موجز: الإقتصاد السياسي لإدارة أزمة جائحة كوفيد-١٩ في تونس: هل هي أزمة حُكم أم فشلٌ على مستوى المنظومة الصحّية؟

Dossier: 
Socio-Economic Rights Base, Conflict Analysis Project
Author(s): Dr. Belgacem Sabri
Keywords: Tunisia, Political Economy, Health, Covid19, Right To Health

To cite this paper: Dr. Belgacem Sabri,"موجز: الإقتصاد السياسي لإدارة أزمة جائحة كوفيد-١٩ في تونس: هل هي أزمة حُكم أم فشلٌ على مستوى المنظومة الصحّية؟", Civil Society Knowledge Centre, Lebanon Support, 2021-09-01 00:00:00. doi:

[ONLINE]: https://civilsociety-centre.org/ar/paper/موجز-الإقتصاد-السياسي-لإدارة-أزمة-جائحة-كوفيد-١٩-في-تونس-هل-هي-أزمة-حُكم-أم-فشلٌ-على-مستوى
Embed this content: 
Copy and paste this code to your website.
Full text: 
Full text
ساحة باب سعدون شبه فارغة بسبب جائحة فيروس كورونا (كوفيد -١٩) في العاصمة التونسية، ٣١ مارس ٢۰٢۰ (ياسين غايدي - وكالة الأناضول)

تصدَّرَ عناوين الأخبار التصريحُ الذي أدلت به الناطقة الرسمية لوزارة الصحّة، في منتصف عام ٢٠٢١، وتحدّثت فيه عن انهيار النظام الصحّي التونسي وعجزه عن توفير الخدمات العلاجية للعديد من المرضى، إلى جانب الارتفاع الكبير الذي سجَّله عدّاد الإصابات والوفيات إثر تفشّي الموجة الرابعة للجائحة. وكانَ لهذا التصريح غير الدقيق والمستعجل تداعياتٌ واسعة على المستويَيْن الداخلي والخارجي، إذ استنكرت الجمعيات هذا التصريح الذي فنّدته الحكومة في اليوم نفسه. وأغلقت ليبيا حدودها مع تونس، في حين بادرَ عددٌ من البلدان الشقيقة والصديقة إلى مدّ يد المساعدة من خلال تأمين بعض الأجهزة الطبّية والمستشفيات الميدانية واللقاحات ضدّ كوفيد-١٩. في هذا السياق، أشارَت جمعياتٌ كثيرة إلى أنَّ النظام الصحّي لا يقتصر على أسرّة الإنعاش وأجهزة الأكسجين، مُشدِّدةً على أهمية اعتماد نظرة شاملة تأخذ في الاعتبار مختلف المُحدِّدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لإدارة الجائحة، في إطار مقاربة الاقتصاد السياسي.

 

المشهد العالمي لإدارة جائحة كورونا

شكَّلَت هذه الجائحة العالمية صدمةً مفاجئة لمختلف الدول بسبب هشاشة الأمن الصحّي، وضعف وظائف الصحّة العامّة، وغياب التفكير الاستراتيجي والاستشرافي لإدارة الأوبئة والجوائح، بدءًا بنقص مخزون معدّات الوقاية الشخصية في بلدان عديدة، مثل الكمامات والسوائل المعقّمة وأجهزة تكثيف الأكسجين والأدوية الأساسية، وصولًا إلى اللقاحات التي تحمي من المرض والتي تمّ تصنيعها ضمن فترة زمنية قصيرة. وسرعان ما تحوّلت الأزمة الصحّية إلى أزمةٍ اقتصادية حادّة أدّت إلى تراجع الكثير من الأنظمة الاقتصادية جرّاء الإغلاق الناتج عن الحجر الصحّي. برزت إلى الواجهة أيضًا أزمةٌ اجتماعية تجلّت في فقدان موارد الرزق وصعوبة تأمين متطلّبات العيش، ولا سيّما في الدول النامية والفقيرة. إذًا، جاءت هذه الجائحة لتؤكّد على أهمية المُحدِّدات الاجتماعية للصحّة في كلّ البلدان، مهما كانَ مستوى نموّها الاقتصادي والاجتماعي.

علاوةً على ذلك، أظهرت هذه الجائحة اختلالاتٍ عديدة في الحوكمة الصحّية على المستوى العالمي، بسبب الفوارق الاقتصادية الكبيرة بين البلدان، وضعف آليات التضامن العالمي خلافًا لما تُبشِّر به وتدّعيه سياساتُ العولمة، وتحديدًا لناحية الحصول على المعدّات الطبّية واللقاحات. وكعادتها، استغلّت شركات الصناعات الدوائية والصيدلانية الاستثمارات العمومية التي وفّرتها بلدان الشمال في البحوث والتطوير لتصنيع اللقاحات التي كانت وما زالت موجّهة نحو أسواق البلدان الثرية بالدرجة الأولى، في موازاة بروز ظواهر متوقّعة مثل ما اصطُلح على تسميته بالشوفينية اللقاحية، وتكديس فائض من اللقاحات يتجاوز إلى حدّ كبير حاجات البلدان المصنّعة والثرية، في وقت لم يصل اللقاح سوى إلى نسبة قليلة من سكّان بلدان الجنوب والدول الفقيرة.

وفي محاولةٍ لتعزيز العدالة في الوصول إلى اللقاحات، سعت منظّمة الصحّة العالمية، بالتعاون مع بعض الشركاء الدوليين، إلى إنشاء آلية "كوفاكس" لشراء وإدارة هبات اللقاحات وتوزيعها بطريقة أكثر إنصافًا بين البلدان ذات الدخل المتوسّط والمتدنّي والتي لم تستطع حجز حاجات سكّانها من اللقاحات. ونادت باعتماد الأساليب المرنة لإدارة الملكية الفكرية في ظلّ الجوائح الصحّية، وذلك بالتنسيق مع بعض بلدان الجنوب التي تملك قدرات تصنيعية في الميدان الصحّي والطبّي، ومع منظّمة التجارة العالمية. غير أنَّ شركات الأدوية، وبدعمٍ من بعض البلدان الرأسمالية، ما زالت تُعارض هذه المبادرة مُتذرِّعةً بحجج واهية هدفُها الأساسي كسب المزيد من الأرباح المادّية، مُتجاهلةً الدعم المالي العمومي الكبير للبحوث في مجال إنتاج اللقاحات.

من ناحية أخرى، أشارت تقارير منظّمة العمل الدولية إلى زيادة البطالة وفقدان ما يفوق ثلاث مئة مليون عامل لوظائفهم حول العالم، فضلًا عن تراجع النموّ وطنيًا وإقليميًا وعالميًا بسبب جائحة كورونا. تمكّنت الدول الثرية من تقديم تعويضات مالية للشركات والأفراد المتضرّرين من الجائحة. غير أنَّ الوضع الذي ازدادَ سوءًا في دول الجنوب عرَّضَ عددًا كبيرًا من الفقراء والمهمّشين واللاجئين والمهجّرين إلى مزيدٍ من الهشاشة على المستويَيْن الاقتصادي والاجتماعي.

 

إدارة جائحة كوفيد-١٩ في تونس

تزامنت بداية الجائحة في أوائل سنة ٢٠١٩ مع العهدة النيابية الثانية للجمهورية الثانية اعتمادًا على دستور سنة ٢٠١٤. وأفرزت الانتخابات البرلمانية مشهدًا مشتّتًا بالنظر إلى القانون الانتخابي المعتمد، ممّا لم يُمكِّن الحزب الذي حصدَ غالبية الأصوات (حركة النهضة: الإخوان المسلمون) بالتعاون مع حلفائه من السلفيين ومن حزب قلب تونس من تشكيل حكومة. ثمّ جرى تعيين رئيس حكومة من طرف رئيس الجمهورية، وسرعان ما تمّ إسقاطها بعد أربعة أشهر ليُصار إلى تعيين حكومة غير حزبية. بقيت هذه الحكومة بضعة أشهر، ثمّ دخلَ رئيسها في نزاعٍ مع مؤسّسة الرئاسة بدعمٍ من حزامها السياسي، وتمّ تعطيل عمل عدد من وزاراتها. أثّرت الأزمة السياسية بشكل كبير على مختلف القطاعات، وانعكسَ ذلك على إدارة أزمة الجائحة بسبب ضبابية التوجُّهات السياسية وعدم الاستقرار الحكومي.

لكنَّ الكفاءات العلمية في وزارة الصحّة والمنظومة الأكاديمية تمكّنت من الإدارة التقنية لمختلف التدخّلات، اعتمادًا على الموارد البشرية الجيّدة في القطاعَيْن العامّ والخاص. في المقابل، وفي ظلّ شحّ الموارد المالية المخصّصة لقطاع الصحّة العامّة وفي غياب أيّ رؤية واقعية للأزمة أو أيّ تخطيط استراتيجي لإدارتها، فشلت عملية التخطيط لتوفير اللقاحات. ازدادَ تذمُّر المواطنين الذين خرجوا بأعداد كبيرة للتنديد بفشل منظومة الحكم وسوء إدارة الشأن العام، وعدم توفُّر اللقاحات، وسط أزمة مالية حادّة ناجمة عن السياسات الاقتصادية المتّبعة منذ تسلُّم الإسلام السياسي مقاليد الحكم في تونس. لقد كانَ التركيز في البداية على المستشفيات الجامعية واستخدام تقنيات التواصل الهاتفي واستعمال تجهيزات الطوارئ. غير أنَّ قيادة الوزارة اقتنعت بوجهة نظر العديد من الجمعيات الناشطة في القطاع الصحّي التي أشارت إلى أهمية التركيز على خدمات الرعاية الصحّية الأوّلية بالنظر لما يتوفّر للنظام الصحّي من قاعدة متطوّرة تُغطّي مختلف الأقاليم وتُوفِّر خدمات محلّية ضمن مقاربة قائمة على ممارسة صحّة الأسرة وطبّ الأسرة في القطاعَيْن العام والخاصّ.

وانطلاقًا من مبادرات رئاسة الجمهورية بالتنسيق مع الدبلوماسية التونسية، بدأت تونس تحصل على حاجاتها من اللقاحات من خلال الشراء المباشر ومبادرة "كوفاكس"، وكذلك من خلال حملة التضامن مع تونس من طرف عدد من البلدان الشقيقة والصديقة. ووضعَ الفريق العلمي لوزارة الصحّة هدفًا يتمثّل بتلقيح نصف عدد السكّان بحلول نهاية شهر أكتوبر ٢٠٢١. وانطلقت حملات توعوية وتضامنية بين مختلف القطاعات. وكانَ لمؤسّسات الرعاية الصحّية الأوّلية دور هامّ في إنجاح هذه الحملات وفي توفير اللقاح بجرعتَيْن لما يقارب ثلاثة ملايين من السكّان، سواء مواطنين أو مهاجرين أو مقيمين في تونس.

ونظرًا لسوء الوضع الاقتصادي والمالي حيث تراجع الناتج المحلّي الإجمالي بنسبة ثمانية في المئة، وفقدَ أكثر من ٢٠٠٠٠٠ من العمّال وظائفهم (١)، عجزت الدولة عن توفير المساعدة اللازمة للمتضرّرين اقتصاديًا من جائحة كورونا، فازدادَت دوّامة الفقر والإقصاء الاجتماعي والتداعيات الصحّية على الشرائح الفقيرة. في المقابل، لعبَ المجتمع المدني دورًا هامًّا لناحية الإحاطة الاجتماعية وتقديم المساعدات المالية والعينية، كما وفّرت بعض المجالس البلدية دعمًا للمحتاجين، وخاصّةً للمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء.

 

مقوّمات النظام الصحّي التونسي وعناصر قوّته

أثبتت التقييمات المختلفة التي أجرتها منظّمة الصحّة العالمية أنَّ النظام الصحّي في تونس يرتكز على أُسُس متينة تُمكّنه من الصمود في وجه الأزمات. كما أنَّه يتميّز بكفاءةٍ جيّدة حسب المؤشّرات القياسية مثل مخرجات النظام الصحّي، وتحديدًا متوسّط العمر المتوقّع عند الولادة ومؤشّر سنوات العمر الصحّية، مقارنةً بالإنفاق على الخدمات الصحّية، وكذلك العدالة في التغطية الصحّية. وتتمثّل عناصر القوّة في ما يلي:

لكنْ، لا بدّ من التذكير بالتحوُّلات الهامّة التي طرأت على المنظومة الصحّية جراء الخيارات السياسية الخاطئة منذ الأزمة المالية في أواخر ثمانينات القرن الماضي، وتحديدًا الشروط النيوليبرالية لصندوق النقد الدولي في إطار ما يُسمّى بالإصلاح الهيكلي للاقتصاد، الذي يتمثَّل عمليًا في تراجع النفقات العامّة وتشجيع الخصخصة والتوجُّه نحو التصدير. ولقد كانَ لهذه التوجُّهات التي لا تزال قائمة انعكاسات سلبية على الالتزامات الاجتماعية للدولة، إذ انخفضت ميزانيات وزارة الصحّة وتغيّرت هيكلية الإنفاق العام على الخدمات الصحّية نحو تحميل الأفراد والأُسَر جزءًا ملحوظًا منها. أدّى ذلك إلى زيادة في المصاريف الكارثية ونسبة الإفقار جرّاء الإنفاق الصحّي. وأمام تراجع قطاع الصحّة العامّة، الذي يُشكِّل أحد عناصر قوّة واستدامة النظام الصحّي، توجّهت الدولة نحو الخصخصة في مختلف الخدمات الاجتماعية كالتعليم والصحّة. وتمّ تمويل المصحّات والمستشفيات الخاصّة عن طريق قروض من المال العام، إضافةً إلى حزمة من الحوافز الجبائية لتشجيع الاستثمار في القطاع الصحّي الخاصّ. ومنذ سنوات، تمّ تسهيل الاستثمارات الأجنبية من خلال مؤسّسة أبراج الإماراتية التي اشترت وتُخطّط لشراء بعض المصحّات الناجحة في سبيل تشجيع تصدير الخدمات الطبّية للمرضى الوافدين إلى تونس واستغلال الميزة التفاضلية للمستوى الطبّي المرموق للكوادر الصحّية والطبّية الوطنية.

 

دفاع المجتمع المدني التونسي عن الحقّ في الصحّة وعن مكتسبات النظام الصحّي

منذ ثورة الحرّية والكرامة (١٧ ديسمبر ٢٠١٠  - ١٤ يناير ٢٠١١)، أصبحَ للمجتمع المدني وللأحزاب السياسية دور هامّ في إدارة الشأن العام وفي المطالبة بتفعيل الحقوق والحرّيات الواردة في دستور الجمهورية الثانية لسنة ٢٠١٤. يكفل الفصل ٣٨ من الدستور الحقّ في الصحّة والتغطية الصحّية الشاملة. ولقد أصدرت الجمعية التونسية للدفاع عن الحقّ في الصحّة التقرير الأوّل حول واقع الحقّ في الصحّة في أواخر عام ٢٠١٦.

أشارَ التقرير إلى الإنجازات التي تحقّقت في القطاع الصحّي، كما إلى الفوارق بين الشرائح والفئات الاجتماعية في ما يخصّ بعض المؤشّرات المتعلّقة بالوضع الصحّي (معدّل المراضة والوفيات) والحصول على مختلف الخدمات الصحّية الأساسية، وكذلك توزيع الموارد البشرية الصحّية وتقسيم الإنفاق على الخدمات الصحّية. اعتمدَ التقرير على تحليل البيانات الإحصائية الرسمية لوزارة الصحّة، كما على بعض البحوث والدراسات التي أجرتها مؤسّسات أكاديمية وطنية وبالتعاون مع المنظّمات العالمية مثل منظّمة الصحّة العالمية.

ولقد تناولت مختلف وسائل الإعلام الوطنية والأجنبية الحديث عن أهمّ الخلاصات وعن الاستراتيجية المقترحة للدفاع عن الحقّ في الصحّة المكرّس في الدستور، مع التأكيد على أهمية دور المجتمع المدني. وتمّ تشكيل ائتلاف يضمّ حوالي أربعين جمعية ناشطة في القطاع الصحّي والاجتماعي للدفاع عن تحقيق الحقّ في الصحّة وعن دعم مكتسبات النظام الصحّي المتمثّلة أساسًا في المرافق العمومية للصحّة وفي قاعدة الرعاية الصحّية الأساسية. وجرى الاتّفاق على أن يكون المدخل لتفعيل الحقّ في الصحّة هو الدفاع عن المرافق العمومية واستدامة خدماتها من خلال توفير الموارد المالية والبشرية اللازمة، والحدّ من هجرة الموارد البشرية نحو القطاع الخاصّ وإلى الخارج.

نظَّمَ الائتلاف من خلال تنسيقيته العديد من التظاهرات على المستويَيْن الوطني والمحلّي والإقليمي لتسليط الضوء على أهمية دور القطاع العام في تأمين عدالة أكبر للحصول على الخدمات الصحّية. وتمّ التواصل مع لجنة الصحّة والشؤون الاجتماعية بمجلس نواب الشعب، وكذلك مع الأحزاب التقدُّمية التي تؤيّد التوجّه الاجتماعي للدولة. وتمّ وضع خطّة لتطوير موارد القطاع العمومي، مع التكفُّل بتسديد ديون المؤسّسات الصحّية العمومية، بما في ذلك الصيدلية المركزية، فضلًا عن إصلاح منظومة التأمين الصحّي من أجل الحدّ من إنفاق الأفراد والأُسَر وخفض مستويات الإنفاق الكارثي.

شاركت كذلك جمعيات عديدة في الحوار المجتمعي حول إصلاح القطاع الصحّي، بدعم مالي من الجماعة الأوروبية وبدعم تقني من منظّمة الصحّة العالمية، من أجل تعزيز المشاركة المجتمعية في التنمية الصحّية وإرساء أُسُس الديمقراطية الصحّية في تونس بعد الثورة. وإثر الانتهاء من تشخيص الوضع الصحّي وتقييم أداء النظام الصحّي، وانطلاقًا من مجموعة القِيَم والمبادئ التي ينصّ عليها الدستور، استُهِلَّ الحوار حول أهداف السياسة الصحّية البديلة، وكيفية ترجمتها إلى خطط عملية وورشات إصلاحية.

وكان لائتلاف الجمعيات المُدافِعة عن المرافق العمومية للصحّة دورٌ ملحوظ أثناء تفشّي جائحة كورونا، وتحديدًا لناحية التأكيد على أهمية الرعاية الصحّية الأساسية والأوّلية في مقاومة الجائحة وفي حشد الموارد للتخفيف من وطأتها الاجتماعية والاقتصادية، وخاصّةً لدى الشرائح الفقيرة والهشّة، بما في ذلك كبار السنّ، وذوي الاحتياجات الخاصّة، واللاجئين. وساهمَ الائتلاف في تعديل استراتيجية المقاومة نحو مزيدٍ من اللامركزية، وكذلك في تشخيص الوضع بالنسبة للموارد البشرية والتجهيزات في المؤسّسات الصحّية القاعدية. وقامَ فريقٌ من المتطوّعين من ائتلاف المجتمع المدني بزيارات ميدانية لمرافقة الكوادر الصحّية في بعض الولايات في عملها لدعم مؤسّسات الرعاية الصحّية الأوّلية في سياق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الجائحة.  

إضافةً إلى ذلك، شكَّلَ الائتلاف مرصدًا لمتابعة الإجراءات الصحّية التي تقوم بها الوزارة، خاصّةً فيما يتعلّق بالتوزيع العادل للّقاحات ورصد الفوارق في عملية التغطية بمختلف اللقاحات، ومحاولة تشخيص ومعالجة المُحدِّدات الاجتماعية والاقتصادية والديمغرافية لهذه الفوارق. يُعتبَر هذا النشاط العلمي ركيزةً أساسية لرفع مستوى أداء الفريق التقني في إدارة الجائحة. وتجدر الإشارة إلى أنَّ الإدارة العامّة للصحّة في وزارة الصحّة وغيرها من المؤسّسات البحثية والأكاديمية العاملة في القطاع الصحّي قد تجاوبت مع نشاط ائتلاف المجتمع المدني للدفاع عن المرافق العمومية وعن الحقّ في الصحّة كما مع المقترحات لتحسين مقاومة الجائحة على المستويَيْن الوطني والمحلّي.

 

الخلاصة والتوصيات

أظهرت الجائحة أهمية المُحدِّدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للصحّة على كافّة المستويات: الوطنية والإقليمية والعالمية. وأثبتت أيضًا ضرورة تغيير القِيَم المجتمعية للحدّ من التركيز على الربحية والتنمية الاقتصادية، وإعطاء المزيد من الاهتمام إلى رأس المال البشري، إضافةً إلى تعزيز الوظيفة الاجتماعية للدولة رغم تنامي النزعة النيوليبرالية.

في الأساس، تُعزى أوجه التقصير في إدارة الجائحة في تونس إلى تردّي وضع منظومة الحكم بسبب القانون الانتخابي الذي لا يسمح بإفراز أغلبية برلمانية للحكم، وبسبب النظام البرلماني وتشتُّت السلطة التنفيذية بين رئاسة الحكومة التي يصادق عليها البرلمان ورئيس الجمهورية المنتخب من الشعب. كما أنَّ عشرية حكم الإسلام السياسي منذ ثورة الحرّية والكرامة قد اتّصفت بفشل كبير على مستوى السياسات الاقتصادية والاجتماعية كما بتزايد الفساد في مختلف مفاصل الدولة، إلى جانب ارتفاع منسوب الفقر والهشاشة.

ولقد كانت حالة الجمود السياسي وتعفُّن الحياة البرلمانية واستشراء الفساد وراء الخطوات التي اتّخذها رئيس الجمهورية لتعليق أعمال البرلمان وإقالة رئيس الحكومة وإقرار إجراءات استثنائية. تفاعلَ الشعب بمختلف شرائحه مع هذه الإجراءات بانتظار ما سيصدر من قرارات لحلّ الأزمة السياسية من خلال تعديلات على مستوى نظام الحكم والقانون الانتخابي تُعرض في استفتاء على الشعب.  

أدّى استمرار السياسات النيوليبرالية إلى تراجع الإنفاق على القطاع الصحّي العمومي، ما ضاعف من الصعوبات التي يواجهها القطاع وأضاف تحدّيات مالية كثيرة للأُسَر التي تجد نفسها مرغمة لشراء الخدمات من القطاع الخاصّ بتغطية ضعيفة للمصاريف من طرف مؤسّسات التأمين الصحّي. وازدادَ الوضع صعوبةً لأنَّ الجائحة تزامنت مع أزمة سياسية حادّة وعدم استقرار سياسي على مستوى وزارة الصحّة. ولكن، رغم كلّ الصعوبات، أظهر النظام الصحّي قدرته على الصمود والمرونة في التعامل مع تداعيات الأزمة، وذلك بفضل ما يتمتّع به من عناصر قوّة (٣).

ختامًا، ساهمت الأزمة السياسية في تفاقم أزمة المنظومة الصحّية التي تستوجب إصلاحات هيكلية بمقاربة تشاركية تأخذ في الاعتبار آراء وطروحات مختلف الجهات الفاعلة، وتُحاول البناء على المكتسبات الهامّة للقطاع الصحّي في سبيل ترسيخ الحقّ الدستوري في الصحّة.       

يجب أن تكون حماية الصحّة والحياة في محور السياسات العامّة، وعلى الاقتصاد أن يتكيّف مع متطلّبات الإنسان في الصحّة والحياة والتنمية، وليس العكس.

من الضروري حماية الخدمات العمومية المتعلّقة بالإنسان، مثل التعليم والصحّة، من كلّ مشاريع التقشّف، والتأكيد على أهمية الاستثمار في الصحّة لخدمة التنمية الشاملة.

لقد تأكَّدَ للجميع، بما في ذلك البلدان الرأسمالية، أنَّ القطاع العام للصحّة هو الركيزة الأساسية لتحقيق الأمن الصحّي في كافّة مراحل الجائحة. بالتالي، لا بدّ من تحصين قطاع الصحّة العامّة في تونس من خلال استخلاص ديونه، وتوفير الاعتمادات اللازمة، وتعزيز الإدارة الجيّدة، والعمل بمبدأ الشفافية.

وفي هذا السياق، تدعو الحاجة أيضًا إلى تطوير العلاقات المجتمعية، والتضامن بين مختلف شرائح المجتمع، وتفعيل دور المجتمع المدني في إدارة الكوارث والجوائح الصحّية.

 

المراجع:

١. تصريح إذاعي لأستاذ الاقتصاد ووزير الاقتصاد والمالية السابق عبد الحكيم بن حمودة (فبراير ٢٠١٩) 

٢. إحصائيات المعهد الوطني للإحصاء حول المؤشّرات الديمغرافية والصحّية لسنة ٢٠٢١ - http://www.ins.tn/ar.

٣. Nimako, Kojo, 2021. Seizing the moment to rethink health systems. The Lancet Global Health. https://www.thelancet.com/journals/langlo/article/PIIS2214-109X(21)00356-9/fulltext

     

 

About the author(s):
Dr. Belgacem Sabri:

 د. بلقاسم صابري هو رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن الحقّ في الصحّة/ حركة صحّة الشعوب وعضو مؤسّس في الجمعية الطبية الفلسطينية التونسية. شغَل سابقًا منصب وزير دولة للهجرة والإدماج الاجتماعي (٢٠١٥-٢٠١٦) وكان المستشار الإقليمي للسياسة الصحية والتخطيط الاستراتيجي ومدير لتطوير النظم الصحية في المكتب الإقليمي لشرق المتوسط لمنظمة الصحة العالمية، في القاهرة (١٩٩١-٢٠١٠). ونال د. صابري شهادة الدكتوراه في الطب من كلية الطب في تونس وماجستير في الإدارة العامة من كلية كينيدي للإدارة الحكومية في جامعة هارفرد وماجستير في الإقتصاد من جامعة بوسطن