرار السياسي والحوكمة، مع تحليل كيفية استخدامها إمّا لتعزيز السرديات السائدة أو تحدّيها.
▪ يجب اعتماد نهج مخصّص لإدارة البيانات من أجل معالجة التحدّيات القانونية والأخلاقية والعملية التي يتّصف بها السياق اللبناني. يتضمّن هذا النهج وضع أُطُر قانونية تُعزِّز ثقة المواطنين/ات وتُرسِّخ الممارسات الأخلاقية في التعامل مع البيانات. يجب التصدّي للمعارضة العامّة التي تَحول دون تنفيذ الإصلاحات في إدارة البيانات، وذلك من خلال تعزيز الشفافية وضمان الموافقة المُطَّلِعة واعتماد عمليات تشارُكية. كذلك، يجب تصميم نظام إدارة البيانات بطريقةٍ تكفل تعزيز التعاون بين الهيئات الوزارية والجهات العامّة الأخرى، ممّا يُتيح تكاملًا فعّالًا لمصادر البيانات مع الالتزام بمعايير الخصوصية والأخلاقيات المهنية.
▪ يتطلّب النهج الشامل تنفيذ إصلاحات متزامنة في القطاع العام. يجب أن تشمل الإصلاحات تغييراتٍ متوازية في مختلف القطاعات الحكومية، بما في ذلك إنشاء نظام معلومات لسوق العمل، وإصلاح الإدارة الضريبية، وتنفيذ سياسات اجتماعية شاملة. ويجب أن تتناول الإصلاحات أيضًا قضايا أساسية مثل أمن البيانات وحمايتها، بالإضافة إلى تقييم عمليات الأجهزة القضائية والأجهزة العسكرية/الأمنية. تُعَدّ هذه الإصلاحات الشاملة ضرورية لتهيئة بيئة مناسبة لحوكمة البيانات وتكاملها، ممّا يُمهِّد الطريق لإنشاء سجلّ وطني موحّد ناجح وفعّال.
▪ قد يكون التكامل التدريجي هو الخيار الأكثر واقعية للمضيّ قدمًا، حيث يهدف إلى إنشاء سجلّ موحّد من خلال عملية متدرّجة خُطوة بخطوة، بدلًا من تجزئة مشروع الإصلاح بأكمله إلى مهام صغيرة ومعزولة. غالبًا ما يؤدّي التدخّل السياسي في مجال معيّن إلى عرقلة مجالات أخرى، ممّا قد يُعيق جهود التحديث بأكملها. ومن خلال اعتماد استراتيجية التكامل التدريجي، يمكن للبنان تقليل هذه المخاطر، ممّا يضمن تحقيق تقدّم مستمرّ نحو نظام موحّد لإدارة المعلومات، بحيث يدعم الحماية الاجتماعية بفعّالية.
▪ الاستفادة من الأُطُر القانونية الحالية. يجب الاستناد إلى الأُطُر القانونية الحالية، مثل قانون اعتماد رقم التعريف الموحّد وقانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي، في تصميم السجلّ الوطني الموحّد. في قانون اعتماد رقم التعريف الموحّد، يُشار إلى المديرية العامّة للأحوال الشخصية كجهة مسؤولة عن إصدار وإدارة أرقام التعريف، ممّا يستوجب إشراكها في تصميم السجلّ الوطني الموحّد. بالإضافة إلى ذلك، يجب الاستناد إلى القوانين، مثل قانون حماية المستهلك وإطار التشغيل البَيْني للحكومة اللبنانية، من أجل تطوير سجلّ شامل ومتوافق قانونيًا مع البنية القانونية القائمة.
▪ يجب تجنُّب فخّ الاعتماد المفرط على السجلّات الاجتماعية. من الضروري عدم الاعتماد بشكل مفرط على السجلّات الاجتماعية، إذ يمكن أن يؤدّي ذلك إلى أنظمة محدودة وغير فعّالة. وفي حين يمكن البناء على الجهود القائمة، يجب ألّا يقتصر السجلّ الوطني الموحّد على كونه مجرّد سجلّ اجتماعي آخر مبنيّ على الاستهداف، بل يجب أن يتطوّر ليُصبح نظامًا شاملًا يضمّ جميع برامج الحماية الاجتماعية. غالبًا ما تفشل السجلّات القائمة على الاستهداف بسبب افتراضات قديمة وغياب التحديثات المستمرّة، ممّا يؤدّي إلى ثغرات في الكفاءة والعدالة. لذلك، يجب تصميم السجلّ الوطني الموحّد ليكون ديناميكيًا وقابلًا للتكيُّف، بحيث يمكنه مواكبة تغيّرات البُنى الأُسَرية والتطوُّرات في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
▪ استخلاص الدروس من التجارب الدولية. تُظهِر التجارب الدولية محدودية السجلّات القائمة على الاستهداف والتي تَعتمِد على افتراضات ثابتة، حيث غالبًا ما تفشل بسبب أساليب جمع البيانات القديمة. تُواجِه هذه السجلّات صعوبةً في التطوّر لتُصبح أنظمة شاملة، مثل السجلّ الوطني الموحّد، القادر على إدارة احتياجات الحماية الاجتماعية المتنوّعة والديناميكية بفعّالية. لذلك، يجب تصميم السجلّ الوطني الموحّد كنظام مَرِن وقابل للتكيُّف، مع تحديثه بانتظام لمواكبة التغيّرات في البُنى الأسرية والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. ومن خلال الاستفادة من الدروس المستخلصة من التجارب الدولية، يمكن للبنان تجنُّب هذه العقبات الشائعة وتطوير إطار أكثر كفاءةً ومرونةً لإدارة البيانات.
▪ تعزيز الحوكمة المؤسّسية لإدارة البيانات. من أجل إرساء أساس متين لإدارة البيانات وتكاملها في لبنان، يجب إجراء إصلاح شامل لنظام الحوكمة المؤسّسية. وتُشكِّل الاستراتيجية الرقمية التي وضعها مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية نقطة انطلاق مناسبة لإطلاق نقاش وطني حول الحوكمة الرقمية. يجب أن تُحدِّد هذه الاستراتيجية الأدوار والمسؤوليات بوضوح، مع وضع إطار حوكمة يُعزِّز الإدارة الفعّالة للبيانات وتكاملها بين مختلف القطاعات. ويُفتَرَض أن يسمح ذلك للبنان بالاستفادة من موارده الرقمية بكفاءة، وتحسين تقديم الخدمات العامّة، وإنشاء نظام موحّد لإدارة البيانات الأساسية عبر المؤسّسات الحكومية.
▪ توسيع نطاق الحوكمة لتشمل المنظّمات غير الحكومية. يجب أن تمتدّ الحوكمة الفعّالة لإدارة البيانات إلى ما هو أبعد من القطاع العام، لتشمل المنظّمات غير الحكومية التي تلعب دورًا أساسيًا في تقديم خدمات الحماية الاجتماعية في لبنان. ويُعَدّ تكامل الجهود بين القطاعَيْن العام وغير الحكومي أمرًا بالغ الأهمية لمعالجة الاحتياجات المستجدّة والاستجابة للصدمات الخارجية بشكل دقيق وفي الوقت المناسب. لتحقيق ذلك، من الضروري وضع إطار حوكمة مُنسَّق يُسهِّل تبادل البيانات والتعاون بين الجهات الحكومية وغير الحكومية. فسيُسهِم هذا التكامل في إنشاء نظام أكثر استجابةً وكفاءةً وشمولًا لإدارة برامج الحماية الاجتماعية، لا سيّما في أوقات الأزمات.
▪ بناء الثقة بين المؤسّسات من خلال الحوكمة الشفّافة للبيانات. تُعَدّ إقامة الثقة بين المؤسّسات عنصرًا أساسيًا لنجاح نموذج إدارة البيانات. ويتطلّب تحقيق ذلك إنشاء إطار شامل وشفّاف لتبادل البيانات وإمكانية الوصول إليها، بحيث تكون الأدوار والمسؤوليات مُحدَّدة بوضوح. والجدير بالذكر أنَّ ضمان الشفافية والمساءلة في ممارسات حوكمة البيانات هو أمر ضروري لتعزيز الثقة المؤسّسية. عندما تكون ممارسات إدارة البيانات مفتوحة وخاضعة لتنظيمٍ واضح، يمكن للمؤسّسات أن تتعاون بفعّالية وأن تثق بأنَّ البيانات ستُعالَج بمسؤولية وفقًا للمعايير الأخلاقية.
▪ من الضروري إرساء إطار لحوكمة البيانات وتنفيذه. يجب أن يتضمّن هذا الإطار إرشادات واضحة حول هيكلة البيانات، وإمكانية الوصول إليها، والشفافية، والأمان، والخصوصية. لدى لبنان سجلٌّ من استراتيجيات التحوُّل الرقمي التي يجب أن تُحدَّث باستمرار وتُعَدَّل وفقًا للاتّجاهات والتحدّيات الجديدة. وسيُساهِم إطار حوكمة البيانات الفعّال في دعم تطوير السجلّ الوطني الموحّد وإدارته.
▪ تُعَدّ استضافة جميع البيانات الاجتماعية داخل البلد شرطًا أساسيًا لضمان أمن البيانات. تقوم وزارات عدّة حاليًا بتخزين بياناتها على سحابات خارجية، ممّا يُشكِّل مخاطر أمنية. ويمكن أن يُسهِم الاعتماد على مراكز بيانات محلّية، مثل أوجيرو، في تعزيز أمن البيانات إذ يضمن ذلك تخزين قواعد البيانات التي تملكها وتُديرها الدولة ضمن بنية تحتية وطنية آمنة.
▪ يجب إضفاء الطابع المهني على آلية إدارة البيانات في القطاع العام. تُعَدّ إدارة البيانات وظيفةً أساسيةً لا تقلُّ أهميةً عن إدارة الموارد المالية والبشرية في العمليات الحكومية الحديثة. يتطلّب ذلك إنشاء وحدات متخصّصة لإدارة البيانات عبر الوزارات التنفيذية، إضافةً إلى إضفاء الطابع المهني والتقني على وظائف إدارة البيانات في القطاع العام. ويُعَدّ تطوير إطار واضح للكفاءات وبناء القدرات المؤسّسية أمرًا ضروريًا لتمكين الدولة من إدارة أحجام كبيرة من البيانات واستيعابها، ممّا يضمن الاستعداد للتطوُّرات المتواصلة والتوجّهات الحديثة.
المقدّمة
الاستفادة من الزخم واغتنام الفرصة: لماذا باتَ إنشاء سجلّ موحّد أمرًا لا مفرّ منه في السياق الحالي؟
بعد أربع سنوات من الأزمات المتتالية، لا سيّما مع الأزمة المالية والاجتماعية، وجائحة كوفيد-١٩، وانفجار مرفأ بيروت، والشلل السياسي، والحرب المُدمِّرة مؤخّرًا، يجد لبنان نفسه عند مفترق طرق حاسم. ويُعتبَر إطلاق الاستراتيجية الوطنية الأولى للحماية الاجتماعية عام ٢٠٢٤ تطوُّرًا واعدًا، حيث حظيَ بإشادةٍ ملحوظة من المنظّمات الدولية، مثل منظّمة العمل الدولية واليونيسف، باعتباره "محطّة بارزة في جهود تعافي لبنان، وخطوة أولى نحو إصلاحٍ اجتماعي شامل" (منظّمة العمل الدولية، ٢٠٢٤ أ، ص.١). ومع ذلك، قد يتبدّد هذا التفاؤل سريعًا في حال استمرَّ الجمود السياسي للحكومة وتكرّرت النزعة التاريخية نحو تفويض المسؤوليات للجهات الخارجية وإسناد الوظائف إلى أطراف ثالثة.
لطالما كانَ نظامُ الحماية الاجتماعية في لبنان غير كافٍ وغير فعّال في توفير الحدّ الأدنى من الضمانات للمواطنين/ات (إدارة الإحصاء المركزي ومنظّمة العمل الدولية، ٢٠١٩) والحدّ من التداعيات الخطيرة للاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية. وقد أدّت الأزمة إلى تفاقم المخاطر والتحدّيات البنيوية التي قد تُضعِف أكثر فأكثر دور الدولة كمُقدِّم رئيسي لخدمات الحماية الاجتماعية (حريري، ٢٠٢٣). في الواقع، أدّى النقص في الموارد المالية، إلى جانب الجمود السياسي، إلى إحداث خلل كبير في خدمات الحماية الاجتماعية. ويتجلّى ذلك بوضوح في التحوُّل التدريجي من البرامج القائمة على الاشتراكات، التي كانت أساسًا مُصمَّمة لصالح موظّفي/ات القطاع العام (معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي، ٢٠٢١)، إلى المساعدات الاجتماعية غير القائمة على الاشتراكات، إلى جانب الاعتماد المتزايد على تمويل الجهات المانحة. وبالتالي، يبدو أنَّ النموذج الحالي للحماية الاجتماعية الذي تُديره الدولة باتَ يُعطي الأولوية لنهجٍ إنساني إقصائي بدلًا من اعتماد إطار متكامل قائم على الحقوق. كذلك، يبدو أنَّ المؤسّسات الحكومية المعنيّة بالحماية الاجتماعية تفقد نفوذها أمام مؤسّسات القطاع الخاصّ والجماعات الإنسانية أو الطائفية، بينما يتقلّص نطاق التغطية العامّة، تاركًا "طبقة الوسط المفقود" تُواجِه مصيرَها بمفردها (مزهر، ٢٠٢١).
وبالتوازي مع الاستراتيجية الوطنية الواعدة للحماية الاجتماعية، أقرّت الحكومة اللبنانية قانونًا جديدًا في نهاية عام ٢٠٢٣ لإنشاء نظام شامل للمعاشات التقاعدية للعاملين/ات في القطاع الخاصّ (صحيفة لوريان لوجور، ٢٠٢٣). من الناحية النظرية على الأقلّ، يُمثِّل هذا القانون تحوُّلًا جذريًا في حوكمة برامج الضمان الاجتماعي القائمة، ويُوفِّر فرصة محورية للتقدُّم نحو نظام حماية اجتماعية أكثر شمولًا. ومع ذلك، فإنَّ تنفيذ الإصلاحات الاجتماعية التي تتطلّب إنشاء سجلّات جديدة من دون تأسيس سجلّات موحّدة ومتكاملة مسبقًا، أو على الأقلّ وضع رؤية واضحة لهياكلها وتصميمها، قد يؤدّي إلى استمرار عدم الكفاءة وسوء تخصيص الموارد واستمرار أوجه القصور في تلبية احتياجات الرعاية الاجتماعية في لبنان. لذلك، وعلى الرغم من هذه الخطوات الأولى الواعدة، تبقى أسئلة جوهرية كثيرة مطروحة: كيف يمكن للدولة تصميم وتنفيذ سياسات حماية اجتماعية فعّالة وقائمة على أدلّة واضحة، في ظلّ غياب مصدر بيانات موثوق وشامل؟ (منظّمة العمل الدولية، ٢٠٢٤ ب). كيف يُؤثِّر غياب سجلّ اجتماعي شامل على قدرة الحكومة في تحديد المستفيدين/ات بدقّة واستهدافهم/نّ ببرامج الحماية الاجتماعية؟ كيف يمكن للدولة تعزيز برامج شاملة وجامعة في حين أنَّ المؤسّسات العامّة والخاصّة تعمل بمعزل عن بعضها البعض، باستخدام أنظمة معلومات وسجلّات غير متوافقة؟
تكمُن تعقيدات هذه الأسئلة في الافتقار إلى فهمٍ شامل لكيفية تطوير واستخدام وصيانة قواعد البيانات وأنظمة المعلومات عبر الجهات العامّة. واستجابةً لذلك، يُركِّز هذا التقرير على دراسة الفوائد المُحتمَلة للانتقال من أنظمة معلومات مُجزّأة ومعزولة إلى أُطُر متكاملة وقابلة للتشغيل البَيْني، مع التأكيد على مبدأَيْ الإنصاف والشمولية في توزيع خدمات الرعاية الاجتماعية.
يدعو هذا التقرير أيضًا إلى إنشاء سجلّ وطني موحّد في لبنان. يُنظَر عادةً إلى تطوير مثل هذا السجلّ على أنَّه الخطوة الأولى لتطبيق أيّ برنامج للحماية الاجتماعية (ليندرت وآخرون، ٢٠٢٠). فالسجلّ المُصمَّم يُسهِّل عمليات الوصول إلى المستفيدين/ات، وتسجيلهم/نّ، والتحقّق من أهليتهم/نّ للاستفادة من برامج الرعاية الاجتماعية. أصبحت البيانات الدقيقة والمفصّلة حول المقيمين/ات أمرًا بالغ الأهمية، لا سيّما خلال فترات الأزمات وما بعدها، حيث تزداد الاحتياجات، وتصبح الموارد أكثر ندرةً، ويتضاعف عدد مُقدِّمي خدمات الحماية الاجتماعية.
تَعتمِد منهجية هذا التقرير على مراجعة شاملة للمنشورات والمراجع واستخدام نهج مُقارَن لاستخلاص الدروس من البلدان المجاورة، بهدف تحديد المخاطر الرئيسية التي يجب معالجتها في مرحلة مبكرة من تصميم وتنفيذ السجلّ الوطني الموحّد. ويشمل التقرير سبع مقابلات معمّقة مع مقدّمي/ات معلومات رئيسيين/ات من القطاع العام وخبراء دوليين يعملون في لبنان وفي سياقات مماثلة. ويُشير التقرير إلى أنَّ تطوير سجلّ وطني موحّد يُعَدّ شرطًا أساسيًا لإنشاء نظام وطني فعّال ومنصف لتوفير الحماية الاجتماعية، إذ يُتيح تدفّق المعلومات بفعّالية وإدارتها عبر مختلف البرامج والقطاعات، مثل التعليم، والصحّة، والسجلّات المدنية، والسجلّات المالية. يُفتَرَض أن يؤدّي نظام المعلومات الموحّد أو السجلّ الموحّد إلى تحسين وظائف كثيرة، لا سيّما تمكين الحكومة من تحديد واستهداف الفئات المستهدفة، وتصنيف الاحتياجات، وتكييف المنافع والخدمات، ومراقبة المستفيدين/ات، ومعالجة الثغرات والتكرار في التغطية، وتحسين دقّة البيانات، وتقليل التكاليف، وتبسيط الإجراءات الإدارية.
كذلك، يُسلِّط هذا التقرير الضوء على التقدُّم الملحوظ الذي أحرزته الحكومة اللبنانية والجهات العامّة نحو تحسين أنظمة المعلومات وقوائم المستفيدين/ات. وتشمل المبادرات البارزة الجهود التي تقودها رئاسة مجلس الوزراء لتعزيز التنسيق بين الوزارات. فأصبح صُنّاع القرار أكثر إدراكًا لأهمية تبادل المعلومات، ودمج قواعد البيانات، وتوحيد الأنظمة. ومع ذلك، وقبل مناقشة كيفية تحقيق هذا الدمج والتشغيل البَيْني، يبقى من الضروري توضيح ما الذي سيتمّ توحيده أو دمجه تحديدًا. فسواء كانَ الحديث عن السجلّات الوطنية، أو الاجتماعية، أو سجلّات المستفيدين/ات، وهي مصطلحات غالبًا ما تُستخدَم بشكل متبادل رغم أنَّها تُشير إلى مفاهيم مختلفة، من الضروري أوّلًا تقييم الغرض من كلٍّ منها، ووظيفتها، وتداعياتها السياسية. وبما أنَّ قواعد البيانات هي أدواتٌ أساسية لصنع السياسات العامّة، تبقى بطبيعتها مشروطة بالاعتبارات الأيديولوجية والسياسية. لذلك، فإنَّ الإطار السياسي للحماية الاجتماعية الذي يُوجِّه تصميمها وتطويرها يستحقُّ دراسةً متأنّية. هل يُنظَر إلى السجلّ الوطني الموحّد كأداة للرصد، أم كخطوة نحو نظام حماية اجتماعية شامل وجامع، أم كأداة للتحقّق من الأهلية لبرامج المساعدات الاجتماعية المُستهدَفة؟ هل يُعتبَر مبادرةً مستقلّة أم جزءًا من برامج المساعدات الاجتماعية المشروطة التي قد تُقوّض شمولية نظام الحماية الاجتماعية في لبنان (سكالا، ٢٠٢٢)؟ وبالتالي، وبينما يدعو التقرير إلى إنشاء السجلّ الوطني الموحّد، فإنَّه يتناول بشكل نقدي مجموعة من المخاطر والقضايا الخلافية، بما في ذلك ندرة البيانات، والتشرذم المؤسّسي، ومخاوف الخصوصية، والاعتماد على تمويل الجهات المانحة، وغيرها من العقبات التي أعاقت تنفيذ السجلّات الوطنية في العديد من البلدان. تبرز هذه التحدّيات بشكل خاصّ عندما تُطلِق الحكومات سجلّات مُستهدَفة بحجّة توسيع نطاقها لاحقًا، ولكنَّها في الواقع تُنتِج أنظمة مُجزَّأة ومحدودة التغطية تعتمد على بيانات قديمة أو غير كافية (كيد، أثياس، ومحمّد، ٢٠٢١).
القسم الأوّل: البرامج والأنظمة المتفرّقة
كشفت الأزمة اللبنانية عن قصورٍ هيكلي كبير في الإطار الرسمي للحماية الاجتماعية في البلد. أوّلًا، لم يكن هذا الإطار يومًا متماشيًا مع نهج دورة الحياة. ونتيجةً لذلك، دُفِعَ العديد من كبار السنّ، الذين يُواجِهون أصلًا هشاشةً متزايدة، إلى ما دون خطّ الفقر، وفقدوا مدّخراتهم/نّ التي جمّعوها مدى الحياة وإمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية للحماية الاجتماعية في ظلّ الانهيار الاقتصادي والنقدي في البلد (أبي شاهين، ٢٠٢٢). ثانيًا، لم يكن النظام قادرًا على استيعاب الصدمات الخارجية التي باتت متكرّرة في لبنان. فقد شهدَ البلد خلال السنوات القليلة الماضية سلسلة من الصدمات الواسعة النطاق، مثل انفجار مرفأ بيروت، وجائحة كوفيد-١٩، والحرب الإسرائيلية على غزّة ولبنان. وقد خلّفت هذه الأحداث آثارًا مباشرة وغير مباشرة عميقة على المجتمع، في حين عجزت الحكومة عن الاستجابة بشكل استباقي، أو تنفيذ تدابير احترازية في الوقت المناسب، أو وضع سياسات فعّالة لمعالجة التداعيات السريعة والواسعة النطاق.[1]
يمكن أن تُعزى الأسباب الجذرية لهذه الثغرات إلى غيابِ نهجٍ قائمٍ على السياسات في مجال الحماية الاجتماعية، إلى جانب الافتقار إلى التخطيط والجهوزية والتمويل المستدام وبلا شكّ، الإرادة السياسية. غير أنَّ الأزمات المتعدّدة الأبعاد التي واجهها لبنان منذ اندلاع الحرب في سوريا عام ٢٠١١ كشفت عن واقعٍ أكثر إثارةً للقلق: النظام ببساطة كانَ مُتغافِلًا. وكانَ هذه التغافُل مزدوجًا (i): لم يتمكّن النظام من تحديد الأفراد الذين يحتاجون إلى تدخّل عاجل بسرعة وبدقّة، وبالتالي لم يستطع تقديم المنافع والخدمات الملائمة لهم/نّ. وحتّى برامج المساعدة الاجتماعية التي تستهدف الفقر، مثل البرنامج الوطني لدعم الأُسَر الأكثر فقرًا وبرنامج شبكة الأمان الاجتماعي في حالات الطوارئ، صُمِّمت كإجراءات مؤقّتة ولم تخلُ من تحدّيات كبيرة في آليات الاستهداف والتحقّق؛ و(ii) لم يكن النظام قادرًا على تقديم رؤى واضحة حول أفضل آليات التوصيل والتدابير اللازمة لمواجهة الصدمات الخارجية، لأنَّ السجلّات الاجتماعية القائمة كانت مُصمَّمة، بطبيعتها، للاستجابة لتحدّياتٍ محدّدة مسبقًا.
من الناحية الإيجابية، يُمثِّل اعتماد الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية محطّة أساسية نحو إصلاحٍ شامل وجامع. تُبرِز الاستراتيجية بوضوح الحاجة الاستراتيجية إلى إنشاء سجلّ وطني موحّد. ومع ذلك، فهي لا تُقدِّم إطارًا عمليًا واضحًا وقابلًا للتنفيذ لتطوير نظام موحّد أو متكامل لتقديم الخدمات الاجتماعية بفعّالية. كذلك، لا تُحدِّد الاستراتيجية بشكل دقيق نوع السجلّ المطلوب لمعالجة الثغرات المنهجية في الإشراف، ولا تتناول التأثيرات الأوسع لهذه الفجوات على السياسات الاجتماعية ضمن الإطار الوطني المنشود للحماية الاجتماعية.
في الممارسة العملية، يعتمد نجاح أيّ نظام حماية اجتماعية على قدرته في تحديد المستفيدين/ات بدقّة، وضمان تسجيلهم/نّ بسلاسة، وتقديم الدعم الكافي، والتكيُّف مع الاحتياجات المتطوّرة، والحفاظ على آلية مراقبة فعّالة. ويتطلّب ذلك تنفيذ نظام بيانات يعمل في الوقت الفعلي، بحيث يُسهِّل تبادل المعلومات من خلال تكامل الوظائف الأساسية ضمن سلسلة تقديم خدمات الحماية الاجتماعية. كذلك، يُعَدّ التشغيل البَيْني مع الأنظمة الحكومية الأخرى ضروريًا لتحقيق وفورات الحجم والنطاق (شيرشير وباركا، ٢٠٢٠).
وعلى الرغم من بعض التغيّرات التي شهدها مشهد الحماية الاجتماعية في لبنان عقب الأزمة، إلّا أنَّه لا يزال يتّسم بتعدُّد البرامج والنُظُم المجزّأة. ويُظهِر المسح السريع للبرامج المُموَّلة والمُدارة من قِبل الدولة (معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي، ٢٠٢١؛ انظر الملحق ٢) ما يلي:
▪ يوجد أكثر من ١٤٥ برنامجًا وخدمةً للحماية الاجتماعية في الموازنة والوثائق الرسمية. ولو تمّ إجراء مسح رسمي وشامل لخدمات الحماية الاجتماعية، فمن المُرجَّح أن يكون هذا الرقم أعلى بكثير. لا يزال العدد الدقيق للسجلّات أو قواعد البيانات المرتبطة بهذه البرامج غير معروف. ومع ذلك، وفي ظلّ غياب خطط تكامل واضحة، يمكن الاستنتاج منطقيًا أنَّ عدد قواعد بيانات المستفيدين/ات المنفصلة يتطابق مع عدد البرامج المُحدَّدة.
▪ صحيحٌ أنَّ قيادة ملفّ الحماية الاجتماعية تبدو متأرجحة بين رئاسة مجلس الوزراء ووزارة الشؤون الاجتماعية، إلّا أنَّه لا يمكن لأيّ جهة حكومية أن تدّعي الفهم الشامل لجميع برامج وخدمات الحماية الاجتماعية التشغيلية، أو الإدراك العميق لنطاق تغطيتها، ومنافعها، وآلياتها.
▪ تُعتبَر برامج التأمين الاجتماعي من بين الأكثر تشتُّتًا، إذ تُديرها جهات مختلفة بشكل مستقلّ. علاوةً على ذلك، لا يتمّ تجميع أو نشر أيّ بيانات رسمية مُجمَّعة حول إجمالي عدد المنتسبين/ات. إنَّ هذا النقص في التنسيق يُضعِف بشكل منهجي وظائف رئيسية مثل الاستهداف، والتدقيق المتقاطع، والتحقّق، ممّا يُولِّد ثغرات كبيرة في النظام. وتشمل هذه الثغرات انتشار حالات الظلم على نطاق واسع، مثل ارتفاع معدّلات الأفراد غير المشمولين/ات واستبعاد شرائح كبيرة من السكّان، بالإضافة إلى توفير فُرَص لاستغلال النظام (بما في ذلك التكرار، والريْع، والمحسوبيّة، وغيرها).
▪ قد تقوم بعض الجهات الحكومية، مثل وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الصحّة العامّة، بإدارة أو تشغيل عدّة برامج في الوقت نفسه، إلّا أنَّ ذلك لا يعني بالضرورة تكامل الخدمات بشكل كامل. وبالتالي، يفتقر النظام إلى الدقّة والنزاهة اللازمتَيْن لمنع الأخطاء والغشّ بفعّالية.
▪ يؤدّي انتشار البرامج المتشابهة إلى فرض عبء إداري كبير على إدارة السجلّات، لا سيّما خلال الأزمات، حيث تُواجِه الدولة خسارة غير قابلة للتعويض في قدراتها البشرية وتُقيَّد بموارد مالية محدودة. يمكن أن يُساهِم إنشاء سجلّ وطني موحّد بشكل كبير في تخفيف الضغط التشغيلي على العديد من الإدارات العامّة، مع تقليل التكاليف التشغيلية والإدارية المرتبطة بإدارة أنظمة المعلومات. بالإضافة إلى ذلك، قد تستفيد البرامج المُموَّلة من الجهات المانحة من أُطُر منطقية أكثر استهدافًا وفعّالية، لا سيّما في ظلّ اعتماد لبنان المؤقّت (ولكن المتكرّر) على المساعدات الاجتماعية الدولية.
▪ لا تؤدّي ندرة البيانات إلى تفاقم العيوب الهيكلية والتشرذم داخل مشهد الحماية الاجتماعية فحسب، بل تُشكِّل أيضًا خطرًا سياسيًا يبدو أنَّ السياسيين اللبنانيين مستعدّون لقبوله، رغم ما يترتّب عليه من زيادة في الغموض وإساءة استخدام السياسات العامّة. في ظلّ السياق المذكور أعلاه، يبرز السؤال الأساسي: هل يمكن للبنان تجاوز هذا الكمّ الهائل من التحدّيات السياسية والإدارية؟
الجدول ١: تصنيف برامج/خدمات الحماية الاجتماعية بحسب الركيزة
ملاحظة: تمّ الحصول على معظم المعلومات الواردة في هذا الجدول من المراجع المذكورة أدناه. بعض البرامج توقّفت، مثل دعم المحروقات الذي تمّ رفعه في آب/أغسطس ٢٠٢١، بينما لا تزال بعض البرامج الأخرى قائمة، مثل برنامج دعم القمح المُموَّل من خلال قرض من البنك الدولي، والذي يوشك على الانتهاء، بالإضافة إلى دعم تأمين الأدوية للأمراض المزمنة. أمّا البرامج الأخرى، التي كانت تُموَّل أساسًا من موازنة الدولة، مثل برامج المعاشات التقاعدية وبرامج الرعاية الاجتماعية وغيرها من البرامج التي تُشرف عليها الوزارات المعنيّة، فقد تقلّصت بشكل كبير من حيث الحجم والنطاق بسبب الأزمة المالية والنقدية. في المقابل، تمّ إطلاق عدد محدود من برامج المساعدة الاجتماعية، مثل برنامج شبكة الأمان الاجتماعي في حالات الطوارئ المُموَّل من البنك الدولي والمُوجَّه لاستهداف الفقر، بالإضافة إلى تصميم وإطلاق أوّل برنامج مِنَح اجتماعية في لبنان، وهو برنامج البدل النقدي للأشخاص ذوي الإعاقة، المُموَّل من الاتّحاد الأوروبي والمدعوم بشكل مشترك من قِبل اليونيسف ومنظّمة العمل الدولية.
المراجع: معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي، ٢٠٢١، مجموعة البنك الدولي، ٢٠٢٣، اليونيسف، ٢٠٢٣.
القسم الثاني: الحاجة المُلِحَّة إلى إعادة التصميم: هل يستطيع لبنان تلبية المتطلّبات اللازمة للانتقال إلى سجلّ موحّد؟
يُعتَبَر توحيد البيانات العامّة وتكاملها، بالإضافة إلى تعميم استخدام السجلّات الوطنية الموحّدة في الإدارة العامّة، خطوةً طموحة يمكن أن تُحدِث "ثورة" في المعايير والممارسات الإدارية (طوملينسون، ٢٠١٩). وتطرح هذه الجهود أيضًا تحدّيًا كبيرًا لسيطرة النخب السياسية على النظام، كما تُثير تساؤلات هامّة تتعلّق بالعدالة الاجتماعية والحوكمة العامّة (راول، ٢٠٠٢). ومع تزايد تبنّي الحكومات والمؤسّسات الحكومية والسلطات المحلّية للتقنيات الرقمية، وتكنولوجيا المعلومات والاتّصالات، والمقاربات القائمة على البيانات في عملياتها وخدماتها، تَظهَر مخاوف متزايدة بشأن انعكاسات الحوكمة الرقمية على العدالة، وإمكانية إساءة استخدام البيانات الشخصية، والمخاطر التي قد تُواجِه المواطنين/ات والجهات المستقلّة داخل المجتمع المدني نتيجة النظام الرقمي الشامل (زوبوف، ٢٠٢٣).
قبل المتابعة، لا بدّ من معالجة عدّة تساؤلات رئيسية: أيّ من المؤسّسات الشرعية يجب أن تُمنَح حقّ الوصول المتميّز إلى السجلّات العامّة الموحّدة؟ وكيف يمكن منع التعدّي غير المُبرَّر على الحياة الخاصّة أو فرض عقوبات عليه؟ ما هي المتطلّبات الأساسية لتحسين حوكمة المعلومات العامّة بطريقة تُحافِظ على الحقوق الأساسية وتحميها؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين إتاحة الوصول إلى السجلّات الحكومية وبين حماية المعلومات الشخصية؟
نظرًا للتشرذُم الحالي الذي يشهده مشهد الحماية الاجتماعية في لبنان، لا بدّ أن يستوفي توحيد السجلّات الوطنية المتطلّبات القانونية والمؤسّسية والتقنية الأساسية (الرسم ١). والأهمّ من ذلك، يجب أن يُوفِّق بين مجموعات متضاربة من القِيَم الأخلاقية والمهنية، مثل الواجب الطبّي في الحفاظ على السرّية مقابل الالتزام القانوني بالإبلاغ عن حالات الإساءة أو العنف إلى الدولة أو السلطات القضائية أو أطراف ثالثة. يُقدِّم هذا القسم لمحة موجزة عن الشروط الأساسية لإنشاء سجلّ موحّد أو متكامل، مع التركيز بشكل خاصّ على الاعتبارات المتضاربة - مثل الحقّ في الخصوصية، والسرّية المهنية، والأخلاقيات، التي قد تُشكِّل تحدّيات أمام تصميم هذه الأنظمة وتنفيذها.
الرسم ١: المتطلّبات الأساسية لدمج أنظمة معلومات الحماية الاجتماعية
المرجع: جورج وليتي (George & Leite)، أنظمة المعلومات الاجتماعية المتكاملة والسجلّات الاجتماعية (Integrated Social Information Systems and Social Registries، ٢٠١٩، بتصرّف).
يُنظَر بشكل متزايد إلى إدارة أنظمة المعلومات والبيانات على أنَّها وظيفة تُضاهي إدارة الموارد المالية والبشرية في سياق التدخّلات العامّة. ويُعزى هذا التحوُّل إلى الاعتماد المتزايد على الإدارة الفعّالة للبيانات المملوكة للدولة واستخدامها لضمان تقديم خدمات ذات جودة عالية. وكما هو الحال في الوظيفتَيْن المذكورتَيْن أعلاه، يستلزم هذا الأمر بطبيعته إنشاء نظام حوكمة شامل ومُحكَم. يجب أن يُحدِّد هذا النظام السياسات والإجراءات والمعايير، وأن يكفل تنفيذها لضمان الإدارة الفعّالة للبيانات، وحُسن استخدامها وحمايتها، بما في ذلك جوانب الحماية والأمن، والامتثال التنظيمي، والتشغيل البَيْني، والجودة والدقّة، والملكية، وبروتوكولات الوصول. والأهمّ من ذلك أنَّ هذا النظام يُسهِم في إحداث تحوُّل ثقافي على صعيد الجهات الحكومية.
تُحدِّد الدراسات بشكل واضح المتطلّبات اللازمة لتهيئة بيئة بيانات مناسبة (George & Leite, Integrated Social Information Systems and Social Registries، ٢٠١٩). وكما هو موضّح في الرسم ١، فإنَّ هذه المتطلّبات تتراوح بين التغييرات الهيكلية والمؤسّسية، وصولًا إلى التحوُّل في المواقف والسلوكيات الشخصية.
(i) إطار قانوني يُحدِّد بشكل واضح المبادئ التوجيهية للإدارة، ويُبيِّن الأدوار والمسؤوليات، ويضع معايير الأمن والحماية، كما يُحدِّد الترتيبات اللازمة للموارد البشرية في القطاع العام، مع معالجة أيّ تداخُل مُحتمَل مع قوانين أخرى وضمان التنسيق بين مختلف الجهات الحكومية.
(ii) نظام حوكمة البيانات والبنية التحتية يُحدِّد بروتوكولات أمن وحماية البيانات، وإجراءات الوصول إليها، وإطار التشغيل البَيْني، ومتطلّبات البنية التحتية، ونموذج الإدارة. ينبغي أن يستند هذا النظام إلى المبادئ التوجيهية الواردة في الإطار القانوني.
(iii) إرادة سياسية قوية ودعم سياسي مُلتزِم لقيادة المبادرة.
(iv) فريق من الموارد البشرية المتخصّصة والماهرة وذات الكفاءة التقنية لإدارة النظام وتشغيله.
(v) استراتيجية فعّالة لتعزيز التغيير الثقافي وزيادة الوعي بين موظّفي/ات القطاع العام، بهدف التخلّص من الإرث القائم على الممارسات الورقية الراسخة وتعزيز تبنّي ثقافة قائمة على البيانات.
على الرغم من أنَّ المتطلّبات المذكورة أعلاه قد تبدو واضحة، يُعَدّ تنفيذها معقّدًا للغاية، إذ "يكمن الشيطان في التفاصيل". يستعرض القسم التالي القضايا الرئيسية التي قد تُشكِّل تحدّيات في إنشاء السجلّ الوطني الموحّد.
٢.١. نهج شمولي للقطاع العام في ظلّ تطوُّر الدولة الرقمية
قد يكون القيام بالإجراءات الإضافية لتغطية العمالة غير النظامية مثيرًا للجدل. يعتمد النهج التقليدي[2] على تقييمات وإعدادات منهجية للوصول إلى العمالة غير النظامية وتغطيتها. وتشمل المتطلّبات المرتبطة بالوظائف المتنوّعة للسجلّ الوطني الموحّد تعزيز شفافية البرامج القائمة على الاشتراكات واستهداف برامج شبكات الأمان الاجتماعي. من الضروري اعتماد آلية شاملة وفعّالة لتوسيع نطاق التغطية بشكل فعّال لتشمل العاملين/ات في القطاع غير النظامي، والأشخاص العاملين/ات بشكل غير نظامي ضمن قطاعات نظامية، والأفراد الذين يعملون في أشكال تشغيل غير نمطية (مثل العاملين/ات في وظائف مؤقّتة، والعاملين/ات المستقلّين/ات، والعاملين/ات بدوام جزئي). تكمن التحدّيات في حجم العمل التحضيري الكبير المطلوب مسبقًا، والذي يشمل تعريف وتصنيف وتحديد مختلف أشكال العمالة غير النظامية. ويزداد تعقيد هذه المهمّة بسبب قانون العمل القديم والإطار المجزّأ للحماية الاجتماعية، ممّا يترك ثغرات قانونية، لا سيّما مع ظهور أنواع عمل جديدة.
يمكن النظر في نهج بديل مُستوحى من نظرية الدفع (Nudge Theory) وهندسة الاختيار، حيث يتمّ تصميم معايير الأهلية والمنافع بطريقة تُحفِّز العاملين/ات في القطاع غير النظامي على الانتقال إلى الهياكل الرسمية للتوظيف. من خلال توجيه قرارات العاملين/ات غير النظاميين/ات بشكل غير مباشر، يمكن "دفعهم/نّ" نحو الاندماج في الاقتصاد النظامي من دون الحاجة إلى تدابير قسرية. والجدير بالذكر أنَّ هذا النهج قد يبدو أكثر كفاءةً، إلّا أنَّه يُثير شواغل تتعلّق بالعدالة والإنصاف. فالكثير من العاملين/ات في القطاعات غير النظامية أو في وظائف غير نمطية يعانون أصلًا من الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، وقد يؤدّي استبعادهم/نّ المنهجي من الاستحقاقات إلى تفاقم أوضاعهم/نّ. لذلك، في حين قد يُسهِم استخدام آليات "الدفع" في تعزيز الانتقال إلى التوظيف النظامي، يجب أن يبقى متوازنًا بعناية، مع مراعاة الفئات التي قد تتعرّض لمزيدٍ من التهميش نتيجةً لهذا النظام.
تهيئة بيئة مناسبة للتعامل مع البيانات في كافّة مؤسّسات القطاع العام هو شرط أساسي، لكنَّه أيضًا تحدٍّ كبير. فالانتقال إلى السجلّ الوطني الموحّد يتطلّب قدرات تكنولوجية وبُنى تحتية متطوّرة، إلى جانب الاستثمارات العامّة الكبيرة. ومع ذلك، قد تتعرّض هذه الجهود للتأخير أو التراجع بسبب القيود المالية المشدّدة والفجوات الملحوظة في الكفاءة. بالإضافة إلى ذلك، تبرز حاجة مُلِحَّة لتعزيز البنية التحتية الرقمية وبناء المهارات الرقمية لكلٍّ من المستفيدين/ات ومقدّمي خدمات الحماية الاجتماعية، وذلك لتلبية متطلّبات وظائف محدّدة مثل الإبلاغ، وجمع البيانات، وحفظها، ومشاركتها، وضمان خصوصية البيانات وسرّيتها. ومع تزايد انتشار البيروقراطية الرقمية وظهور الدولة الرقمية، قد تتجاوز هذه التحدّيات التكنولوجية والأخلاقية والثقافية قدرة الدولة اللبنانية، التي تعاني من ضغوط مالية خانقة، كما قد تُفاقِم الفجوة الرقمية التي تؤثّر على شرائح معيّنة من السكّان، لا سيّما كبار السنّ، والعمّال/العاملات المهاجرين/ات، والأفراد ذوي المستويات التعليمية المتدنّية، والشباب غير المنخرطين في التعليم أو العمل أو التدريب.
يُعَدّ الإطار القانوني والمؤسّسي الفعّال بمثابة الضمانة الأولى لنجاح التنفيذ. نظرًا للتداخلات المعقّدة بين التعديلات المالية وسياسات العمل وإصلاحات الحماية الاجتماعية، قد تتجاوز عملية إنشاء السجلّ الوطني الموحّد في لبنان قدرات الجهات العامّة والمؤسّساتية. فهذه العملية تتطلّب إصلاحًا شاملًا للقطاع العام، يشمل هيكليته الداخلية وعلاقاته مع المجتمع المدني والمواطنين/ات. وبالتالي، فإنَّ الدعوة إلى إنشاء السجلّ الوطني الموحّد تُمثِّل فرصة مثالية لإعادة التفكير في نماذج الحوكمة الحالية والمستقبلية في لبنان، بما يتيح مواءمتها مع التحوُّل العام نحو الدولة الرقمية.[3]
٢.٢. إمكانات التشغيل البَيْني والأثر غير المباشر
يُوفِّر كلٌّ من السجلّ المالي، والسجلّ المدني، ونظام المعلومات الجغرافية، ونظام بطاقة الهوية، وغيرها من السجلّات، كمًّا هائلًا من البيانات التي يمكن أن تدعم آلية فعّالة للتوصيف والاستهداف. في الواقع، يُشكِّل التصريح المالي الذاتي[4] عنصرًا أساسيًا في إنشاء قاعدة بيانات للأفراد العاملين/ات والعاطلين/ات عن العمل[5]، كما يمكن الاستفادة منه لجمع بيانات عن المكلّفين/ات غير المسجّلين/ات، في حال أصبحَ إلزاميًا بشكل تلقائي وتمّ ربطه بالسجلّات الأخرى.
يسمح السجلّ الوطني الموحّد الذي يرتبط بشكل منهجي بالسجلّات الأخرى للحكومة بأن تجمع مجموعة بيانات شاملة تشمل الأفراد العاملين/ات جزئيًا، أو العاملين/ات موسميًا، أو العاملين/ات في القطاعات غير النظامية، بما في ذلك الذين يعملون بشكل غير نظامي ضمن القطاعات النظامية. ويمكن لهذا السجلّ أن يربط بين الأفراد والبيانات الاجتماعية والمالية والثروات، ممّا يُوفِّر معلومات قيّمة لتحسين دقّة استهداف المستفيدين/ات، وتعزيز آليات التسجيل الفعّال، ومعالجة مسألة التهرّب الضريبي. ومن خلال تحسين جمع البيانات المالية، يمكن للسجلّ الوطني الموحّد أن يزيد بشكل كبير من مساهمات أصحاب العمل في نظام الحماية الاجتماعية. وحتّى ضمن الإطار الحالي لإقرارات الدخل والضرائب، يمكن لهذا السجلّ أن يُعزِّز بشكل ملحوظ إيرادات الدولة. علاوةً على ذلك، فإنَّ التشغيل البَيْني بين الأنظمة المختلفة سيُساهِم في تحسين العمليات الداخلية ضمن مؤسّسات الضمان الاجتماعي والهيئات الحكومية الأخرى، من خلال تعزيز الرقابة، وزيادة دقّة التدقيق، وتقليل مدّة الإجراءات، وتحسين جودة الخدمات. في نهاية المطاف، سيستفيد المواطنون/ات من خفض التكاليف وتبسيط الإجراءات الإدارية عبر إنشاء نقطة خدمة موحّدة.
٢.٣. إطار مُحدَّث لتلبية متطلّبات إدارة البيانات
يمكن تحقيق النتائج المُحتمَلة لعمليات الدمج والتشغيل البَيْني بشرط أن تتمكّن جميع الجهات المعنيّة (المؤسّسات العامّة والخاصّة المختلفة المُشارِكة في عملية جمع البيانات وتوحيدها، بالإضافة إلى الأفراد والشركات) من التنسيق في ما بينها، وتوفير المعلومات، ومشاركتها أو دمجها بدقّة وفي الوقت المناسب، ممّا يضمن أن تعكس السجلّات المختلفة أحدث البيانات وأكثرها أهميةً.
والواقع أنَّ السجلّ الوطني الموحّد يسمح لمختلف مؤسّسات الحماية الاجتماعية بتحسين تكاليفها وإيراداتها. فمن جهة، ينبغي أن تتمكّن صناديق التأمين الاجتماعي والمساعدات الاجتماعية المُدارة من قِبل الدولة من تحديد هوية كلّ مقيم بشكل فريد من خلال رقم تعريف موحّد. فيسمح ذلك بتتبّع مختلف عمليات التعويضات والتغطيات والمساعدات، ممّا يضمن استمرارية الترابط بين البرامج القائمة على الاشتراكات وتلك غير القائمة على الاشتراكات، مع منع الازدواجية وهدر الأموال العامّة. ومن جهة أخرى، يمكن لصناديق التعاضد، والجهات الدافعة من القطاع الخاصّ، والمؤسّسات الخاصّة، والمنظّمات الدولية أيضًا، الاستفادة من رقم التعريف الموحّد للإبلاغ عن المستفيدين/ات ومستوى المساعدة التي حصل عليها كلٌّ منهم/نّ. لا يُحسِّن هذا التحديد الفريد الشفافية في نظام التحويلات الاجتماعية على المستوى الكلّي فحسب، بل يُساعِد أيضًا في وضع معايير موحّدة لتحديد أرضيات الحماية الاجتماعية وبرامج شبكات الأمان الاجتماعي المُوجَّهة.
ولكنْ، تبقى الأسئلة التالية الأكثر إلحاحًا: كيف يمكن للدولة أن تُهيّئ بيئةً مناسبة لإدارةٍ فعّالة للبيانات؟ هل ينبغي تحقيق ذلك من خلال عمليات دمج ثنائية تدريجية بين المؤسّسات، أم عبر نهج هرمي من الأعلى إلى الأسفل يهدف إلى وضع إطار شامل لإدارة البيانات على المستوى الوطني؟ وإذا تمّ اعتماد الخيار الثاني، ما هي الطريقة الأكثر فعّالية وواقعية لجمع البيانات وتحديد المتطلّبات اللازمة؟
٢.٤. المخاطر البارزة المرتبطة بالتحدّيات الأخلاقية
يظهر بين أوجه القصور الرئيسية في مشهد الحماية الاجتماعية الحالي غياب مؤشّرات منهجية واضحة لتحديد الأهلية للاستفادة من البرامج غير القائمة على الاشتراكات. كذلك، هناك تحدّيات كبيرة في وضع آليات استهداف عادلة ومتّسقة لاختيار المستفيدين/ات. ولا تقتصر هذه المشكلة على البرامج التي تُديرها الدولة فحسب، بل تشمل أيضًا المنظّمات الإنسانية، التي تُواجِه مشكلة "وضوح البيانات" الكامنة خلف النقاش المستمرّ حول "الأهلية". ويعود ذلك إلى الغموض والنزعة العشوائية في تعريف البيانات المُصنَّفة واستخدامها إداريًا، وأحيانًا التلاعب بها (كولينغ، ٢٠٢٠).
في إطار منظومة الحماية الاجتماعية الحالية، تُواجِه كلٌّ من المبادرات الوطنية القائمة والمُزمع تنفيذها، مثل البرنامج الوطني لدعم الأُسَر الأكثر فقرًا، وبرنامج شبكة الأمان الاجتماعي في حالات الطوارئ، والبرامج الإنسانية الطموحة، صعوباتٍ مستمرّة ناجمة عن غياب الوضوح والشفافية في المعلومات المتعلّقة بالفئات المُستهدَفة. تخضع مصطلحات مثل "الفئات الهشّة" و"غير المستقرّة" و"الفقيرة" إلى تفاوضٍ دائم بين مُقدِّمي الخدمات والمستفيدين/ات، ممّا يؤدّي غالبًا إلى ما يُعرَف بـ "الاقتصاد القائم على الكذب". ويكون ذلك عندما يشعر المستفيدون/ات بأنَّهم/نّ مضطرّون/ات للامتثال لتعريفاتٍ متغيّرة وعشوائية تفرضها برامج الرعاية المختلفة، سواء كانت عامّة أو خاصّة. ولتحسين توزيع الموارد في البرامج غير القائمة على الاشتراكات وتعزيز تكاملها مع البرامج القائمة على الاشتراكات، من الضروري معالجة الإشكاليات البيروقراطية المتعلّقة بالتعريفات والتصنيفات عند التحضير لإنشاء السجلّ الوطني الموحّد. فيتطلّب ذلك توحيد وتوضيح المصطلحات عبر جميع الجهات المُقدِّمة للرعاية والمُموِّلين من الأطراف الثالثة، بما يضمن الشفافية، ويُعزِّز حقّ المستفيدين/ات في الحصول على المعلومات. إنَّ اعتماد نهج شامل لإنشاء السجلّ الوطني الموحّد يتطلّب تعاونًا وثيقًا بين الوزارات والهيئات التنظيمية المعنيّة، بما في ذلك: وزارة الصحّة العامّة، ووزارة الشؤون الاجتماعية، ووزارة العمل، ووزارة المالية، ووزارة الداخلية والبلديات، ووزارة التربية والتعليم العالي، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والتعاونيات التابعة للقطاع العام (الخدمة المدنية والعسكرية). ويجب أن يتجاوز هذا التعاون مجرّد مشاركة البيانات وتوحيدها، ليشمل تطوير معايير موحّدة، وأدوات إدارية مشتركة، واستراتيجيات مُنسَّقة، بما يُعزِّز كفاءة أنظمة الحماية الاجتماعية وفعّاليتها في لبنان.
٢.٥. التحدّيات التكنولوجية: من البرمجيات إلى البنية التحتية لحماية خصوصية البيانات
يجب ضمان أمن البيانات وسرّيتها وحماية خصوصيتها من خلال استخدام التكنولوجيا. ولكنَّ نظام المراقبة القائم في لبنان، والذي يتّسم بانتهاكاتٍ مستمرّة للخصوصية إلى جانب ثغرات كبيرة في البنية التحتية للأمن السيبراني، يُشكِّل مخاطر ملحوظة. وتؤدّي هذه الثغرات إلى زيادة احتمالية الاختراقات والهجمات الإلكترونية التي قد تُعرِّض خصوصية المواطنين/ات وبياناتهم/نّ الشخصية للخطر. ورغم أنَّ الدستور اللبناني لا يُكرِّس صراحةً الحقّ في الخصوصية كحقّ غير قابل للانتهاك، إلّا أنَّه يضمن حرمة المنزل الخاصّ. بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ بعض المساحات العامّة والمنصّات، مثل الجامعات والصحف، محميّة قانونيًا من تدخُّل الدولة، تحت شعار حرّية التعبير. ومع ذلك، فإنَّ الذرائع الأمنية أو التهديدات المزعومة للأمن القومي غالبًا ما تُستخدَم لتبرير انتهاك الخصوصية، حيث تستغلّ القوى الأمنية والجماعات شبه العسكرية والميليشيات - التي تعمل خارج إطار الرقابة القانونية - هذه الثغرات للتدخّل في الحياة الخاصّة للمواطنين/ات (كوسماتوبولوس، ٢٠١١).
على غرار المشهد المجزّأ للحماية الاجتماعية، يتّصف نظام الأمن والمراقبة في لبنان بتعدّد الجهات الفاعلة وتداخل صلاحياتها. فإلى جانب القوى غير الحكومية وقوى الأمر الواقع، التي تفرض رقابةً على الدولة، هناك عدّة جهات رسمية معنيّة بمراقبة البيانات الرقمية. غير أنَّ هذه الجهات تعمل غالبًا بتفويضات متضاربة، ممّا يجعلها عرضة للتدخُّل السياسي، لا سيّما من قِبل الأحزاب السياسية النافذة.
المربّع ١: مخاطر سياسية وأمنية عالية
كيف يمكن حماية السجلّ الوطني الموحّد من الاختراقات والهجمات الإلكترونية؟ لا شكَّ في أنَّ الجرائم الإلكترونية تُمثِّلُ تهديدًا عامًّا ومستمرًّا، خصوصًا مع تزايد الاعتماد على الرقمنة في الإدارة العامّة، ومن المتوقّع أن يتفاقم هذا التهديد مع تزايُد التحوُّل نحو الدولة الرقمية. ولكنْ، عند الانتقال من حماية البيانات عبر البرمجيات إلى حمايتها على مستوى الأجهزة، يصبح من الواضح أنَّ التحدّي الرئيسي يكمُن في غياب الإرادة السياسية. فالسجلّ الوطني الموحّد سيكون عرضة لنفس المخاطر التي تُهدِّد أيّ نظام لإدارة البيانات لا يتمتّع بحماية قانونية كافية. والسؤال الأساسي هنا هو: كيف يمكن للمؤسّسات والجهات المعنيّة، المسؤولة عن إدارة البيانات الحسّاسة، أن تحميها بشكل فعّال من الجهات الخارجية المُتطفِّلة؟
٢.٦. التحكُّم السياسي، والتفويض المؤسّسي، والاعتبارات الطائفية
تُوفِّر الجهود السابقة لتوحيد أو دمج أنظمة المعلومات داخل وزارة التربية والتعليم العالي مثالًا مفيدًا على المخاطر السياسية المرتبطة بهذه العملية. حتّى المهام التي تبدو محايدة، مثل توحيد البيانات التعليمية، والتي قد لا تبدو في البداية ذات أبعاد سياسية أو أمنية كبيرة، غالبًا ما تنخرط في صراعات على النفوذ داخل الإدارة نفسها. وهذا يؤدّي في كثيرٍ من الأحيان إلى نظامٍ أكثر تشتُّتًا من ذلك الذي كانت الوزارة تسعى في الأصل إلى معالجته. ويتجلّى ذلك في أحدث استراتيجيات وزارة التربية والتعليم العالي:
"على مدى السنوات الثلاث الماضية، تمّ إحراز تقدُّم كبير في نظام إدارة المعلومات المدرسية[6] وجمع البيانات ذات الجودة؛ حيث تمّ تخصيص رقم تعريفي فريد لكلّ طالب/ة في المدارس الرسمية (باستثناء الدوام الثاني) والخاصّة في التعليم العام، ممّا سيُساعِد في تتبُّع وإدارة مسارهم/نّ الأكاديمي. ومع ذلك، وحتّى وقت قريب، ظلّت أنظمة المعلومات في المركز التربوي للبحوث والإنماء ووزارة التربية والتعليم العالي (بما في ذلك وحدة إدارة البرامج المُشرِفة على الدوام الثاني) مجزّأة". (الحكومة اللبنانية، ٢٠٢١).
التحدّيات التي تُواجِهها وزارة التربية والتعليم العالي ليست سوى غيض من فيض في ظلِّ إدارةٍ تمتنع عن مشاركة البيانات عبر أقسامها المختلفة. وتُبرِز هذه التحدّيات ضرورة اعتماد مقاربة شاملة لإدارة البيانات العامّة، والدفع نحو إصلاح متكامل للقطاع العام. فالتلاعب بالبيانات يرتبط بشكل وثيق بالمفاوضات المستمرّة حول أدوار ووظائف وتفويضات المؤسّسات العامّة المختلفة. ولطالما اعتُبِرَت البيانات الوطنية، مثل سجلّات الولادات وشهادات الوفاة وأنظمة معلومات سوق العمل، معلومات حسّاسة للأمن القومي، ممّا أدّى إلى تقييد الوصول إليها حتّى من قِبَل صانعي السياسات. فالتحكُّم بالبيانات الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية يلعب دورًا أساسيًا في تعزيز أو إضعاف السلطة السياسية للدولة المركزية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الهياكل السياسية التي تُشكِّل توازنات القوى داخل المجتمع المدني. وغالبًا ما تُستخدَم هذه البيانات كأداة للحفاظ على الضبابية في المعاملات الاقتصادية والمالية، بما يتماشى مع مصالح مجموعات وأحزاب سلطوية محلّية تسعى إلى تعزيز هيمنتها على المؤسّسات العامّة وإخفاء نفوذها داخلها.
كذلك، تجدر الإشارة إلى أنَّ لبنان لم يُجرِ أيّ تعداد سكاني وطني منذ عام ١٩٣٢، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى التركيبة الطائفية المعقّدة في البلد والتوازن الدقيق للسلطة بين مكوّناتها الدينية. فمن شأن أيّ تعداد جديد أن يكشف عن تغيُّرات في التوزيع الطائفي للسكّان، ممّا قد يحمل تداعيات سياسية كبيرة. فإذا كان التوازن الديموغرافي قد تغيّر، فقد يؤدّي ذلك إلى مطالبات بإعادة النظر في نظام تقاسم السلطة في لبنان، الذي يُخصِّص المناصب السياسية والإدارية وفقًا للانتماء الديني. وتبرز مخاوف من أن يتمّ التلاعب بأيّ تعداد سكاني لتحقيق مكاسب سياسية. ونظرًا لتاريخ لبنان الحافل بالفساد والمناورات السياسية، يسودُ تشكيكٌ واسع النطاق حول مدى إمكانية استخدام نتائج أيّ تعداد بشكل عادل وشفّاف.
أمّا الموقف السياسي الأكثر شيوعًا في مواجهة هذه الشواغل فيرتكز على الآثار المُحتمَلة التي قد تُزعزع التوازن الديني والطائفي الهشّ نتيجة تحسين نظام المعلومات. ينبع هذا المنظور من افتراض ديموغرافي تاريخي مفاده أنَّ توزيع السلطة السياسية يجب أن يتمّ بين الطوائف وفقًا لوزنها الديموغرافي المُتصوَّر، رغم أنَّ ذلك لم يكن دائمًا مُطبَّقًا عمليًا، لا سيّما في ما يتعلّق بالطوائف الأكثر نفوذًا. ويبقى تحليل هذه الخطابات السياسية وكشف النوايا الضمنية الكامنة وراءها خارج نطاق هذا البحث، ما يستدعي المزيد من الدراسات حول البناء السياسي للبيانات في لبنان ودورها المحوري في تشكيل وتعزيز هيكليات الهيمنة القائمة.
القسم الثالث: ما هي الخيارات المطروحة لتصميم نظام معلومات متكامل للحماية الاجتماعية في لبنان؟
في السياق اللبناني، يتطلّب تصميم نظام معلومات متكامل مُخصَّص للحماية الاجتماعية نهجًا دقيقًا يُراعي مجموعة التحدّيات الفريدة التي يُواجِهها البلد، بما في ذلك الإرث الطويل من معارضة تبادل البيانات بين الإدارات الحكومية، لا سيّما تلك التي تشمل الأجهزة الأمنية. وينبغي أن يُركِّز النهج المخصّص على معالجة هذه التحدّيات من خلال وضع أُطُر قانونية متينة، وتعزيز الثقة، والالتزام بالممارسات الأخلاقية في إدارة البيانات. كذلك، يجب أن يأخذ التصميم في الاعتبار معارضة المجتمع العام لهذه الإصلاحات، عبر ضمان الموافقة المطّلعة، مع الاعتراف بترابط مصادر البيانات. بالإضافة إلى ذلك، يُعَدّ تعزيز التعاون بين الهيئات الوزارية والجهات العامّة الشريكة أمرًا حاسمًا. فنجاح النظام يعتمد على قدرته على اجتياز هذه التعقيدات الخاصّة بالسياق اللبناني، مع الترويج لنهج شامل وشفّاف في إدارة البيانات العامّة (انظر الرسم ٢).
الرسم ٢: المتطلّبات لتصميم نظام معلومات فعّال للحماية الاجتماعية
المرجع: ويليان وموريرا، ٢٠٢٠.
٣.١. إيجاد التوازن بين الإصلاح الشامل والنهج التدريجي
يتطلّب تنفيذ نهج شامل للسجلّ الوطني الموحّد نشر النظام بالكامل دُفعة واحدة، ممّا يوفّر حلًّا متكاملًا، ولكنَّه قد يُعرِّض العملية لمخاطر وتحدّيات أكبر. يتطلّب هذا النهج الشامل إجراء إصلاحات متزامنة عبر القطاع العام، كما ذُكِرَ في الأقسام السابقة، بما في ذلك إنشاء نظام معلومات سوق العمل، وإصلاح الإدارة الضريبية، واعتماد سياسات اجتماعية قائمة على الشمولية. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي أن تشمل الإصلاحات المتعلّقة بأمن البيانات وحمايتها معالجة الهياكل الأساسية للسلطة القضائية والأجهزة العسكرية/الأمنية.
بدلًا من ذلك، يقوم النهج التدريجي على التنفيذ المرحلي، ممّا يسمح بإجراء تعديلات وتكييفات تدريجية بمرور الوقت. قد يكون هذا الأسلوب ملائمًا للسياق اللبناني، حيث تبرز الشواغل بشأن الاضطرابات المُحتمَلة والموارد المحدودة. يسمح هذا النهج بتنفيذ مراحل إصلاح متسلسلة، تشمل الاختبار والتنقيح التدريجي في توحيد البيانات وتصنيفها وحمايتها. ومع ذلك، قد يُطيل هذا النهج الإطار الزمني العام ويزيد من خطر عرقلة العملية برمّتها. تُظهِر التجارب السابقة، مثل تجربة الأنظمة المعلوماتية المجزّأة في قطاع التعليم في لبنان، أنَّ توحيد البيانات التدريجي قد يكون في بعض الأحيان غير فعّال، ممّا يؤدّي إلى مزيدٍ من التجزئة بدلًا من تحقيق التكامل المطلوب.
على عكس التنفيذ التصاعدي، قد يكون الدمج التدريجي هو أكثر مسار واقعي للمضيّ قدمًا. فصحيحٌ أنَّه ينطوي أيضًا على عملية تدريجية خطوة بخطوة، إلّا أنَّه قد يُركِّز على إنشاء سجلّ وطني موحّد من دون تجزئة مشروع الإصلاح بأكمله إلى مهام صغيرة ومنفصلة. تُظهِر الأدلّة التجريبية المُستقاة من الإصلاحات السابقة في لبنان أنَّ التدخّل السياسي في مجال معيّن يؤدّي عادةً إلى عرقلةٍ أو جمود في مجالات أخرى، ممّا يُعيق أو يُهدِّد عملية التحديث بأكملها (مقدسي، كيوان، وماركتانر، ٢٠١٠). على سبيل المثال، تبنّت الحكومة الأردنية مؤخّرًا استراتيجية مماثلة لإنشاء السجلّ الوطني الخاصّ بها، مُعتمِدةً نهجًا تكامليًا يربط بين مراكز المعلومات في مختلف القطاعات ضمن شبكة معلومات وطنية (الحكومة الأردنية، ٢٠٢٤). ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة إلى تقييمٍ شامل لهذه الاستراتيجية، لا سيّما وأنَّ السجلّ الوطني الأردني لا يزال محايدًا ولم يُربَط بعد بقاعدة بيانات برامج الحماية الاجتماعية.
كذلك، اختارت إيطاليا استراتيجية تكامل تدريجي على المستوى البلدي لتحقيق السجلّ الوطني الموحّد للسكّان (داتا، ٢٠٢٠)، حيث سعت إلى إنشاء "بلدية واحدة لـ ٦٠ مليون نسمة" (كالفاريسي، ٢٠١٨). بالإضافة إلى ذلك، أظهرت التجربة التي استمرّت لعقد من الزمن في دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي في تطوير أنظمة معلومات الحماية الاجتماعية أنَّ معظم هذه الدول اعتمدت نهجًا تدريجيًا في الرقمنة، مع التركيز على تحسين جودة البيانات ودقتها، وتعزيز التكامل ومشاركة البيانات، وتطوير الأمن السيبراني، وتحديث السجلّات الرئيسية. يوضح الرسم ٣ مراحل تطوُّر أنظمة المعلومات، مع الإشارة إلى أنَّ مسار الإصلاح ليسَ دائمًا مسارًا مباشرًا؛ فعلى سبيل المثال، قد يحدث التكامل عبر برنامج واحد، أو بين برامج متعدّدة، أو حتّى من دون تكامل ضمن برنامج واحد في ما يتعلّق بسجلّ المستفيدين/ات (ويليامز وموريرا، ٢٠٢٠).
الرسم ٣: تطوُّر نظام معلومات الحماية الاجتماعية بناءً على متطلّبات التصميم
المرجع: ويليامز وموريرا، ٢٠٢٠.
٣.٢. المهمّة الدقيقة لتصميم سجلّ وطني موحّد
إنَّ تصميم إطار وخطّة مناسبَيْن يتطلّب مراعاة جوانب عدّة:
(i) البناء على ما هو موجود من دون المساس بفعّالية الحلّ. على سبيل المثال، لا يمكن إغفال قانون اعتماد رقم تعريف موحّد (رقم ٢٤١ بتاريخ ٢٢ تشرين الأوّل/أكتوبر ٢٠١٢) والمرسوم التابع له (رقم ١٦٨ بتاريخ ١٧ شباط/فبراير ٢٠١٧)، اللذين يُحدِّدان المديرية العامّة للأحوال الشخصية في وزارة الداخلية والبلديات كجهة وحيدة مسؤولة عن إصدار وإدارة رقم التعريف الموحّد. عند تصميم سجلّ وطني موحّد في لبنان، لا بدّ من أخذ هذا القانون بعين الاعتبار. بالإضافة إلى ذلك، هناك عدد من القوانين القائمة التي قد تُؤثِّر على تصميم السجلّ الوطني الموحّد ويجب أن تُؤخذ في الحسبان، ومنها: قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي (رقم ٨١ بتاريخ ١٠ تشرين الأوّل/أكتوبر ٢٠١٨)، وقانون حماية المستهلك (رقم ٦٥٩ بتاريخ ٤ شباط/فبراير ٢٠٠٥)، وإطار العمل البَيْني للحكومة اللبنانية، والهيكل المرجعي للتشغيل البَيْني في الحكومة اللبنانية، ومرسوم رقم التعريف الموحّد (رقم ١٦٨ الصادر في ١٧ شباط/فبراير ٢٠١٧)، الذي يُحدِّد القواعد والإجراءات الخاصّة باعتماد رقم التعريف الموحّد في القطاع العام.
(ii) الحفاظ على الرؤية الواردة في الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية، وتتمثّل في "إطلاق آليات ومنصّات لتبادل البيانات وما يتّصل بها من هندساتٍ مؤسّسية مُعتَمَدة." ويتطلّب ذلك، وفقًا لما نصّت عليه الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية، تفعيل مسارَيْن للإصلاح: ١) ضمان التكامل بين مختلف السجلّات أو قواعد البيانات القائمة عبر ركائز الحماية الاجتماعية المختلفة؛ و٢) تمكين التشغيل البَيْني مع المؤسّسات العامّة الأخرى (مثل السجلّات المدنية، والسجلّ المالي، والسجلّات التجارية، وغيرها). خلال مرحلة التصميم، من الضروري توضيح ما يُقصَد بـالسجلّ الوطني الموحّد وما يشمله. هل هو سجلّ وطني محايد لا يرتبط بالحماية الاجتماعية (على غرار النموذج الأردني)؟ أم أنَّه سجلّ وطني موحّد يصبّ في إطار نظام إدارة معلومات الحماية الاجتماعية؟
(iii) تجنُّب فخّ السجلّات الاجتماعية. من الضروري البناء على الجهود القائمة كما ذُكِرَ سابقًا، إلّا أنَّ التعديلات الطفيفة على السياسات قد تكون غير مُجدِية. في الواقع، يتضمّن برنامج شبكة الأمان الاجتماعي في حالات الطوارئ تطوير سجلّ وطني موحّد كجزء من القرض الممنوح من البنك الدولي للحكومة اللبنانية. السجلّ الوطني الموحّد، كما هو مُتصوَّر في إطار برنامج شبكة الأمان الاجتماعي في حالات الطوارئ، يبدأ كسجلّ اجتماعي يستهدف الفئات الأكثر فقرًا، ومن المُفترَض أن يتوسّع لاحقًا ليشمل المزيد من برامج الحماية الاجتماعية ويدمج وظائف إضافية. غالبًا ما تُوافِق الحكومات التي تُواجِه ضائقة مالية على هذا النهج لعدّة أسباب، منها: (١) الافتقار إلى الموارد، إذ أنَّ الحاجة إلى نظام معلومات لدعم برامج الحماية الاجتماعية تُعتبَر ضرورية. لذلك، يُفضَّل اعتماد سجلّ اجتماعي قائم على الاستهداف بدلًا من غياب أيّ نظام على الإطلاق، وبالتالي غياب أيّ برنامج للحماية الاجتماعية. كذلك، تجدر الإشارة إلى أنَّ تكامل النظام على نطاق أوسع قد يكون أكثر تعقيدًا وتكلفة. (٢) قد يتمّ تمويل السجلّات الاجتماعية المرتبطة ببرامج المساعدة الاجتماعية من خلال القروض (مثل برنامج شبكة الأمان الاجتماعي في حالات الطوارئ)، ومن المُعترَف به على نطاق واسع والموصى به بشدّة أن يتمّ البناء على المنتج (أو عدم إهدار المنتج) الذي سُدِّدَ من خلال أموال المُكلَّفين/ات بالضرائب.
للأسف، تُظهِر التجارب الدولية أنَّ السجلات القائمة على الاستهداف محكوم عليها بالفشل (كيد، أثياس، ومحمّد، ٢٠٢١). في الواقع، تُجمَع البيانات من خلال اختبارات مستوى الدخل بالوسائل غير المباشرة "في نقطة زمنية معيّنة" ولا يتمّ تحديثها حتّى موعد عملية جمع البيانات التالية. بالتالي، تُصمَّم السجلّات المُستهدَفة وفقَ افتراضٍ مفاده أنَّنا "نعيش في عالم ثابت"، في حين أنَّ تركيبة الأسرة المعيشية وظروفها قد تتغيّر بسرعة. لذلك، لا يمكن أن تتطوّر السجلّات الاجتماعية، المعروفة أيضًا بقواعد البيانات المُستهدَفة، لتصبح سجلًّا وطنيًا موحّدًا.
المربّع ٢: التضارب بين النماذج
نظرًا لتعقيد الحوكمة والنظام السياسي في لبنان، يبدو أنَّ النهج التدريجي لتنفيذ السجلّ الوطني الموحّد هو الاستراتيجية الأنسب. ومع ذلك، يتطلّب هذا النهج إطارًا شاملًا وقابلًا للتنفيذ ومُحدَّثًا لدمج البيانات، مع تحديد متطلّبات تطوير أنظمة المعلومات ومعايير التطابُق ومُحدِّدات الدمج والتكامُل. بالتالي، رغم ضرورة تجنُّب التصميم التصاعدي للنظام، يجب أن تتمّ بلورته بشكل مسبق من قِبل جهة حكومية مُعيَّنة، على أن يتمّ التنفيذ التدريجي عبر مراحل لاحقة.
قد يبدو إطار دمج البيانات مسألةً تقنية، إلّا أنَّه في الواقع يُمثِّل تحدّيًا سياسيًا وسياساتيًا بالدرجة الأولى. يجب معالجة مجموعة من الاعتبارات المعقّدة، مثل تأمين التوافق السياسي حول الغرض النهائي من الدمج، وتحديد نطاق البيانات التي سيتمّ دمجها، ووضع بروتوكولات واضحة للوصول إلى البيانات وتحديد حقوق المعنيّين بالبرامج. علاوةً على ذلك، يجب تطوير أيّ خطّة تكامل بما يتماشى مع أولويات الحكومة والموارد البشرية والمالية المتاحة. وتُعَدّ هذه العوامل حاسمة في تحديد تسلسل دمج البرامج ومدى التشغيل البَيْني، سواء كانَ سيمتدّ عبر جميع السجلّات الخارجية أم سيقتصر على قواعد البيانات الأساسية، مثل السجلّات المدنية والسجلّات المالية. ويجب أن تتزامن خطّة الدمج مع الجهود الرقمية الجارية داخل الوزارات المختلفة ومع المتطلّبات المُحتمَلة للإطار الوطني للدمج. وقبل كلّ شيء، يجب أن تتماشى أولويات الدمج بشكل وثيق مع الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية وخطّة العمل الخاصّة بها. في النهاية، ينبغي أن تكون خطّة الدمج والتكامُل ناتجة عن المراحل التالية:
1. الدعم والتوجيه: بجب أن تُشرِف جهة معيّنة على تصميم خطّة الدمج والتكامُل وتنفيذها، مع ضمان مشاركة جميع الجهات المعنيّة ومعالجة العراقيل بشكل صحيح. ولا تخضع هذه الجهة للإشراف المباشر من وزارة واحدة، بل تنبثق عن لجنة مشتركة بين الوزارات.
2. التقييم الميداني: إجراء مسح مؤسّسي وتقييم منهجي للأنظمة الحالية ومجموعات البيانات المتاحة. يمكن تصنيف مُقدِّمي الحماية الاجتماعية الخاضعين للتقييم بحسب الأولويات على أساس حجم تغطيتهم ونطاق بياناتهم. قد يكون النهج الواقعي، على سبيل المثال، هو تغطية الجهات/البرامج الأساسية أوّلًا، مثل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والبرنامج الوطني لدعم الأُسَر الأكثر فقرًا، وبرنامج شبكة الأمان الاجتماعي في حالات الطوارئ، والسجلّات المالية والتجارية وسجلّات قوى الأمن الداخلي لتحديد المتطلّبات التقنية التي ستُشكِّل أساس النظام المشترك. أمّا الصناديق التعاونية الأخرى ومُقدِّمو الحماية الاجتماعية أو الجهات الحكومية، فسيتعيّن عليها التكيُّف مع متطلّبات النظام الجديد.
3. تصميم التدخّل: استنادًا إلى النهج التشارُكي، يتعيّن على الجهة المسؤولة أن تضع خطّة عمل تُحدَّد فيها الخطوات والأولويات والجداول الزمنية لعمليات الدمج والتكامُل.
4. التنفيذ: يشمل صياغة قانون مناسب مع التشريعات الثانوية، ووضع المبادئ التوجيهية والأدلّة الإرشادية، وتحديد البنية التحتية والمتطلّبات التقنية، وضمان الامتثال لها، إضافةً إلى وضع بروتوكولات الأمن والحماية والوصول إلى البيانات، وغيرها من الإجراءات اللازمة.
الرسم ٤: خطوات توفير خدمات الحماية الاجتماعية
المرجع: جورج وليتي، أنظمة المعلومات الاجتماعية المتكاملة والسجلّات الاجتماعية، ٢٠١٩.
الرسم ٥: الانتقال من سجلّات اجتماعية مجزّأة إلى سجلّ اجتماعي متكامل
المرجع: جورج وليتي، أنظمة المعلومات الاجتماعية المتكاملة والسجلّات الاجتماعية، ٢٠١٩.
القسم الرابع: التوصيات
يُقدِّم هذا القسم توصيات عامّة ومبادئ توجيهية لدعم الانتقال المُحتمَل نحو إنشاء السجلّ الوطني الموحّد. ويستثني التوصيات المتعلّقة بالسياسات والتصميم، إذ إنَّ هذه الأخيرة تتطلّب مشاورات وطنية واسعة النطاق ونقاشات سياسية تشارُكية.
الحوكمة المؤسّسية
▪ تُعتبَر عملية تقديم خدمات الحماية الاجتماعية وظيفة متداخلة عبر العديد من المؤسّسات العامّة (وزارة الشؤون الاجتماعية، الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، رئاسة مجلس الوزراء، الصناديق التعاضدية، وزارة الصحّة العامّة، وغيرها). وقد أقرّت الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية بأنَّ "أحد التحدّيات الأساسية لتحقيق أهداف استراتيجية الحماية الاجتماعية يتمثّل في حوكمة عملية التنفيذ وإطارها المؤسّسي" (الحكومة اللبنانية، ٢٠٢٣)، واقترحت عدّة خيارات سياساتية لإعادة هيكلة الترتيبات المؤسّسية استنادًا إلى الركائز المحدّدة للحماية الاجتماعية. إلى جانب مسألة تقديم الخدمات، تجدر الإشارة إلى أنَّ استخدام وإدارة البيانات المرتبطة مباشرةً أو بشكل غير مباشر بخدمات الحماية الاجتماعية يتطلّب إشراك جهات حكومية أخرى لا تُقدِّم خدمات اجتماعية، مثل وزارة المالية وقوى الأمن الداخلي، وغيرها. في الواقع، تبرز الحاجة إلى مستوى إضافي من الإصلاح المؤسّسي من أجل إرساء أُسُس متينة لإدارة البيانات وتكاملها. وقد تكون الاستراتيجية الرقمية التي طوّرتها وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية نقطة انطلاق لمناقشة وطنية، حيث تُحدِّد المبادئ الأساسية لنموذج الحوكمة الرقمية، والأدوار والمسؤوليات، وهيكلية الحوكمة (وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية، ٢٠٢٢).
▪ في نهاية المطاف، ينبغي أن تتجاوز هيكلية الحوكمة الجديدة وآليات التنسيق المُعاد تصميمها نطاق القطاع العام، وذلك لأنَّ معظم خدمات الحماية الاجتماعية تُقدَّم من قِبل منظّمات غير حكومية تواجه مستوًى مماثلًا من التشرذُم. إنَّ زيادة مستوى التكامل هو شرط أساسي لضمان استجابة دقيقة للاحتياجات المتزايدة والصدمات الخارجية.
▪ يُعَدّ بناء الثقة بين المؤسّسات ركيزةً أساسية لأيّ نموذج مُعاد تصميمه. ويتطلّب ذلك وضع إطار واضح لتبادل البيانات والوصول إليها، مع تحديد الأدوار والمسؤوليات بشكل دقيق.
حوكمة البيانات والبنية التحتية
▪ إنَّ وضع وتنفيذ إطار لحوكمة البيانات يشمل الهيكلية، وسهولة الوصول، والشفافية، والأمن، والخصوصية، يُعَدّ أمرًا ضروريًا. تمّت صياغة عدّة استراتيجيات للتحوُّل الرقمي في لبنان، بقيادة مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية. وتشمل هذه الاستراتيجيات: الاستراتيجية الوطنية لتكنولوجيا المعلومات (١٩٩٨)، السياسة والاستراتيجية الوطنية لتكنولوجيا المعلومات والاتّصالات في لبنان (٢٠٠١)، الاستراتيجية الأولى للحكومة الإلكترونية (٢٠٠٢)، وثيقة الاستراتيجية الإلكترونية الوطنية (٢٠٠٣)، الاستراتيجية المحدّثة للحكومة الإلكترونية (٢٠٠٨)، إطار التشغيل البَيْني للحكومة اللبنانية (٢٠١٦)، الاستراتيجية العامّة للتحوُّل الرقمي (٢٠١٨)، واستراتيجية التحوُّل الرقمي وخطّة التنفيذ ٢٠٢٠ – ٢٠٣٠ (٢٠١٩)، مع إصدار نسخة محدّثة في عام ٢٠٢٢ (مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية، ٢٠٢٢). على الرغم من أنَّ هذه الاستراتيجيات قد حدّدت نموذج الحوكمة، والمبادئ الأساسية، وإطار التشغيل البَيْني، وعناصر رئيسية أخرى، إلّا أنَّه لم يتمّ تنفيذ أيٍّ منها بنجاح. يكمُن التحدّي الأساسي الذي يُعيق التكامل التدريجي والربط بين أنظمة المعلومات الخاصّة بمُقدِّمي الحماية الاجتماعية والجهات المعنيّة في غياب إطار مُحدَّث وقابل للتنفيذ لحوكمة البيانات.
▪ يُعَدّ غياب قواعد بيانات وأنظمة مُحدَّثة من أبرز التحدّيات الأساسية في إنشاء برامج جديدة للحماية الاجتماعية، لا سيّما في مجال المساعدة الاجتماعية. تُواجِه المؤسّسات العامّة مهمّة مزدوجة تتمثّل في بناء هذه الأنظمة وتحديثها، بالتزامن مع تقديم الخدمات، كما هو الحال مع برنامج شبكة الأمان الاجتماعي في حالات الطوارئ. ويُعتبَر من الضروري إنشاء بنية تحتية متينة للبيانات بشكل استباقي، إذ أنَّه حتّى في ظلّ غياب إطار شامل لحوكمة البيانات والهياكل التنظيمية، يجب أن يكون مُقدِّمو خدمات الحماية الاجتماعية قادرين على تخزين البيانات وإدارتها بفعّالية. إضافةً إلى ذلك، يتعيّن عليهم تفعيل وظائف أساسية، مثل وحدات الدفع، والرصد والتقييم، وغيرها من الأنشطة الجوهرية لضمان استدامة البرامج وكفاءتها.
حماية البيانات والخصوصية
▪ تُعَدّ استضافة جميع البيانات الاجتماعية داخل الدولة شرطًا أساسيًا لضمان أمن البيانات. في الواقع، تحتفظ وزارات عدّة ببياناتها على خوادم سحابية، في حين أنَّ معظم الدول تستضيف سجلّاتها الاجتماعية من خلال مشغّل الاتّصالات الوطني. تمتلك شركة أوجيرو مركز بيانات يستضيف حاليًا البيانات التي يتمّ إنشاؤها عبر منصّتَيْ DAEM وIMPACT، وهو قادر على استضافة قواعد بيانات أخرى تحتفظ بها الدولة وتُديرها، وذلك بشكلٍ مجاني.
▪ مع ذلك، ينبغي أن تُستكمَل هذه المبادرة بإطار قانوني شامل يُحدِّد الحقوق والالتزامات المتعلّقة بحماية البيانات والخصوصية. تَعتمِد فعّالية هذا الإطار القانوني على وجود عقوبات قابلة للتنفيذ. في الواقع، تُظهِر التجارب السابقة أنَّ الكثير من القوانين الحمائية التي صاغها المُشرِّعون اللبنانيون بقيت غير فعّالة، أو استُخدِمَت كفُرَص لتجاوز القانون، ممّا أدّى إلى إضعاف تأثير القانون أو تطبيع انتهاكه. لذلك، فإنَّ وضع سياسات واضحة لحوكمة البيانات واستخدامها وحمايتها لن يكون فعّالًا ما لم يُدعَم بآليات رقابة صارمة، تشمل عمليات تفتيش دورية وعقوبات رادعة.
▪ إذا كانت الدولة تتوقّع من جميع المواطنين/ات أن يأتمنوها على معلوماتهم/نّ الشخصية (وحتى الخاصّة)، فمن الواضح أنَّ الثقة تُعَدّ عنصرًا أساسيًا لنجاح السجلّ الوطني الموحّد. وبالتالي، تعزيز الثقة في سرّية البيانات يتطلّب من الدولة تقديم ضمانات واضحة بأنَّ المعلومات لن تُستغَلّ أبدًا لأغراض تجارية[7] (الخصوصية الدولية، ٢٠١٩) وأنَّ البيانات الحسّاسة، مثل الحالة الصحّية، التي قد يتردّد الأفراد في مشاركتها حتّى مع المقرّبين/ات منهم/نّ، لن يتمّ تسليعها أو التلاعب بها لخدمة حملات انتخابية. ويأتي ذلك في سياقِ بلدٍ يخضع فيه القانون الانتخابي عادةً لمفاوضات أوليغارشية معقّدة لتحديد دوائر انتخابية مُفصّلة على مقاس القوى السياسية.
▪ يجب أن يكون أيّ سجلّ وطني موحّد مدعومًا بآليات مساءلة تُرتِّب عواقب في حال انتهاك الممارسات الأخلاقية في إدارة البيانات. لضمان فعّالية هذه الآليات، يجب أن تُعالَج الانتهاكات القائمة والواضحة للحقّ في الخصوصية الذي يُعتبَر شبه دستوري، بالتوازي مع التقدُّم نحو تنفيذ السجلّ الوطني الموحّد.
▪ يجب أن يستند أيّ سجلّ وطني موحّد إلى الموافقة المُطَّلِعة والشفّافية. يجب أن يُقدِّم الأفراد موافقتهم/نّ المُطَّلِعة قبل جمع بياناتهم/نّ أو مشاركتها. ويتطلّب ذلك توضيحًا شفّافًا لغرض استخدام البيانات ونطاقها وتبعاتها، من أجل التأكُّد من إلمام المواطنين/ات الكامل بعملية جمع البيانات.
▪ يُعَدّ إنشاء هيئة وطنية لحماية البيانات أمرًا أساسيًا لضمان تنفيذ تدابير حماية البيانات والخصوصية. يتطلّب ذلك تعيين مسؤولين لحماية البيانات، وفرض تدابير أمنية تقنية محدّدة، وتنفيذ نظام للإبلاغ عن الانتهاكات، والأهمّ من ذلك، إدخال آليات إنفاذ إدارية تضمن حقّ المواطنين/ات والضحايا في اللجوء إلى المحاكم المختصّة في ما يتعلّق بإنفاذ حقوقهم/نّ بموجب القانون (DLA PIPER، ٢٠٢٢).
▪ يجب على المُشرِّعين وضع معايير واضحة وعقوبات محدّدة بشأن إخفاء هوية البيانات الشخصية وإلغاء تحديدها، وذلك لضمان حماية خصوصية الأفراد. في الثقافة اللبنانية، لا تُعتبَر الخصوصية الفردية دائمًا مجالًا خاصًّا يستوجِب الحماية. يُشير يورغن هابرماس، في عمله الرائد حول المجال العام (هابرماس، ٢٠٢٠)، إلى أنَّ تقييمنا للمجالَيْن العام والخاصّ لا يَستنِد فقط إلى أحكام أخلاقية أو ثقافية، بل يرتبط أيضًا بالاقتصاد السياسي للمجال العام، ما يعكس التشكّل التاريخي والتمييز بين هذين البُعدَيْن الأساسيَّيْن للحياة الاجتماعية. في قراءة تحليلية لمفهوم هابرماس حول المجال العام، يمكن القول إنَّ المواطنين/ات اللبنانيين/ات يشهدون صراعًا على جبهتَيْن: فمن جهة، هم في صراع دائم مع التدخّلات المتزايدة في شؤونهم/نّ الخاصّة من قِبل الدولة، والجماعات الدينية، والعائلة، والمجتمع. ومن جهة أخرى، يسعون لاستعادة المساحات العامّة والمؤسّسات العامّة التي خضعت للخصخصة الجزئية.
الإرادة السياسية والالتزام
- تُعَدّ الإرادة السياسية والالتزام نقطةَ انطلاقٍ هامّة. يجب أن تُجيب السلطات السياسية على مجموعة من الأسئلة التي تُعتبَر أساسية لتحديد وصياغة أيّ استراتيجية أو خطّة للدمج. وفي ما يلي بعض هذه الأسئلة: ما هي قواعد البيانات الأساسية التي سيتمّ تحديدها للمستوى الأوّل من الدمج؟ ما هو الغرض النهائي من هذا الدمج - إنشاء سجلّ اجتماعي متكامل أو إنشاء برنامج شامل للمساعدة الاجتماعية أو الحماية الاجتماعية؟ ما هي الجهة الحكومية التي ستتولّى إدارة البيانات - هيئة قائمة مثل وزارة الشؤون الاجتماعية أو اللجنة المشتركة بين الوزارات أو إدارة الإحصاء المركزي، أم جهة جديدة سيتمّ إنشاؤها؟
الجاهزية المؤسّسية وإدارة البرمجيات والتطبيقات التقنية
▪ في إطار العمليات واللوجستيات الحديثة للدولة، أصبحت إدارة البيانات وظيفةً لا تقلّ أهميةً عن الإدارة المالية وإدارة الموارد البشرية. لذلك، يجب أن ينعكس ذلك في بناء قدرة مؤسّسية متينة تسمح بإدارة ومعالجة كميات أكبر من البيانات المتولّدة والمُجمَّعة، وذلك من خلال إنشاء وحدات لإدارة البيانات في الوزارات المعنية، وإضفاء الطابع المهني على وظائف إدارة البيانات في القطاع العام، ووضع إطار واضح للكفاءات يتيح للدولة مواكبة الاتّجاهات الجديدة والاستعداد المستمرّ للتغيّرات المستقبلية.
التمويل والاستدامة
▪ إنَّ الانتقال نحو السجلّ الوطني الموحّد، بما في ذلك الترتيبات المؤسّسية والقوانين والأنظمة والبنية التحتية والأجهزة والموارد البشرية، يستلزم تمويلًا مستدامًا. ويجب أن تُدرِك الجهات الرسمية أنَّ حجم التمويل واستدامته سيُحدِّدان بشكل كبير استراتيجية الانتقال، والجدول الزمني لتنفيذه، والنطاق العام للمشروع.
الخلاصة
إنَّ إنشاء السجلّ الوطني الموحّد في لبنان يُشكِّل مبادرةً محوريةً لإحداث تحوُّل جذريّ في مشهد الحماية الاجتماعية، بما يتماشى مع الأهداف الأساسية التي حُدِّدَت في الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية. ويُشدِّد هذا التقرير على أهمية السجلّ الوطني الموحّد في تبسيط آليات تقديم برامج الرعاية الاجتماعية، وتحسين عملية تحديد المستفيدين/ات، وتعزيز الكفاءة في تخصيص الموارد.
في ظلّ الأنظمة المعلوماتية المجزّأة والمنعزلة في لبنان، تبرز تحدّيات كبيرة أمام تحقيق حماية اجتماعية عادلة وفعّالة. ويدعو هذا التقرير إلى إنشاء سجلّ وطني موحّد، مُؤكِّدًا أنَّ وجود سجلّ شامل وفعّال يُشكِّل حجر الأساس لأيّ نظام حماية اجتماعية. فهذا النظام ضروري لإرساء شبكة حماية اجتماعية وطنية تعمل بكفاءة وعدالة، من خلال تمكين الإدارة السلسة للمعلومات وتبادلها بين مختلف القطاعات، بما في ذلك التعليم، والصحّة، والسجلّات المدنية، والبيانات المالية. ويسمح السجلّ الوطني الموحّد للحكومة بتحديد الفئات المستهدفة بدقّة، وتحليل الاحتياجات، وتصميم المنافع والخدمات وفقًا لها، ومتابعة المستفيدين/ات، ومعالجة الفجوات والتداخلات في التغطية. كذلك، يُساهِم في تحسين دقّة البيانات، وخفض التكاليف التشغيلية، وتبسيط الإجراءات الإدارية.
يُبَيِّن التحليل الوارد في هذا التقرير الجهود المستمرّة التي يبذلها لبنان لتحديث أنظمته المعلوماتية وتعزيز التنسيق بين الوزارات، ما يُشير إلى اعترافٍ واضح بأهمية تكامُل البيانات في تعزيز بنية الحماية الاجتماعية. ومع ذلك، لا بدّ من إجراء دراسة نقدية لهدف هذه السجلّات، ووظائفها، وتداعياتها السياسية، سواء كانت سجلّات وطنية أو اجتماعية أو مخصّصة للمستفيدين/ات. فيجب أن يستند تصميم وتنفيذ هذه القواعد البيانية إلى رؤية متماسكة للحماية الاجتماعية، تضمن تكامل البيانات مع الأهداف الاستراتيجية وتُعزِّز كفاءة الخدمات الاجتماعية.
كذلك، يبحث هذا التقرير في ما إذا كانَ يجب على السجلّ الوطني الموحّد أن يُشكِّل أداةً لرصد نظام حماية اجتماعية شامل وجامع، أم أن يُركِّز تحديدًا على سياسات المساعدات المُوجَّهة. ونظرًا للتحدّيات التي يُواجِهها لبنان، بما في ذلك نقص البيانات، وتفكّك المؤسسات، والاعتماد الكبير على المساعدات الخارجية، فإنَّنا نُشدِّد على المخاطر التي قد تُهدِّد مبدأ الشمولية في نظام الحماية الاجتماعية الوطني. يجب أن يحرص صانعو السياسات والمجتمع المدني على ألّا يؤدّي تكامل السجلّات إلى تفاقم التشرذم القائم داخل النظام. فقد يؤدّي التركيز الضيّق على برامج المساعدة الاجتماعية المشروطة إلى تهميش برامج التأمين العام القائمة على الاشتراكات، ما قد يُضعِف فعّالية النظام ككلّ.
وتجدر الإشارة إلى أنَّ إحدى أبرز الملاحظات التي كشفها التحليل كانت أنَّ الإرادة السياسية تُشكِّل المحرّك الأساسي لأي إصلاح مرتبط بالسجلّ الوطني الموحّد، وفي الوقت نفسه، تُعَدّ العائق الرئيسي أمام تحقيق التقدُّم. فعلى الرغم من أنَّ المخاطر التكنولوجية والأمنية تُعتبَر تحدّيات كبيرة، لا ينبغي أن تُؤخِّر الانتقال إلى سجلّ وطني موحّد. فهذه المخاطر موجودة أصلًا في سياقات أخرى مثل الأسرار العسكرية وأسرار الدولة، كما أنَّ الأمن السيبراني يظلّ تحدّيًا مستمرًّا يتعيّن التعامل معه.
وليس المقصود هنا التقليل من المخاطر المرتبطة بتوحيد البيانات، بل على العكس، ينبغي أن تدفع هذه المخاطر نحو تعزيز تدابير الحماية والإدارة الفعّالة. فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في المخاطر ذاتها، بل في تردُّد القادة السياسيين في مواجهة التحدّيات الجوهرية المتعلّقة بإدارة البيانات وحوكمتها، على الرغم من أهميتها الوطنية.
ويتطلّب هذا الموضوع مزيدًا من البحث، إذ إنَّه يتجاوز الجوانب التقنية لمشروع توحيد البيانات، ليشمل التطوّر التاريخي للدولة اللبنانية والسرديات السياسية التي تُحدِّد آليات السيطرة على المؤسّسات العامّة. ويبقى السؤال مطروحًا: ما الذي يجعل السيطرة على إنتاج البيانات ومشاركتها مسألةً حاسمة بالنسبة للنخب السياسية داخل الدولة؟ وكيف يُؤثِّر هذا التحكُّم على المفاوضات السياسية المستمرّة بين هذه المجموعات؟
- - -
فريق الإعداد
المُؤلِّفان: اسكندر بستاني (خبير اقتصادي)، نزار حريري (خبير اقتصادي ومُحلِّل لسوق العمل).
فريق التحرير
ماري-نويل أبي ياغي (خبيرة في العلوم السياسية ومديرة مُشارِكة لمركز العلوم الاجتماعية للأبحاث التطبيقية)، ليا يمّين (مُبدِعة وباحثة ومديرة مُشارِكة لمركز العلوم الاجتماعية للأبحاث التطبيقية).
الترجمة والتحرير اللغوي
The Language Platform
تمّ إعداد هذه الدراسة من قِبل مركز العلوم الاجتماعية للأبحاث التطبيقية في إطار تعاونه مع اليونيسف ضمن مشروع مشترك بعنوان "نحو سياسات اجتماعية شاملة ودولة الرعاية الاجتماعية في لبنان" لتعزيز الأبحاث المستقلّة والدعوة إلى وضع السياسات العامّة المناسبة. لا تتبنّى اليونيسف وجهات النظر أو التحليلات أو الآراء التي عبَّرَ عنها فريق الإعداد.
تُعبِّر وجهات النظر الواردة في هذا المنشور عن آراء المؤلّفين حصرًا، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مركز العلوم الاجتماعية للأبحاث التطبيقية.
مركز العلوم الاجتماعية للأبحاث التطبيقية © بيروت، نيسان/ابريل ٢٠٢٥.
جميـع الحقـوق محفوظـة. لا يجـوز إعـادة إنتـاج أيّ جـزء مـن هـذا المنشـور، أو توزيعـه، أو نقلـه بـأيّ شـكل أو بأيّ وسيلة، بمــا فــي ذلــك التصوير، أو التسجيل، أو أيّ وســائل إلكترونيــة أو ميكانيكيــة أخــرى، مـن دون إذن خطّـي مسـبق مـن الناشـر، إلّا فـي حالـة الاقتباسات الموجـزة والإشارة فـي المراجعات والمقالات النقديـة، وبعـض الاستخدامات غيـر التجاريـة الأخرى التي يسمح بهـا قانـون حقوق النشر.
- - -
الملحق
قائمة برامج الحماية الاجتماعية المُموَّلة أو المُدارة من قِبل الدولة
الجدول ٢: قائمة غير شاملة لبرامج الحماية الاجتماعية المُموَّلة أو المُدارة من قِبل الدولة
ملاحظة: تمّ الحصول على معظم المعلومات الواردة في هذا الجدول من المراجع المذكورة أدناه. بعض البرامج توقّفت، مثل دعم المحروقات الذي تمّ رفعه في آب/أغسطس ٢٠٢١، بينما لا تزال بعض البرامج الأخرى قائمة، مثل برنامج دعم القمح المُموَّل من خلال قرض من البنك الدولي، والذي يوشك على الانتهاء، بالإضافة إلى دعم تأمين الأدوية للأمراض المزمنة. أمّا البرامج الأخرى، التي كانت تُموَّل أساسًا من موازنة الدولة، مثل برامج المعاشات التقاعدية وبرامج الرعاية الاجتماعية وغيرها من البرامج التي تُشرف عليها الوزارات المعنيّة، فقد تقلّصت بشكل كبير من حيث الحجم والنطاق بسبب الأزمة المالية والنقدية. في المقابل، تمّ إطلاق عدد محدود من برامج المساعدة الاجتماعية، مثل برنامج شبكة الأمان الاجتماعي في حالات الطوارئ المُموَّل من البنك الدولي والمُوجَّه لاستهداف الفقر، بالإضافة إلى تصميم وإطلاق أوّل برنامج مِنَح اجتماعية في لبنان، وهو برنامج البدل النقدي للأشخاص ذوي الإعاقة، المُموَّل من الاتّحاد الأوروبي والمدعوم بشكل مشترك من قِبل اليونيسف ومنظّمة العمل الدولية.
المراجع: معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي، ٢٠٢١، مجموعة البنك الدولي، ٢٠٢٣، اليونيسف، ٢٠٢٣.
المراجع
Abi Chahine, M. (2022). A Glimmer of Hope amidst the Pain. Beirut: International Labor Organization. Retrieved from https://www.ilo.org/publications/glimmer-hope-amidst-pain
Barca, V. (2018). Information systems for social protection: What is all the fuss? Retrieved from https://socialprotection.org/discover/blog/information-systems-social-pr...
Calvaresi, M. (2018, January 29). The Unified National Population Registry Moves Forward. Retrieved from https://medium.com/team-per-la-trasformazione-digitale/anpr-italy-unifie...
Central Administration of Statistics & ILO. (2019). Labour Force and Household Living Conditions Survey 2018-2019. Beirut: Central Administration of Statistics. Retrieved from http://www.cas.gov.lb/images/Publications/Labour%20Force%20and%20Househo...
Chirchir, R., & Barca, V. (2020). Building an Integrated and Digital Social Protection Information System. Bonn: Deutsche Gesellschaft für Internationale Zusammenarbeit. Retrieved from https://socialprotection.org/sites/default/files/publications_files/GIZ_...
Cowling, F. (2020). Seeing Like a Humanitarian. Legibility in Lebanon’s Emergency Response. Brasenose College, University of Oxford. Retrieved from https://ora.ox.ac.uk/objects/uuid:5d4e75a7-c86e-4726-939e-128a4818d4d5/f...
Datta, P. (2020). Digital Transformation of the Italian Public Administration: A Case Study. Communications of the Association for Information Systems, 46(1), 11. doi:10.17705/1CAIS.04611
DLA PIPER. (2022). Data Protection Laws in the World. Lebanon. Retrieved from www.dlapiper.com
George, T., & Leite, P. (2019). Integrated Social Information Systems and Social Registries. The World Bank. Retrieved from https://thedocs.worldbank.org/en/doc/575621575490523237-0160022019/origi...
Ghossein, N. (2022). الأسلاك العسكرية والأمنية في زمن الانهيار: العناصر والضبّاط في فم العوَز. Retrieved from https://legal-agenda.com/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%83-%D8%...
GIZ. (2020). Data Protection for Social Protection: Key Issues for Low and Middle-Income Countries. Retrieved from https://socialprotection.org/sites/default/files/publications_files/GIZ_...
Government of Jordan. (2024). Unified National Register. National Aid Fund. Retrieved from https://naf.gov.jo/EN/Pages/About_the_Register
Government of Lebanon. (2021). Lebanon five-year General Education Plan 2021-2025. Beirut: Ministry of Education and Higher Education. Retrieved from https://www.mehe.gov.lb/ar/SiteAssets/Lists/News/AllItems/5YP%20MEHE-GE%...
Government of Lebanon. (2023). National Social Protection Strategy for Lebanon - Towards a Rights-Based, Shock-Responsive and Sustainable System.
Habermas, J. (2020). “The Public Sphere: An Encyclopedia Article”. In Critical Theory and Society (pp. 136-142). Routledge.
Hariri, N. (2023). Unprotected. Survey Report on The Challenges of The Current Social Protection System in Lebanon Amidst The Crisis. Beirut: The Centre for Social Sciences Research and Action. Retrieved from https://civilsociety-centre.org/sites/default/files/resources/cessra-unp...
Institut des Finances Basil Fuleihan. (2021). A deep dive into State Financing of Social Protection. Beirut: Institut des Finances Basil Fuleihan. Retrieved from http://www.institutdesfinances.gov.lb/publication/social-protection-spen...
International Labor Organization. (2021). Social Assistance Response to the Covid-19 Economic Shock in Lebanon: The National Social Solidarity Program. International Labor Organization. Retrieved from https://www.ilo.org/publications/social-assistance-response-covid-19-eco...
International Labor Organization ILO (2024a). The Government of Lebanon Launches its First National Social Protection Strategy. Beirut: International Labour Organization. Retrieved from https://www.ilo.org/resource/news/government-lebanon-launches-its-first-...
International Labor Organization. (2024b). New Pension System at the National Social Security Fund in Lebanon. Beirut: International Labor Organization. Retrieved from https://www.ilo.org/resource/new-pension-scheme-nssf-lebanon-explained-2...
Khalid, H. (2021). Issue brief: Unified Social Registry: Towards an Efficient Social Protection System. UNDP. Retrieved from https://www.undp.org/malaysia/publications/issue-brief-unified-social-re...
Kidd, S., Athias, D., & Mohamud, I. (2021). Social Registries: a Short History of Abject Failure. Development Pathways, Act Church of Sweden. Retrieved from https://www.developmentpathways.co.uk/wp-content/uploads/2021/06/Social-...
Kosmatopoulos, N. (2011). Toward an Anthropology of 'State Failure': Lebanon's Leviathan and Peace Expertise. 55(3). doi:10.3167/sa.2011.550307
Leite, P., George, T., Sun, C., Jones, T., & Lindert, K. (2017). Social Registries for Social Assistance and Beyond: A Guidance Note & Assessment Tool. World Bank. Retrieved from https://documents1.worldbank.org/curated/en/698441502095248081/pdf/11797...
Lindert, K., Karippacheril, T. G., Caillava, I. R., & Chávez, K. N. (Eds.). (2020). Sourcebook on the foundations of social protection delivery systems. World Bank Publications.
L'Orient-Le Jour. (2023). Les députés approuvent le fonds souverain et rejettent le contrôle des capitaux. Beirut: L'Orient-Le Jour. Retrieved from https://www.lorientlejour.com/article/1360914/mandat-de-joseph-aoun-debu...
Makdisi, S., Kiwan, F., & Marktanner, M. (2010). “Lebanon: the constrained democracy and its national impact.” In Democracy in the Arab World: Explaining the Deficit (pp. 115-141). Routledge.
Marczak, B., Scott-Railton, J., Senft, A., Poetranto, I., & McKune, S. (2015). Pay No Attention to the Server Behind the Proxy: Mapping FinFisher’s Continuing Proliferation. University of Toronto. Retrieved from https://citizenlab.ca/2015/10/mapping-finfishers-continuing-proliferation/
Mezher, J. (2021). From Elitism to Inclusivity. Friedrich Ebert Stiftung, Beirut, Lebanon.
Ministry of Public Health. (2015). Health System Financing. Retrieved from https://www.moph.gov.lb/userfiles/files/Publications/HealthBeyondPolitic...
OMSAR. (2022). Lebanon Digital Transformation Strategy 2020-2030. Beirut: OMSAR. Retrieved from https://www.omsar.gov.lb/Assets/DT_EN.pdf
Privacy International. (2019, January 27). State of Privacy Lebanon. Retrieved from https://privacyinternational.org/state-privacy/1081/state-privacy-lebano...
Raul, A. C. (2002). Privacy and the Digital State: Balancing Public Information and Personal Privacy. Springer Science & Business Media. doi:10.1007/978-1-4615-0889-2
Scala, M. (2022) An intersectional perspective on social (in)security. Making the case for universal social protection in Lebanon, Beirut: CeSSRA. Retrieved from https://civilsociety-centre.org/resource/intersectional-perspective-soci...
Tomlinson, J. (2019). Justice in the digital state. Assessing the next revolution in administrative justice. Briston University Press. doi:https://policy.bristoluniversitypress.co.uk/justice-in-the-digital-state
UNICEF. (2023, April 26). The Ministry of Social Affairs introduces a social protection programme for people with disabilities in Lebanon. Retrieved from https://www.unicef.org/lebanon/press-releases/ministry-social-affairs-in...
Williams, A., & Moreira, V. (2020). Making Social Protection Information Systems Adaptive. Washington DC: International Bank for Reconstruction and Development / The World Bank. Retrieved from https://documents1.worldbank.org/curated/en/552651593589815047/pdf/Guida...
World Bank Group. (2023, May 25). US$300 million to Scale-Up Support to Poor and Vulnerable Lebanese Households and Strengthen Social Safety Net Delivery System. Washington DC. Retrieved from https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2023/05/25/us-300-millio...
Zuboff, S. (2023). “The Age of Surveillance Capitalism.” In S. Zuboff, Social Theory re-Wired (p. 11). Routledge.
[1] على سبيل المثال، كانَ من الممكن أن تعمل برامج الحماية الاجتماعية المناسبة، مثل برامج التحويلات النقدية المشروطة أو مخصّصات البطالة، كمثبّتات تلقائية داخل الإطار الاقتصادي الكلّي عند مواجهة الصدمات الخارجية. فمن خلال تعزيز الدخل المُتاح تلقائيًا، كانَ لهذه التدابير أن تُحدِث آثارًا مضادة للتقلّبات الاقتصادية. وبالتالي، فإنَّ نظام الحماية الاجتماعية المتين لا يُعتبَر فقط وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية، بل يُشكِّل أيضًا محرّكًا اقتصاديًا خلال فترات الأزمات.
[2] يَفترِض هذا النهج أنَّ عملية تصنيف الوظائف الحالية والجديدة، بالإضافة إلى أشكال وعلاقات العمل، المُستنِدة إلى تخطيط استراتيجي للقوى العاملة، تسمح بوضع معايير أهلية موحّدة وتخصيص سياسات المساعدة الاجتماعية والرعاية الاجتماعية للفئات الهشّة المُستهدَفة.
[3] تُظهِر تجربة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أنَّ الترتيبات الثنائية لا تقلُّ صعوبةً وكلفةً عن النهج القائم على إصلاح شامل يعتمد على إنشاء دولة رقمية.
[4] الضريبة المستقطعة من المصدر، أو "الاقتطاع الضريبي عند الكسب"، تعني أنَّ الضريبة ستُخصَم عند تحقيق الدخل وسيتمّ دفعها من قِبل طرف ثالث. بالتالي، يتمّ اقتطاعها مباشرةً من المصدر، أي من الجهة التي تدفع الدخل (على سبيل المثال، صاحب العمل، صندوق المعاشات التقاعدية، إلخ). أمّا التصريح الذاتي، فهو يُشير إلى مختلف أنظمة تحصيل الضرائب حيث يُصرِّح المُكلَّفون/ات بالضرائب عن إجمالي دخل الأسرة في وثيقة واحدة، مُتضمِّنة جميع الأجور والرواتب والمعاشات التقاعدية والمخصّصات السنوية، إلى جانب أيّ أرباح أو إيرادات أخرى من الممتلكات أو الأنشطة التجارية والمهنية، مثل أرباح الاستثمارات، والإيجارات، والمداخيل العقارية الأخرى، وأرباح رأس المال، وغيرها.
[5] في الواقع، يُعَدّ تحديد عدد العاطلين/ات عن العمل في لبنان وتقديرهم/نّ من بين المهام الأكثر تحدّيًا في استطلاعات القوى العاملة، وأحد أبرز نقاط الضعف في نظام معلومات سوق العمل الحالي. حاليًا، لا يوجد أيّ حافز يدفع الأفراد العاطلين/ات عن العمل في لبنان للإفصاح عن وضعهم/نّ أو التعبير عن رغبتهم/نّ في الحصول على عمل مأجور (لدى وزارة العمل أو المؤسّسة الوطنية للاستخدام، على سبيل المثال)، نظرًا لعدم استفادتهم/نّ من أيّ بدلات مالية أو حصولهم/نّ على دعم ملموس يُساعدهم/نّ في إعادة الاندماج في سوق العمل.
[6] بالنسبة لنظام المعلومات الأوّل، أي نظام إدارة المعلومات المدرسية (SIMS)، الذي يُشرِف عليه المركز التربوي للبحوث والإنماء: راجع قصير، عبد الجواد إبراهيم. ٢٠٢٢. "نظام إدارة المعلومات المدرسية في المدارس الرسمية في لبنان"، CIMJ، العدد ٤٧(٩). أمّا بالنسبة لنظام المعلومات الثاني، أي نظام إدارة معلومات الزيارات (VIMS)، الذي يخضع لإشراف مديرية التوجيه التربوي والمدرسي (DOPS)، راجع: وزارة التربية والتعليم العالي، ٢٠٢١. "الخطّة الخماسية للتعليم العام في لبنان ٢٠٢١-٢٠٢٥". لمزيدٍ من المعلومات، يُرجى زيارة الرابط التالي: https://daleel-madani.org/ar/node/357233 .
[7] السماح بمشاركة أرقام الهواتف مع الشركات الخاصّة ووكالات الإعلانات من قِبل وزارة الاتّصالات هو مثال واضح على انتهاك الحقّ الدستوري في الخصوصية. وفقًا لتقريرٍ حديث صدرَ عن مؤسّسة الخصوصية الدولية: "تقوم شركتا "ألفا" و"تاتش"، المُشغِّلتان المملوكتان للدولة اللبنانية، ببيع بيانات المُستخدِمين/ات إلى الشركات ووكالات الإعلانات. [...] لا تُوفِّر أيّ من الشركتَيْن خدمةً تُمكِّن المُستخدِمين/ات من إلغاء الاشتراك في هذه الرسائل. [...] تدفع الشركات مبلغ ١١٠٠٠ دولار أمريكي لإرسال ٥٠٠٠٠٠ رسالة نصّية قصيرة و٤٣٠ دولارًا أمريكيًا لإرسال ٣٦٠٠٠٠ بريد إلكتروني في المتوسّط. وهذه الرسائل لا تُرسَل دائمًا على نطاق واسع فقط، بل يتمّ استخدامها أيضًا لتمكين الشركات من توجيه إعلانات مستهدفة".
Economist, Labour Market Analyst - خبير اقتصادي ومُحلِّل لسوق العمل
Economist - خبير اقتصادي