الاستثناء أو معنى الانتخابات في النظام السياسي اللبناني

Publishing Date: 
February, 2026
Dossier: 
Conflict Analysis Project
Author(s): Wissam el Lahham
Abstract: 

يُظهر هذا المقال أن تأجيل الانتخابات أصبح هو القاعدة في لبنان، وأن الانتخابات أصبحت مجرد إجراءات شكليّة تُستخدم لترسيخ شرعية الأحزاب السياسية الحاكمة، في ظل نظامٍ غير ديمقراطي في جوهره.

Keywords: Lebanon, Elections, Parliamentary Elections, Democracy

To cite this paper: Wissam el Lahham,"الاستثناء أو معنى الانتخابات في النظام السياسي اللبناني", Civil Society Knowledge Centre, Lebanon Support, 2026-02-01 00:00:00. doi:

[ONLINE]: https://civilsociety-centre.org/ar/paper/الاستثناء-أو-معنى-الانتخابات-في-النظام-السياسي-اللبناني
Embed this content: 
Copy and paste this code to your website.
Full text: 
Full text

مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية المُزمَع إجراؤها في أيّار/مايو ٢٠٢٦، بدأَ الحديث عن احتمال تأجيلها من أجل التوافق بين الكتل النيابية على تعديلاتٍ ينبغي إدخالُها على قانون الانتخابات، لا سيّما في الشقّ المتعلّق بما باتَ يُعرَف بـ "اقتراع المغتربين/ات".

ولكنَّ السؤال الذي يطرح نفسه في الحقيقة لم يعُد يقتصر على أسباب هذا التأجيل ومدى جديّتها، إنَّما يرتبط بمعنى هذا النقاش وانعكاساته على كيفيّة عمل النظام السياسي القائم في لبنان. فمسألة تأجيل الانتخابات ليست جديدةً، بل تُطرَحُ دائمًا ليس قبل كلّ انتخابات نيابية حصرًا، لكنْ أيضًا قُبيل الانتخابات البلدية. انطلاقًا من ذلك، لا بدَّ من تحليل الانتخابات ليس بوصفها حدثًا بحدِّ ذاته، بل باعتبارها وسيلة سيطرة يعتمدها النظام السياسي من أجل تعزيز هيمنته على مؤسّسات الدولة أوّلًا وعلى المجتمع ثانيًا.

الانتخابات كحدث استثنائي

باتت الانتخابات اليوم الوسيلة المألوفة في الدول الديمقراطية التي تسمح بتداول السلطة بشكل سلمي، إذ تهدف إلى تنظيم التنافس السياسي ضمن أُطُر قانونية تؤدّي إلى حماية حرّية المواطنين/ات وتضمن لهم/نَّ حقّهم/نَّ بالتعبير عن رأيهم/نَّ والاختيار في ظروف خالية من العنف بمختلف أشكاله.

ولكنَّ هذه النظرة البديهية لا تتمظهر في لبنان إلّا على صعيد الخطاب المثالي الذي يتغنّى بمجرّد حصول الانتخابات، وكأنَّه إنجازٌ يتوجّب الاحتفاء به على الرغم من أنَّه من الواجبات العادية للدولة. ولا شكَّ في أنَّ هذا الواقع يُعزى إلى الظروف المُحيطة بالانتخابات، إذ باتت هذه الأخيرة تُجرى في جوٍّ من التهويل الذي يُمارِسه مختلف أركان النظام السياسي. فبدل أن تكون الانتخابات هي الوسيلة الديمقراطية العادية التي يُمارِس عبرها الشعب سيادته عملًا بأحكام الفقرة "د" من مقدّمة الدستور، باتت في الحقيقة حدثًا استثنائيًا يُصوَّر على أنَّه استحقاقٌ خطير على الجميع مواجهته بترقُّبٍ وقلق.

وهكذا، تحوّلت وظيفة الانتخابات في لبنان من حدثٍ مهمّ طبعًا في حياة الدول، لكنَّه عاديّ كونه متوقّعًا ويخضع للنظام الدستوري القائم، إلى تهديدٍ جدّي للسلم الأهلي يتوجّب تداركه عبر الانتهاء منه بأقلّ قدر ممكن من الأضرار. فالمنسوب المرتفع من الحذر الذي يُرافِق دائمًا العملية الانتخابية، وخوف اللبنانيين/ات الدفين من انزلاق الوضع إلى عنفٍ مُسلَّح بين زعماء الأحزاب التي تدّعي احتكار تمثيل الطوائف، يُؤشِّران إلى حقيقة الانتخابات بوصفها حدثًا استثنائيًا قد يُهدِّد التوازن السياسي القائم بين الأحزاب التقليدية الحاكمة. وبالتالي، يصبح الحلّ الوحيد لتجنُّب الخطر المُحدِق هو إعادة انتخاب أركان نظام الزعماء وتجديد شرعيتهم في السلطة.

فذاكرة اللبنانيين/ات على اختلاف مشاربهم/نَّ لا تزال تُعاني من سنوات الحرب الأهلية الطويلة (١٩٧٥-١٩٩٠) ومن جولات العنف المُسلَّح والاقتتال الداخلي التي عَرَفَها لبنان بعد عام ٢٠٠٥. فثمّة مصطلحات كالوحدة الوطنية والشراكة والمصالحة والوفاق، وهي مصطلحات تُهيمِن على الفضاء العام والخطاب الرسمي، لا يمكن فهم معناها الحقيقي إلّا كتعابير رمزية تُشير إلى عكسها، أي أنَّها تهدف إلى تذكير اللبنانيين/ات بإمكانية وقوع الحرب لكي يظلّوا في حالةٍ من القلق الدائم، وتهديدهم/نَّ المُبطَّن بأنَّ أيَّ خرقٍ للتوازن بين تلك الأحزاب من شأنه إطلاق جولة جديدة من الاحتراب الداخلي.

فبدل أن يهدف التنافس الانتخابي إلى تعزيز حرّيات المواطنين/ات والدفاع عن حقوقهم/نَّ الاقتصادية والاجتماعية، لا سيّما في ظلّ الانهيار الشامل الذي يعيشه لبنان، يُركِّز خطاب أحزاب السلطة بشكل كبير على مواضيع صدامية تتعلّق بالهوية والخوف على المصير وضرورة مواجهة المؤامرة الخارجية.

ومن أبرز تجلّيات هذا الواقع النقاشُ المُفتعَل دائمًا قبل الانتخابات حول ضرورة تعديل قانون الانتخابات. وعلى الرغم من أنَّ الاستقرار التشريعي هو أحد المبادئ التي يتوجّب احترامها من أجل ضمان عدالة الانتخابات - إذ لا يُعقَل أن تجري هذه الأخيرة بناءً على قانون يتمّ تعديله قبل فترة بسيطة من تاريخ توجُّه المواطنين/ات إلى صناديق الاقتراع - تتعمّد الكتل النيابية الكبرى المُسيطِرة على مجلس النوّاب تقديم اقتراحات قوانين تُدخِل تعديلات جذرية في النظام الانتخابي. وعادةً ما يترافق ذلك مع حديثٍ حول ضرورة "إصلاح" النظام السياسي.

وهكذا، يُصرَف النقاش عن المواضيع التي من الطبيعي أن تطغى على أيّ انتخابات ديمقراطية. فبدل التنافس حول برامج انتخابية تتناول حقوق المواطنين/ات الاقتصادية والاجتماعية وكيفية تعزيز حرّياتهم/نّ العامّة، ينزلق النقاش نحو جدالات عقيمة كالهوية وصلاحيات الطوائف والعلاقات الدولية. فتهدف هذه المواضيع، من جهة أولى، إلى شحن اللبنانيين/ات بعضهم/نَّ ضدّ بعض وتعزيز انقساهم/نَّ. وهي، من جهة ثانية، سهلة الطرح، إذ أنَّها لا تُرتِّب على أحزاب الزعماء أيَّ مسؤوليةٍ فعلية كونها لا تتطلّب منهم/نَّ اتّخاذ خيارات اقتصادية واجتماعية.

ولا شكَّ في أنَّ المثال اللبناني يُعيد طرح إشكالية العلاقة بين السياسة والقانون ومدى قدرة مؤسّسات الدولة على احتواء المجال السياسي ضمن الأُطُر القانونية. ومن أبرز الذين تناولوا هذا الموضوع المفكّر الألماني المُثير للجدل "كارل شميت" الذي اعتبرَ أنَّ ادّعاء النظام القانوني قدرته على ترويض السياسة بشكل دائم هو وَهْمٌ كون السلطة السيّدة في الدولة هي تلك التي تستطيع تعليق العمل بالقانون عندما تجد أنَّ الظروف تقتضي ذلك. فالسيّد (le souverain)، كما يُعرِّفه "شميت"، هو مَنْ يستطيع إرساء النظام من خارج القانون عبر قرار ينبثق من عدم ويُشكِّلُ بدايةً مُطلَقة.[1]

فالدولة الحديثة التي تعملُ مؤسّساتُها بشكلٍ ديمقراطي تنجح إلى حدّ بعيد في الحفاظ على مبدأ السيادة الشعبية كون السلطة السياسية تكمُن فعليًا ضمن المؤسّسات الدستورية. وبما أنَّ الدستور هو تعبيرٌ عن سيادة الشعب، تكونُ السلطات الدستورية المكانَ الحقيقي الذي تتجسّد فيه السلطة السياسية. لكنَّ الدولة التي تُعلِن سيادة الشعب (كما جاءَ في الفقرة "د" من مقدّمة الدستور اللبناني) بينما السلطة الفعلية توجد خارج المؤسّسات الدستورية لا تستطيع أن تدّعي أنَّ القانون بمقدوره ترويض "السياسي" الذي ينجح أحيانًا في الاختباء وراء النظام القانوني طالما أنَّ مصالحه لن تتعرّض للخطر.

من هنا يمكن فهم التعريف الشهير لشميت الذي أعلنَ أنَّ السيّد هو مَنْ يُقرِّر في الظرف الاستثنائي،[2] أي أنَّ التطوُّرات التي من شأنها تهديد مَنْ يملك السلطة السياسية فعليًا تدفعه كي يُظهِر وجهَه الحقيقي كسلطة سيّدة تتدخّل من خارج الانتظام القانوني للدولة من أجل الحفاظ على نظامها السياسي. إنَّ القدرة على تعليق "الدستور القانوني" من أجل الحفاظ على "الدستور السياسي" هو كُنهُ السيادة، أي أنَّ التحكُّم بالاستثناء يُشكِّل جوهر السلطة السياسية، وهو استثناءٌ سنقوم بدراسته من خلال تجربة الانتخابات في لبنان.

إنَّ الطبيعة الاستثنائية لحدثٍ سياسي كالانتخابات لا تنعكس حصرًا في خطاب أحزاب السلطة، لكنَّها تتجلّى أيضًا في القانون عبر تكريس هذا الاستثناء في نصوص وممارسات سنقوم باستعراضها في القسم الثاني من هذا المقال.

قوننة الاستثناء والتوافق    

اعتبرَ المجلس الدستوري أنَّ "مبدأ الانتخاب هو التعبير الأمثل عن الديمقراطية، وبه تتحقّق ممارسة الشعب لسيادته من خلال ممثّليه، باعتباره مصدر السلطات جميعًا، ومنه تستمدّ مؤسّسات الدولة شرعيتها الدستورية".[3] وقد كَرَّسَ المجلس الدستوري في أكثر من قرارٍ له مجموعةً من المبادئ التي يمكن استنتاجها من سيادة الشعب، لا سيّما "دورية الانتخابات". ففي قراره رقم ٦ الصادر بتاريخ ٣٠ أيّار/مايو ٢٠٢٣ والقرارات ٥ و٦ و٧ الصادرة بتاريخ ٢٨ أيّار/مايو ٢٠٢٤، أعلنَ المجلس الدستوري صراحةً أنَّ "حقّ الاقتراع، المُكرَّس في المادّة ٢١ من الدستور، يتولّد عنه مبدأ آخر وهو الدورية في ممارسة الناخبين لحقّهم في الاقتراع، ما يوجب دعوة الناخبين لممارسته بصورة دورية وضمن مدّة معقولة". وقد كرَّست هذا المبدأ أيضًا الفقرة "ب" من المادّة ٢٥ من العهد الدولي الخاصّ بالحقوق المدنية والسياسية.

لكنَّ هذا الأمر لم يمنع السلطة السياسية من تأجيل الانتخابات النيابية مرّات متعدّدة من دون وجود أيّ عذر حقيقي. وقد حدثَ ذلك أوّل مرّة بعد عام ١٩٩٠ سنة ٢٠١٣ بهدف تمديد ولاية مجلس النوّاب المُنتخَب سنة ٢٠٠٩، إذ أَقَرَّ مجلس النوّاب بتاريخ ٣١ أيّار/مايو ٢٠١٣ القانون التالي: "تنتهي مدّة ولاية مجلس النوّاب الحالي بصورة استثنائية بتاريخ ٢٠ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١٤". وقد برّرت الأسباب الموجبة هذا الأمر انطلاقًا من "الأوضاع الأمنية التي يمرّ بها الوطن والتي تُؤثِّر بشكل واضح ومباشر على الحياة الطبيعية في مناطق واسعة وفي معظم المحافظات اللبنانية (...)، ونظرًا لانعكاس هذه الحالة وتلازمها مع تصعيد سياسي وانقسام يأخذ في كثير من الأحيان أبعادًا مذهبية وطائفية حادّة تُنذِر تداعياتها بالفتنة التي أصبحت معالمها تنتقل من مكان لآخر وبأشكال متعدّدة (...)، وتزامنًا مع عدم الاستقرار الأمني هذا، تأتي مشكلة غياب الاستقرار السياسي مع وجود حكومة مُستقيلة (...)، وبما أنَّ معظم هذه الأمور السياسية والأمنية تتّسم بصفات الظروف الاستثنائية والقوّة القاهرة بأشدّ مفاهيمها".
 

وستعمد السلطة السياسية إلى التذرُّع مجدّدًا بالظروف الاستثنائية لتمديد ولاية مجلس النوّاب المُمَدَّدَة أصلًا بموجب القانون النافذ حُكمًا رقم ١٦ بتاريخ ١١ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١٤ الذي نصَّ على التالي: "تنتهي ولاية مجلس النوّاب الحالي بتاريخ ٢٠ حزيران/يونيو ٢٠١٧". وقد استعرضَ القانون في أسبابه الموجبة سلسلةً طويلة من "الأحداث الأمنية والفتن والاضطرابات" التي تمنع إجراء الانتخابات "انطلاقًا من وعي المجلس النيابي الكريم لهذه الظروف الاستثنائية التي تعصف بالوطن وخطورتها، والأخطار القائمة والداهمة المستمرّة النائمة اليوم والمُستيقِظة غدًا"، لا سيّما أنَّ هذا الوضع يتلازم "مع تصعيد سياسى وانقسام يأخذ في كثيرٍ من الأحيان أبعادًا مذهبية وطائفية حادّة تُنذِر تداعياتها بالفتنة التي أصبحت معالمها تنتقل من مكان لآخر وبأشكال متعدّدة".

وهكذا، يصبح جليًّا أنَّ إجراء الانتخابات مرتبط بحصول توافُق بين مختلف أركان النظام السياسي، وكأنَّ الانتخابات هي منحة من السلطة لتجديد شرعيتها وليست واجبًا تفرضه النصوص الدستورية في مهل محدّدة كي يتمكّن الشعب من ممارسة سيادته. فانتخابات سنة ٢٠٠٩ مثلًا جرت بعد اتّفاق الدوحة في أيّار/مايو ٢٠٠٨ وتوافق الزعماء على تسويات شملت مواقع السلطة كلّها، من رئاسة الجمهورية إلى تشكيل الحكومة إلى تبنّي قانون انتخابي جديد. وهذا ما تكرَّرَ مجدّدًا في انتخابات عام ٢٠١٨ التي جرت بعد التسوية الرئاسية التي ضمنت وصول ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية وتبنّي قانون انتخابات جديد سنة ٢٠١٧ كَرَّسَ في بنوده مصالح أحزاب السلطة. كذلك، فإنَّ المادّة ٤١ من هذا القانون مدّدت ولاية مجلس النوّاب المحدّدة سابقًا مرّة ثالثة على الشكل التالي: تنتهي ولاية مجلس النوّاب الحالي استثنائيًا بتاريخ ٢١ أيّار/مايو ٢٠١٨، وذلك من أجل تمكين الحكومة من اتّخاذ الإجراءات اللازمة لتطبيق الأحكام والإجراءات الجديدة للانتخابات النيابية المنصوص عليها في هذا القانون. فالتمديد الأوّل والثاني حصلا بسبب الخلافات الناشئة بين أركان السلطة، بينما التمديد الثالث حصلَ بسبب توافقهم، إذ أنَّ الانتخابات لا تجري إلّا إذا كانت ستخدم جميع قوى السلطة ولن تؤدّي إلى نتائج غير متوقّعة.

وقد رفضَ المجلس الدستوري في قراره رقم ٧ الصادر بتاريخ ٢٨ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١٤ ذريعة ضرورة التوافُق على الانتخابات كشرط لحصولها، فأعلنَ التالي:

"بما أنَّه ظهرَ في محضر الجلسة التي أُقِرَّ فيها التمديد، كما ظهرَ في تصريحات النوّاب، أنَّ مِن مُبرِّرات التمديد التوافُق على قانون انتخاب جديد، وبما أنَّ الانتخابات النيابية استحقاق دستوري يجب إجراؤه في موعده، وبما أنَّه لا يجوز ربط إجراء الانتخابات النيابية بالتوافُق على قانون انتخاب جديد".

إنَّ ربط إجراء الانتخابات بالتوافُق الاعتباطي[4] عليها بشكلٍ يُخالِف الدستور صراحةً لا يتمّ حصرًا عبر التمديد لمجلس النوّاب، إنَّما أيضًا عبر تفخيخ قانون الانتخابات بأحكام مُبهَمة هي عبارة عن تسويات سياسية بين أحزاب السلطة بحيث يصبح القانون غير قابل للتطبيق فعليًا.

ومن الأمثلة البارزة على ذلك الجدلُ الدائر حول اقتراع المغتربين/ات والضياع الناجم عن عدم معرفة كيفية تطبيق ذلك. فالمادّة ١١٢ من قانون الانتخابات الصادر سنة ٢٠١٧ تنصّ على أنَّ "المقاعد المُخصَّصة في مجلس النوّاب لغير المُقيمين هي ستّة، تُحدَّد بالتساوي ما بين المسيحيين والمسلمين، مُوزَّعين كالتالي: ماروني - أرثوذكسي - كاثوليكي - سنّي - شيعي - درزي، وبالتساوي بين القارّات الستّ". ولا تشرح تلك المادّة كيفية توزيع تلك المقاعد فعليًا على كلّ قارّة من الناحية الطائفية، ما يجعلها مُبهَمة وغير قابلة للتطبيق.

من جهة أخرى، أرست المادّة ١٢٢ من قانون الانتخابات المعمول بها اليوم نظامًا معقّدًا بخصوص انتخاب المغتربين/ات، إذ نصّت على وجوب إضافة ستّة نوّاب على الـنوّاب الـ١٢٨ الموجودين أصلًا ليصبح العدد الكامل ١٣٤ نائبًا، لكنْ على ألّا يتمّ تطبيق ذلك إلّا في الدورة التي تلي الدورة الأولى التي يتمّ الانتخاب فيها على أساس القانون الجديد (أي الانتخابات التي جرت سنة ٢٠١٨)، وبالتالي تكون زيادة النوّاب في دورة ٢٠٢٢. ومن ثمّ، وفقًا للمادّة المذكورة، يجدر وفق القانون تخفيض "ستّة مقاعد من عدد أعضاء مجلس النوّاب الـ١٢٨ من الطوائف نفسها التي خصّصت لغير المُقيمين في المادّة ١١٢ من هذا القانون، وذلك بمرسوم يُتَّخَذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح الوزير"، أي عودة عدد النوّاب إلى ١٢٨ نائبًا.

لا يمكن فهم هذه الأحكام المعقّدة والوعود المستقبلية المتعلّقة بحقوق المغتربين/ات التي يتمّ تكريسها في نصوص قانونية – والتي أصلًا ما كانَ من المُفترَض أن تُصاغ وفقًا لهذا الأسلوب المُستغرَب – ولا يمكن تفسير وجودها إذًا إلّا كنتيجة للتسوية السياسية بين أحزاب السلطة بعد انتخاب ميشال عون رئيسًا للجمهورية سنة ٢٠١٦. وقد أدّى ذلك اليوم إلى تهديد حقوق المغتربين/ات ورهن إمكانياتهم/نَّ بالاقتراع بحصول توافُق جديد بين الكتل البرلمانية من أجل تبنّي نصوص قانونية واضحة.

ومن تجلّيات هذا الواقع اعتراف حكومة الرئيس نوّاف سلام باستحالة تطبيق أحكام قانون الانتخابات إذ أشارت في الأسباب الموجبة لمشروع القانون الذي أعدّته حول اقتراع المغتربين/ات والذي أحالته إلى مجلس النوّاب بتاريخ ١٧ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٥ إلى "أنَّ المواد المتعلّقة بالمقاعد المخصّصة للمغتربين تُثيرُ التباسًا، ما يوجب تدخّل المُشترِع لإزالة الغموض مُعتبِرةً أنَّ الإشكاليات المطروحة تتعلّق بتضاربٍ وغموضٍ يمسّ جوهر القانون وتتجاوز نطاق المراسيم التطبيقية، ما يجعل معالجتها من اختصاص السلطة التشريعية بدون سواها". لكنَّ هذا المشروع لا يزالُ عالقًا في أدراج مجلس النوّاب كون رئيس المجلس نبيه برّي يرفض عرضه على الهيئة العامّة، ما يعني عمليًا عدم معرفة مصير الانتخابات بالنسبة للمغتربين/ات.

ولا يقتصر الاستثناء على تأجيل الانتخابات أو التوافُق على حصولها، بل يبرز أيضًا في تعليق بعض أحكام قانون الانتخابات لمرّة واحدة بشكل متكرّر. وهذا ما حصلَ مثلًا بخصوص المادّة ٨٤ من قانون الانتخابات النافذ حاليًا والتي تنصّ على التالي: "على الحكومة بمرسوم يُتَّخَذ في مجلس الوزراء بأكثرية الثلثَيْن بناءً على اقتراح الوزير، اتّخاذ الإجراءات الآيلة إلى اعتماد البطاقة الإلكترونية المُمَغْنَطَة في العملية الانتخابية المُقبِلة، وأن تقترح على مجلس النوّاب التعديلات اللازمة على هذا القانون التي يقتضيها اعتماد البطاقة الإلكترونية المُمَغْنَطَة". وهذه البطاقة هي التي تسمح نظريًا بإنشاء مراكز الاقتراع الكبرى (megacenter) أو الشاملة.   

وهكذا يتبيّن مجدّدًا أنَّ قانون الانتخابات يتضمّن أحكامًا مُبهَمة هي أشبه بوعود لا يجوز تكريسها في نصوص قانونية، علمًا أنَّ وجود هكذا نصوص يعكس التسوية التي جرت بين أحزاب السلطة سنة ٢٠١٧ عندما تمَّ إقرار القانون. وبسبب الطبيعة المُلتبِسة لهذه المادّة وعدم القدرة على تطبيقها، جرى تعليق العمل بها في الانتخابات التي أُجرِيَت سنة ٢٠١٨ لمرّة واحدة، ومن ثمّ تمَّ تعليقُها مجدّدًا لمرّة واحدة في انتخابات عام ٢٠٢٢. ومجدّدًا، طلبت حكومة الرئيس نوّاف سلام في مشروع القانون المذكور سابقًا إلغاء المادّة ٨٤ كلّيًا لاستحالة تطبيقها كون ذلك "يتطلّب مُستلزَمات إدارية وفنّية كبيرة، وأنَّ وضع هذه البطاقة موضع التنفيذ يتطلّب من الناحية العملية واللوجستية ربط مراكز الاقتراع بعضها ببعض من خلال شبكات اتّصالات إلكترونية، وبالتالي تأمين بنية تحتية متطوّرة تحتوي على قاعدة بيانات اللبنانيين الانتخابية وخدمة الإنترنت والاتّصالات على أعلى المستويات"، وهو أمر غير مُتاح في الظروف الراهنة.

إنَّ هذا التعليق الاستثنائي لمرّة واحدة، وما ينتج عنه من فوضى تشريعية، لم يقتصر على البطاقة المُمَغْنَطَة، لكنَّه طالَ أيضًا المادّة ١٢٢ حول اقتراع المغتربين/ات التي لم يتمّ تطبيقها في الانتخابات النيابية سنة ٢٠٢٢ عملًا بالمادّة الثانية من القانون النافذ حُكمًا رقم ٨ الصادر في ٣ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢١ والتي نصّت على التالي: "يُعلَّق العمل، استثنائيًا ولمرّة واحدة، بالمواد ٨٤ و١١٢ والفقرة الأولى من المادّة ١١٨ و١٢١ و١٢٢ من قانون انتخاب أعضاء مجلس النوّاب رقم ٤٤ بتاريخ ١٧/٦/٢٠١٧، وذلك لدورة الانتخابات النيابية المُقرَّر إجراؤها في ربيع العام ٢٠٢٢ حصرًا، على أن تعود المواد المذكورة أعلاه إلى السريان في الدورات التي تلي".

فبدل أن يعمد البرلمان إلى تبنّي قانون انتخابات بأحكام واضحة ودائمة أو إصلاح الأحكام المُبهَمة بشكل نهائي، يعمد إلى تعليق العمل بها مرّة واحدة، ما يضرب الاستقرار التشريعي ويرهن حقوق المواطنين/ات بالتوافُقات السياسية بين الكتل النيابية المُهيمِنة على مجلس النوّاب.

في الخلاصة، يصبح جليًّا أنَّ قانون الانتخابات والجدل التقني حول كيفية تعديله ليسَ هو المهمّ ولا يجب المبالغة في تقدير دوره وتأثيره على الحياة السياسية اللبنانية.[5] فالانتخابات في لبنان باتت تندرج في خانة الديمقراطية الإجرائية القائمة على تنظيم انتخابات من أجل مبايعة أحزاب السلطة وتكريس شرعيتها القانونية في ظلِّ نظامٍ لا يعمل فعلًا وفقًا للمبادئ الديمقراطية الحقيقة.

لذلك، يمكن القول إنَّ الانتخابات في لبنان هي حدثٌ استثنائي وليسَ تأجيلها. يعكس هذا الأمر طبيعة النظام السياسي السائد الذي لا يَعتبِر أنَّ من واجباته احترام سيادة الشعب عبر تداول السلطة ومن خلال آليات محاسبة المواطنين/ات له بشكل دوري - لأنَّه وبكلّ بساطة يتموضع فوق كلّ محاسبة. ونتيجةً لذلك، لم يعُد مطلوبًا من الانتخابات سوى تكريس سيطرة هذا النظام على مؤسّسات الدولة، وإلّا لا حاجة لها.

 

قائمة المراجع

Ghamroun, Samer. « À quoi sert donc la loi électorale ? » Travaux et Jours, no. 93 (2018): 77–88.

Schmitt, Carl. Les trois types de pensée juridique. Paris: PUF, 1995.

Schmitt, Carl. Théologie politique. Paris: Gallimard, 2008.

الأمم المتّحدة. العهد الدولي الخاصّ بالحقوق المدنية والسياسية.

الجمهورية اللبنانية. القانون النافذ حُكمًا رقم ٨. ٣/١١/٢٠٢١.

الجمهورية اللبنانية. المجلس الدستوري. القرار رقم ١ - تاريخ ١٢/٩/١٩٩٧.

الجمهورية اللبنانية. المجلس الدستوري. القرار رقم ٧ - تاريخ ٢٨/١١/٢٠١٤.

الجمهورية اللبنانية. المجلس الدستوري. القرار رقم ٦ - تاريخ ٣٠/٥/٢٠٢٣.

الجمهورية اللبنانية. المجلس الدستوري. القرارات رقم ٥ و٦ و٧ - تاريخ ٢٨/٥/٢٠٢٤.

الجمهورية اللبنانية. مجلس النوّاب. انتخاب أعضاء مجلس النوّاب. قانون رقم ٤٤. ١٧/٦/٢٠١٧.

الجمهورية اللبنانية. مجلس النوّاب. تمديد ولاية مجلس النوّاب (قانون نافذ حُكمًا). رقم ١٦. ١١/١١/٢٠١٤.

الجمهورية اللبنانية. مجلس النوّاب. الدستور اللبناني الصادر في ٢٣ أيّار/مايو سنة ١٩٢٦ مع جميع تعديلاته.

الجمهورية اللبنانية. مجلس النوّاب. قانون يرمي الى تمديد ولاية مجلس النوّاب. ٢٠١٣.

الجمهورية اللبنانية. المرسوم رقم ١٨٣٢ الصادر بتاريخ ١٧ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٥.

 

[1] Carl Schmitt, Les trois types de pensée juridique (Paris: PUF, 1995), 83.

[2] Carl Schmitt, Théologie politique (Paris: Gallimard, 2008), 15.

[3]  قرار رقم ١ - تاريخ ١٢/٩/١٩٩٧.

[4] يُعتَبَر اعتباطيًا لأنَّه يتعلّق بمصالح الأحزاب المُسيطِرة على مجلس النوّاب وليس بقاعدة دورية الانتخابات التي تفرض إجراء الانتخابات بغضّ النظر عن رغبة تلك الأحزاب.

[5] Samer Ghamroun, « À quoi sert donc la loi électorale ? », Travaux et Jours, no. 93 (2018): 77–88.

About the author(s):
Wissam el Lahham:

Wissam El-Lahham is a political scientist with a focus on constitutional law and political order, author of a number of research studies addressing the role of religion and constitutionalism, civic values, political reform and monetary history of Lebanon. He holds a PhD in political science and writes frequently on issues related to Lebanese constitutional practices. Lahham is a "maître de conferences" at the Saint Joseph University of Beirut, Political Science Institute. He is also a Senior Researcher for the “Legal Agenda” specialized in constitutional and parliamentary affairs.

وسام اللحّام هو باحث في العلوم السياسة يتركّز عمله على القانون الدستوري والنظام السياسي، وهو مؤلّف لعدد من الدراسات البحثية التي تتناول دور الدين والدستورية، والقيم المدنية، والإصلاح السياسي، والتاريخ النقدي في لبنان. يحمل درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، ويكتب بانتظام حول القضايا المرتبطة بالممارسات الدستورية في لبنان. يشغل منصب أستاذ محاضر في معهد العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف في بيروت، وهو أيضًا باحث أول في «المفكرة القانونية» متخصّص في الشؤون الدستورية والبرلمانية.