مسح تاريخي للعمل المنظّم في لبنان: تتبّع المسارات الحديثة والجهات الفاعلة والديناميات

Dossier: 
Socio-Economic Rights Base, Conflict Analysis Project
Author(s): Rossana Tufaro
Abstract: 

تعرض هذ الدراسة معلومات سياقية وواضحة عن تاريخ العمل المنظّم في لبنان منذ حقبة الانتداب حتّى يومنا هذا. تنقسم الدراسة إلى ستّ أجزاء أساسية، يتناول كلٌّ منها مرحلة مختلفة من التطوّر التاريخي للعمل اللبناني المنظّم. وفي كلّ جزء، تحدّد الدراسة الجهات الفاعلة الأساسية والمطالب والأحداث والاحتياجات العاجلة والقيود التي ترسم معالم ومسارات تحرّكات العمّال أو عدم تحرّكهم، وتحديدًا لناحية قدرتهم على التصرّف والتنظيم، وذلك من أجل تقديم لمحة عامّة تراكمية ومتسلسلة عن التغيّرات والاستمرارية والخصائص التي تُميّز كلّ مرحلة. تستند هذه الدراسة في معظمها إلى مجموعة الدراسات المجزّأة وغير المنظّمة التي تُشكّل حاليًا القسم الأكبر من المعرفة العلمية حول قطاع العمل في لبنان، في محاولةٍ لإعداد ملخّص وفهرس شامل عن هذا القطاع. ومن هذا المنطلق، تسعى الدراسة إلى تقديم دليل وخلاصة وافية للباحثين والمحلّلين والممارسين المهتمّين بالحركة العمّالية في لبنان، لعلّنا بذلك نُساهِم في (إعادة) إثارة الاهتمام حول هذا الموضوع الذي ما زالَ حتّى الآن يفتقر إلى الأبحاث الكافية.

Keywords: Lebanon, Labor Rights & Livelihoods, labour movement, socio-economic demands, Policy Intervention, Activism

To cite this paper: Rossana Tufaro,"مسح تاريخي للعمل المنظّم في لبنان: تتبّع المسارات الحديثة والجهات الفاعلة والديناميات ", Civil Society Knowledge Centre, Lebanon Support, 2021-11-01 00:00:00. doi: 10.28943/CSKC.001.90002

[ONLINE]: https://civilsociety-centre.org/paper/مسح-تاريخي-للعمل-المنظّم-في-لبنان-تتبّع-المسارات-الحديثة-والجهات-الفاعلة-والديناميات
Cited by: 0
Embed this content: 
Copy and paste this code to your website.
Full text: 
Full text
شابات ترتدين الزي الرسمي للمصنع وتحملن لافتة كتب عليها "هويتنا هي الموت من أجل لقمة العيش". التاريخ غير محدد. المصدر: جريدة الأنوار

المقدّمة

عندما اندلعت شرارة الانتفاضة اللبنانية عام ٢٠١٩، لاحظَ مراقبون عدّة الغياب الكبير لنقابات العمّال عن الساحات، وخصوصًا الاتّحاد العمّالي العام في لبنان (ديراني وآخرون 2019؛ صليبي 2019؛ بو خاطر 2020؛ شاهين 2020؛ ماجد 2020؛ موكوران عطالله 2020؛ شرّوف 2021). واقترنَ هذا الواقع – المرير بالفعل – بتفسيراتٍ موجزة أشارت بطريقة أو بأخرى أنَّ النشاط العمّالي في لبنان شكَّلَ محرّكًا حقيقيًا للنزاع والتغيير، حتّى السنوات الأخيرة. ولقد تجلّى ذلك بالتذكير بعملية الاستقطاب التي شهدها الاتّحاد العمّالي العام في لبنان خلال التسعينيات، أو حالة الضعف التي يعاني منها حاليًا، أو الدور البارز للعمل المنظّم في محطّات معيّنة من التاريخ اللبناني.

في الواقع، منذ اندماج منطقة المشرق في الأسواق الرأسمالية العالمية بطريقةٍ تبعية، لطالما حضرت الأشكال المنظّمة للنشاط العمّالي بشكل ثابت وتحوُّلي في السيناريو اللبناني الشائك، إذ حرّضت العمّال التابعين على أرباب العمل أو السلطات المركزية، وفقًا لمصالح مادّية وسياسية متباينة. وفي إطار هذه المواجهة الجدلية الدائمة، تمكَّنَ العمل المنظّم من أن يتجاوز بشكلٍ دوريّ حدود المطالب الجزئية الضيّقة، لينتقل إلى واجهة الساحة السياسية، ويحدّد من الأسفل شروط (وإنجازات) نضالات الطبقة العاملة من أجل الحقوق الاجتماعية-الاقتصادية والسياسية. كما شكَّلَ العمل المنظّم في لبنان أرضًا خصبة للتنميط الطائفي والاستقطاب التنازلي من القمّة إلى القاعدة، حيث مثّلت دينامييات التدخّل والمقاومة عنصرًا بارزًا في الجدلية السياسية اللبنانية الأفقية والعمودية - ولو أنَّ هذا الجانب لم يحظَ بالقدر الكافي من الدراسة. ومع ذلك، على الرغم من هذه الخلفية التاريخية الطويلة والغنيّة، تبقى السردياتُ الشاملة والتاريخية غائبةً والتي تُحدِّد تعدُّد الجهات الفاعلة، والمطالب، فضلًا عن المحفّزات الهيكلية والمفصلية للتطوُّر التاريخي للعمل المنظّم في لبنان.

تهدف هذه الدراسة إلى ملء هذه الثغرة بالتحديد، من خلال عرض معلومات سياقية وواضحة عن تاريخ العمل المنظّم في لبنان منذ حقبة الانتداب حتّى يومنا هذا. تنقسم الدراسة إلى ستّ أجزاء أساسية، يتناول كلٌّ منها مرحلة مختلفة من التطوّر التاريخي للعمل اللبناني المنظّم. وفي كلّ جزء، تحدّد الدراسة الجهات الفاعلة الأساسية والمطالب والأحداث والاحتياجات العاجلة والقيود التي ترسم معالم ومسارات تحرّكات العمّال أو عدم تحرّكهم، وتحديدًا لناحية قدرتهم على التصرّف والتنظيم، وذلك من أجل تقديم لمحة عامّة تراكمية ومتسلسلة عن التغيّرات والاستمرارية والخصائص التي تُميّز كلّ مرحلة. تستند هذه الدراسة في معظمها إلى مجموعة الدراسات المجزّأة وغير المنظّمة التي تُشكّل حاليًا القسم الأكبر من المعرفة العلمية حول قطاع العمل في لبنان، في محاولةٍ لإعداد ملخّص وفهرس شامل عن هذا القطاع. ومن هذا المنطلق، تسعى الدراسة إلى تقديم دليل وخلاصة وافية للباحثين والمحلّلين والممارسين المهتمّين بالحركة العمّالية في لبنان، لعلّنا بذلك نُساهِم في (إعادة) إثارة الاهتمام حول هذا الموضوع الذي ما زالَ حتّى الآن يفتقر إلى الأبحاث الكافية.

١- من النقابات إلى الاتّحادات: ولادة حركة النقابات العمّالية في لبنان، ونضالاتها وتأكيد وجودها (١٩٢۰-١٩٤٣)

١.١- بين الحزب والنقابة: البذور الأولى للنقابات الطبقية اللبنانية ودور الحزب الشيوعي الناشئ (١٩٢٤-١٩٢٥)

على الرغم من أنَّ بعض أشكال النشاط العمّالي المنظّم التي تحرّض العمّال الذين يتقاضون الأجور ضدّ أرباب العمل، وفقًا للمواقع المتضاربة في تقسيم العمل، كانت قد ظهرَت في منطقة المشرق منذ أواخر القرن التاسع عشر، إلَّا أنَّ النقابات العمّالية الجماعية الحديثة برزت فعليًا وأثبتت وجودَها في منتصف عشرينيات القرن التاسع عشر. حدثَ ذلك في ظلّ التغييرات العميقة للهياكل السياسية والاقتصادية المهيمنة الناجمة عن فرض الانتدابات الأوروبية. وممّا لا شكَّ فيه أنَّ الشبكة الناشئة للأحزاب الشيوعية والناشطين الشيوعيين قد لعبت دورًا رياديًا في هذه العملية التأسيسية، وخصوصًا بعد الثورة البولشيفية عام ١٩١٧، إذ بدأت تبذل جهودًا مكثّفة في جميع أنحاء المنطقة تجاه التنظيم النضالي للعمّال العرب، ضمن إطارٍ يرمي إلى نشر الروح الشيوعية الدولية وهياكلها السياسية على أوسع نطاق.

وفي حالة لبنان الكبير، برزَ إسمان رائدان لهذه العملية التأسيسية: العامل في صناعة التبغ فؤاد الشمالي والصحفي الشاب والموظّف يوسف ابراهيم يزبك.

دخلَ الشمالي مضمار السياسة خلال العقد الثاني من القرن العشرين، وتحديدًا في الإسكندرية في مصر، حيث كانَ مهاجرًا مشرقيًا يبحث عن مستقبل أفضل، فعملَ كموظّف في قطاع صناعة السجائر المزدهر آنذاك (كولاند 1970، 98). وفي فترة حصوله على هذه الوظيفة، كانَت مدينة الإسكندرية قد أصبحت منبرًا إقليميًا بارزًا للأفكار والممارسات الراديكالية. جاءَ هذا الدور المركزي نتيجة التطوّر السريع لمرافق النقل والاتّصالات التي ربطت المُدُن المصرية الكبرى بالدوائر الرأسمالية العالمية، كما سهّلت تنقُّل الناس والبضائع والأفكار، بما فيها الأفكار الراديكالية، التي انتشرت من خلال النصوص وبواسطة العمّال والناشطين المهتمّين بالسياسة الذين أتوا من منطقة شرق المتوسّط (خوري-مقدسي 2013). وفي قطاع صناعة التبغ، برزَ التيّار السياسي الذي أطلقه جوزيف روزنثال، الماركسي اليهودي المولود في فلسطين، الذي أنشأ في بداية العشرينيات أوّل اتّحاد عام للعمّال في مصر، التابع للـ "بروفينترن"، ثمّ الحزب الشيوعي المصري (بينين ولوكمان 1998، 137-54).

خلال سنوات نضاله الطويلة في مصر، اكتسبَ الشمالي شهرةً في الأوساط اللبنانية الراديكالية بفضل مقالاته المنشورة في جريدة الأهرام المصرية. وغالبًا ما كانَ يُعاد نشر هذه الكتابات في جريدة "الصحافي التائه" الدورية، التي كانت تصدر في زحلة، لمؤسّسها اسكندر الرياشي. وكانَ يزبك مساهمًا ناشطًا في هذه الصحيفة التي بدأت خلال تلك السنوات بتسليط الضوء على قضية المزارعين والطبقة العاملة (سليمان 1967، 134-35). انطلقت الشراكة السياسية بينهما في صيف عام ١٩٢٣، بعد أن أصدرت سلطات الانتداب البريطاني في مصر قرار ترحيل على خلفية "البروباغاندا البولشيفية"، فاضطرَّ الشمالي إلى العودة إلى بلده الأمّ. والموقع الأوّل الذي تضافرت فيه جهود عمله التنظيمي هو تحديدًا قطاع التبغ، مع إنشاء النقابة العامّة لعمّال الدخان في لبنان في نيسان/أبريل ١٩٢٤. تأسَّسَ الفرع الأوّل لهذه النقابة في قرية بكفيّا في المتن حيث وجدَ الشمالي عملًا له في أحد المصانع المحلّية المختصّة بإنتاج السجائر والتابعة لإدارة حصر التبغ والتنباك، قبل أن يتجذّر بسرعة في المواقع الرئيسية الأخرى لتحويل التبغ، مثل الشيّاح وبتغرين والخنشارة وضهور الشوير، بالإضافة إلى بيروت وزحلة (كولاند 1970، 98-100).

اكتسبت هذه الجهود التنظيمية المبكرة بُعدًا أكثر تناسقًا اعتبارًا من أيلول/سبتمبر ١٩٢٥، بعد تشكيل لجنة تنظيم النقابات. تأسّست اللجنة على يد أعضاء بارزين في النقابة العامّة لعمّال الدخان في لبنان والحزب الشيوعي في سوريا ولبنان الناشئ حديثًا، ومنهم فؤاد الشمالي ويوسف يزبك والأرمني آرتين مادويان. كانَ الهدف منها تقديم منصّة للتشجيع على إنشاء نقابات جديدة وربط نضالات النقابات الموجودة وتنسيقها من أجل تحصيل الحقوق الأساسية المشتركة للعمّال. واعتُبِرَت هذه الحركة جزءًا لا يتجزّأ من النضال الأوسع نحو التحرّر الراديكالي للطبقات الشعبية من الهيمنة الرأسمالية (والاستعمارية)، بقيادة الأحزاب الشيوعية في زوايا الأرض الأربع، من خلال التنظيم النضالي للطبقات العاملة والاعتراف السياسي بهذه الحركة الناشئة. رأت اللجنة أنَّ النقابات العمّالية - على حدّ تعبير فؤاد الشمالي – هي "قوّة سياسية عظيمة (...)، وسلاح في أيدي العمّال ضدّ الرأسماليين المستبدّين والطغاة"، وهي في الوقت نفسه "مدرسةٌ يتعلّم فيها العمّال عن حقوق كثيرة حُرموا منها ويتدرّبون فيها على النضال الاجتماعي والسياسي والاقتصادي" (كولاند 1970، 157-59). وهذا يعني، كما يُشير كولاند، فصل نضالات العمّال وهياكلهم التنظيمية عن "أشكال التضامن التعاوني مع أرباب العمل" التي مثّلت النمط المهيمن للتنظيم العمّالي في ظلّ نظام النقابات العثمانية (راجع القسم II.I أدناه)، وفصلها أيضًا عن "الوساطة الإجبارية والزعماء المحلّيين" التي كانت تكتسب، في تلك السنوات، أهميةً متزايدة في ظلّ إضفاء الطابع الرسمي على الطائفية السياسية (كولاند 1994، 293). وبسبب علاقتها العضوية مع الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان، التحقت لجنة تنظيم النقابات والاتّحادات التابعة لها تلقائيًا بالـ"بروفينترن"، وأقامت قيادة اللجنة علاقات وطيدة بهذا الأخير. وكان أوّل احتفال بيوم العمّال العالمي في ١ أيّار/مايو ١٩٢٥ عنصرًا معجّلًا أساسيًا لولادة لجنة تنظيم النقابات وإدماج الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان في الشبكات السياسية الدولية الشيوعية. أُقيمَ الاحتفال في سينما كريستال في بيروت، وقد نظّمته النقابة العامّة لعمّال التبغ في لبنان وحزب الشعب، أي الاسم القانوني للحزب الشيوعي الناشئ في سوريا ولبنان، الذي أسّسه كلّ من يزبك والشمالي وعدد من العمّال والمثقّفين الراديكاليين في شهر تشرين الأوّل/أكتوبر ١٩٢٤ (إسماعيل وإسماعيل 1998، 7-8). تمحورَ الاحتفال حول القضايا الرئيسية والاحتياجات الملحّة التي تطال العمّال اللبنانيين، وتناولَها المتحدّثون في إطار مفهومَيْ "النضال الطبقي" و"الهيمنة الرأسمالية". وأجمعوا أنَّ الحلّ هو تنظيم العمّال في هيئة نقابات عمّالية قائمة على أساسٍ طبقي، واعتبرَ كلّ المُحاورِين أنَّ هذا الحلّ هو السلاح الحقيقي الوحيد في أيدي العمّال من أجل التحرّر. وأصدر المشاركون أيضًا وثيقة ختامية وضعوا فيها أوّل قائمة بالأهداف المشتركة الأساسية التي يسعون إلى تحقيقها بشكل جماعي. وتضمّنت هذه المطالب: تحديد ثماني ساعات عمل في اليوم، وإلغاء العمل الليلي، ووضع حدّ أدنى قانوني للأجور يحدّده العمّال، وتقديم الضمان الاجتماعي الأساسي من قِبَل ربّ العمل (كولاند 1970، 106-12؛ إسماعيل وإسماعيل 1998، 10). شاركَ في الاحتفال حوالي ٦۰۰ شخص، معظمهم من العمّال، وعدد كبير منهم لم يكن ينتمي إلى أيّ نقابة. وقد لعبَ ذلك دورًا محوريًا في تسهيل تنظيم مجموعات العمّال الجدد وتحويلها إلى اتّحادات نقابية، مثل الحلّاقين والنجّارين. وهناك نقطة أخرى مهمّة أيضًا، وهي أنَّ نجاح التظاهرة ساهمَ في توطيد العلاقات بين حزب الشعب والأحزاب الشيوعية في فلسطين وفرنسا، فضلًا عن الجماعات اليسارية الراديكالية الأخرى الناشطة في لبنان، مثل رابطة سبارتاكوس الأرمنية، التي مثَّلَ اندماجها مع حزب الشعب بُعيد الأوّل من شهر أيّار/مايو علامةً حاسمة في ولادة الحزب الشيوعي في لبنان وسوريا (إسماعيل وإسماعيل 1998، 13).

٢.١- العمّال قبل الشيوعية وبعدها: أشكال ومسارات أخرى للتنظيم العمّالي في أوائل العشرينيات في لبنان

في سنوات الانتداب الأولى، لم تمثّل النقابات العمّالية القائمة على أساس طبقي، كما صاغها وصنعها الناشطون الشيوعيون، النمط الجديد الوحيد للحركة التنظيمية العمّالية.

منذ أواخر القرن الثامن عشر وحتّى ثورة تركيا الفتاة (١٩۰۸)، كان الممثّلون الرئيسيون والهيكل التنظيمي الرئيسي للعمّال المدنيين العثمانيين هم الطوائف (بالمفرد طائفة، باللغة التركية  esnaf اسناف) أو النقابات. تتألّف هذه الأخيرة من منظّمات سلطوية قائمة على مِهَن حِرَفية محدّدة، تجمع تحت لوائها أشخاصًا يزاولون مهنةً معيّنة (مثلًا: عمّال الحياكة والنسيج، والنجّارين، والحمّالين، إلخ.) بحسب التسلسل الهرمي الداخلي والعلاقات السلطوية بين العمّال وأرباب العمل، وتتكفّل بتنظيم ممارسة المهنة بشكل شامل (مثلًا: التدريب، والحصول على الرخصة، وتوفير المواد الأوّلية) إضافةً إلى تنظيم العلاقات بين أعضاء النقابة والسلطات الإمبريالية (مثلًا: جمع الضرائب، والمطالبة بالحقوق) (يلدريم 2008). وبفضل الهيكلية المَرِنة لهذه "الطوائف"، ظلّت تُمثّل البنية التنظيمية الأساسية للمِهَن الحديثة التي ظهرت أو التي أُعيد تشكيلها بعد دمج النظام العثماني في الدوائر الرأسمالية العالمية، مثل مفرّغي البضائع، وعمّال المصانع الحديثة، وسائقي سيّارات الأجرة والقطارات/الترامواي (شالكرافت 2004). وعندما توقّف العمل رسميًا بنظام الطوائف بعد ثورة تركيا الفتاة، قدَّمَ قانون الجمعيات العثماني (١٩۰٩) للحرفيين والمهنيين (مثل الجرّاحين والمحامين والفندقيين والمستوردين والفنّانين ومصفّفي الشعر والميكانيكيين) إطارًا معياريًا جديدًا للتنظيم الرسمي ضمن هيئات تمثيلية. وظلّ القانون يمنع العمّال المأجورين من تشكيل اتّحادات تنظيمية مستقلّة عن أرباب عملهم. وبعد سقوط الإمبراطورية، اعتمدت سلطات الانتداب الفرنسي في أراضي سوريا ولبنان الكبير هذا القانون بالكامل. وتعود أوّل محاولة لتأسيس هذا النوع من الجمعيات المهنية في هيكل سياسي أوسع إلى العام ١٩٢١، وذلك مع تأسيس حزب العمّال العام في لبنان الكبير في بيروت، على يد مجموعة من الشخصيات البارزة المحلّية بهدف توحيد العمّال وأرباب العمل تحت القيادة السلطوية لأرباب العمل (ادّه 2002؛ كولاند 1970، 83). عزَّزَ الحزب علاقاته مع اثنتي عشرة جمعية، بما فيها جمعيات الخيّاطين ومصفّفي الشعر والنجّارين والموسيقيين والمعلّمين (كولاند 1969، 63). ومع ذلك، وفقًا للمصادر القليلة المتوفّرة، فإنَّ تجربة الحزب بقيت قليلة الفعّالية وقصيرة الأمد. ونذكر من الأمثلة الأخرى عن المنظّمات المؤسّساتية والسلطوية خلال هذه المرحلة المبكرة نقابة عمّال زحلة وجمعية تعاضد السائقين في الجمهورية اللبنانية. تأسَّسَت نقابة عمّال زحلة في عام ١٩٢٣ بمبادرة من مهاجر محلّي عائد، تحت رعاية شخصيات محلّية بارزة. وجمعت النقابة عددًا من الجمعيات ومجموعات العمّال، واعتمدت نهجًا تبادليًا وسلطويًا (كولاند 1970، 91-96). أمّا جمعية تعاضد السائقين فتأسّست في عام ١٩٢٦، في ظلّ موجة من الإضرابات في قطاع النقل اللبناني الحديث. انطلقت هذه الإضرابات في حزيران/يونيو بتحريضٍ من سائقي العربات وعمّال شركة الترامواي والكهرباء في بيروت التي تخضع لإدارةٍ فرنسية. فأضربوا عن العمل للمطالبة بزيادة الرواتب. وبعد نجاح حراكهم، عمدَ سائقو سيّارات الأجرة في بيروت وجونيه في شهر تشرين الثاني/نوفمبر إلى التحرّك أيضًا، فنزلوا إلى الشارع للمطالبة بخفض الضرائب. ولكنْ، في حين اتّسمَ تحرّك سائقي العربات وعمّال شركة الترامواي بموقفٍ طبقيّ معيّن، ظهرت جمعية تعاضد السائقين على شكل جمعية مؤسّساتية تسعى إلى الدفاع عن امتيازاتها الخاصّة، بدلًا من المطالبة بالحقوق العامّة. كما أنَّ الجمعية أعادَت إنتاج أنماط الزبائنية السائدة للعلاقات السياسية، من خلال المطالبة الروتينية بدعم شخصيات بارزة محلّية، مثل هنري فرعون أو رياض الصلح، مقابل الدعم الانتخابي (كولاند 1970، 180-83).

ما بين هذه التجارب المؤسّساتية والجهود التنظيمية التي روّج لها الشيوعيون، شهدَ النصف الأوّل من العشرينيات أيضًا ظهور تنظيمات طبقية لكنْ إصلاحية، نابعة من إعادة التنظيم النقابي المستقلّ لعدّة جمعيات مهنية قائمة، في ظلّ زخم التغييرات الهيكلية التي شهدَها الاقتصاد اللبناني خلال فترة الانتداب. وفي هذا السياق، نذكر كمثل بارز، نقابة عمّال الطباعة في بيروت التي تأسّست عام ١٩٢٦ استنادًا إلى جمعية عمّال الطباعة الموجودة سابقًا، التي أبصرت النور قبل الانتداب في إطار القانون العثماني لعام ١٩۰٩، ومن ثمّ اعترفت بها السلطات الفرنسية بشكل قانوني. وقد جاءت فكرة إنشائها من مجموعة من العمّال المنتسبين الذين باتوا مستائين على نحو متزايد من عجز قيادة الجمعية عن المطالبة الفعّالة بحماية عمّال الطباعة من فترات الانقطاع عن العمل الطويلة التي سببّتها سلطات الانتداب عبر التعليق الإداري المتكرّر للصحف (كولاند 1970، 169-80). وكما يُشير لويس ماسينيون، من وجهة نظر قانونية، فإنَّ الانتقال من جمعية إلى نقابة لم يكن إلّا عملية "تمويه سياسي" من قِبَل الأعضاء، الذين غيّروا تسمية المنظّمة بشكل عشوائي من دون إبلاغ السلطات بأيّ تغيير رسمي في النظام الأساسي (ماسينيون 1953، 36). ومن ناحية أخرى، كانَ التحوّل بمثابة تفكُّك كبير للتكوين المؤسّساتي السابق، حيث تولّى العمّال المأجورون زمامَ المبادرة في تمثيلهم النقابي.

في هذه المرحلة المبكرة، تبنّت النقابة موقفًا إصلاحيًا، حيث فضّلت تقديم العرائض الرسمية إلى السلطات أكثر من أشكال التحرّك الراديكالي (مثل الإضرابات) كاستراتيجية رئيسية للتحرُّك. والواقع أنَّ رؤيتها للاتّحاد كانت رؤية هيئة وسيطة تمثيلية تقوم بمهامها من خلال وسائل الحوار والقنوات المؤسّسية، وفقًا للنموذج الأوروبي الليبرالي (كولاند 1970، 178-80). لكنَّ المكاسب المحدودة التي تحقّقت من خلال هذه الاستراتيجية مهّدت الطريق أمام تحوّلها وتطوّرها التدريجي نحو النزعة الراديكالية لكي تصبح منظّمة ذات قيادة شيوعية في السنوات القادمة.

٣.١- نحو التحرّك المشترك: الأزمة الاقتصادية عام ١٩٢٩ والتشريع الجزئي للحركة النقابية الطبقية

باستثناء إضرابات قطاع النقل عام ١٩٢٦، حتّى نهاية العشرينات، لم يشهد سيناريو العمل المنظّم اللبناني أيّ تحرّكات بارزة. تمثّلت إحدى العقبات الرئيسية أمام التغيير في القمع القاسي للشيوعيين بعد اندلاع الثورة السورية الكبرى في عامَيْ ١٩٢٥-١٩٢٦، التي أدّت إلى اعتقال العديد من المناضلين البارزين، وبالتالي تباطَأَ عملُهم التنظيمي بشكل فجائي.

بدأ الوضع يتغيّر بسرعة منذ العام ١٩٢٩ (كولاند 1969، 127-28). وبسبب تداعيات "الكساد الكبير"، شهدَ اقتصاد لبنان الكبير حتّى منتصف الثلاثينات ركودًا عميقًا تفاقمت تكاليفه الاجتماعية بسبب الأزمة العالمية لقطاع إنتاج الحرير الذي كان لا يزال يعمل فيه أكثر من ٨۰% من عمّال الصناعة التحويلية في لبنان في عام ١٩٣٧ (غايتس 1998، 28). وكانت القطاعات الاقتصادية الحديثة الأكثر تضرُّرًا هي قطاع التبغ، الذي عانى بشكل إضافي بسبب سلسلة من المحاصيل السيّئة وعملية المكننة السريعة، وكذلك قطاع الصناعة، وقطاع شركات الامتياز ذات الملكية الفرنسية، التي دفعت ثمن الانخفاض الحادّ في قيمة العملة اللبنانية مقابل الجنيه البريطاني. بالإضافة إلى ذلك، وبسبب التراجع الموازي للصناعات الحِرفية التقليدية وزراعة الكفاف، تفشّت مشكلة البطالة وتدهورت القدرة الشرائية للرواتب. وأسفر ذلك عن موجة غير مسبوقة من التحرّكات التي طالت كلّ القطاعات الاقتصادية، بما في ذلك العاطلين عن العمل.

وفي خضمّ هذه الديناميات الاجتماعية، بعد صدور قرار عفو عام، بدأ إطلاق سراح المناضلين الشيوعيين منذ عام ١٩٢٨ فصاعدًا. وعلى الرغم من إعادة اعتقال أغلبيتهم سريعًا، فقد لعبوا دورًا فاعلًا في تنظيم العديد من الإضرابات والتحرّكات العمّالية في الفترة ١٩٢٩-١٩٣١ و١٩٣٤-١٩٣٥ (عمّال التبغ وعمّال الطباعة وعمّال شركة الترام وعمّال النفط والمرافئ، على سبيل ذكر عدد قليل من أهمّ القطاعات). فسمحَ لهم ذلك بتوسيع قاعدتهم الشعبية وإعادة تعزيز النشاط التنظيمي للجنة تنظيم النقابات (كولاند 1970، 147-61). وقدَّمَ هذا الحضور المتنامي الظروف المؤاتية لبدء المشاركة في حملات منسّقة للمطالبة بحقوق العمّال الأساسية المشتركة. ومنذ عام ١٩٣٤، أصبحت العرائض المنظّمة ممارسةً متكرّرة، فكانت تُوجَّه إلى السلطات السياسية وإلى الرأي العام على شكل قوائم من المطالب المحدّدة. كما أنَّ اللجوء إلى الإضرابات باتَ متكرّرًا بشكلٍ متزايد. وفي طليعة المطالب المشتركة، برزت مسألة النضال من أجل الاعتراف القانوني بنقابات العمّال وتطبيق التشريعات الجديدة المتعلّقة بعمالة الأطفال والعمل الليلي التي وافقت عليها سلطات الانتداب في فترة ١٩٣٤-١٩٣٥. ومن الجبهات المهمّة الأخرى في التحرّك الإجتماعي، برزَ التحرُّك الذي ندَّدَ بالقمع الذي مارسته سلطات الانتداب ضدّ موجة الاضطرابات العمّالية هذه. وكانت المبادرة الأكثر أهمية في هذا السياق هي تعيين اللجنة الدائمة للدفاع عن جميع العمّال والفلّاحين المسجونين بسبب مبادئهم الاجتماعية في عام ١٩٣۰. جاءت هذه اللجنة الدائمة بقيادة مناضلين من لجنة تنظيم النقابات ومبادرات تضامن شعبية منسّقة لدعم العمّال والفلّاحين المسجونين بسبب تحرّكهم، بما في ذلك المشاركة في تسديد تكاليف المحاكمات. وكان من بين أوّل المشتركين عمّال التبغ في بكفيا، والعمّال الأرمن الراديكاليون في الكرنتينا (بيروت)، ومجموعة من عمّال الطباعة من نقابة عمّال الطباعة التي كانت قد انضمّت إلى لجنة تنظيم النقابات في عام ١٩٣۰، بمبادرة من مجموعة من الأعضاء المستائين برئاسة محي الدين الكوزا الذين دفعوا المنظّمة إلى اتّخاذ توجّه راديكالي. وكان المستفيدون الأوائل من مبادرات اللجنة الدائمة عمّال النقابة العام للتعاون العمّال في زحلة، الذين عانوا من قمع شديد بسبب احتجاجهم على حظر عملهم النقابي من قِبَل السلطات المحلّية (كولاند 1969، 167-69). تأسَّسَ التنظيم على يد مجموعة من الشيوعيين المحلّيين عام ١٩٢٨، وضمَّ بعد فترة قصيرة مجموعة متنوّعة من العمّال من القضاء بأكمله. وهناك مجموعات عمّالية أخرى تحوّلت إلى نقابات في الفترة نفسها تحت مظلّة لجنة تنظيم النقابات، نذكر منها النجّارين والطبّاخين وعمّال شركات الامتياز وصانعي الأحذية في طرابلس وعمّال البناء. وبدأت تظهر ثمار هذا التوسّع والنشاط المتزايد اعتبارًا من عام ١٩٣٦.

بعد الضغط الشعبي المتزايد، وصعود الجبهة الشعبية في وجه حكومة فرنسا وظهور سياق سياسي داخلي أكثر ملائمةً، حصلت أغلب الاتّحادات غير الشرعية، التي تحرّكت في السنوات المنصرمة، على ترخيصها الرسمي تدريجيًا (كولاند 1970، 226-233). وشكَّلَ ذلك خطوة تمهيدية لترخيص لجنة اتحاد النقابات في عام ١٩٣٧، أي البديل القانوني الجديد للجنة تنظيم النقابات، الذي جمعَ في كنفه كلّ النقابات المرخّصة المنتسبة سابقًا، ضمن إطارٍ اتّحادي. وشملت النواة الأولى نقابات النجّارين وصانعي الأحذية والخبّازين والخيّاطين والميكانيكيين وعمّال البناء، كما لعبَ اتّحاد عمّال الطباعة دورًا رائدًا (كولاند 1969، 66). لكنَّ النقابات التي نشأت داخل شركات الامتياز لم تنجح في الحصول على الترخيص القانوني.

مثّلت هذه المنظّمات نقاباتٍ عمّالية طبقية بحُكم الواقع، لكنَّها حصلت على الترخيص من خلال الصيغة القانونية للروابط المهنية. ومع ذلك، فإنَّ خروجها من الطابع غير القانوني وترخيص لجنة اتحاد النقابات منحا الحركة النقابية الطبقية بكاملها قوّةً وشرعيةً متجدّدة استفادت منها بشكل أساسي في السنوات اللاحقة للحصول على تشريع أساسي بشأن العمل. ومن المهمّ أيضًا أن نذكر أنَّ لجنة اتحاد النقابات بقيت مرتبطة ارتباطًا عضويًا بالحزب الشيوعي الذي استمرَّ في نفس الفترة في ترسيخ وجوده في كلٍّ من سوريا ولبنان (كولاند 1970، 231).

في عام ١٩٣٩، أدّت مشاركة فرنسا في الحرب العالمية الثانية، وبالتالي قدوم نظام فيشي، إلى اندلاع موجة أخرى من القمع ضدّ النشاط العمّالي الطبقي والمنظّمات الشيوعية (كولاند 259-263). واستمرّت هذه المرحلة حتّى عام ١٩٤١، حين ساهمَ وصول قوّات ديغول إلى منطقة المشرق في إعادة تحريك عجلة الحياة الدستورية في البلد. وتزامنت عودة الحرّيات المدنية والسياسية مع مرحلة مستدامة نسبيًا من التوسّع الصناعي، بدعمٍ من سياسات استبدال الواردات التي نفّذتها قوّات الحلفاء لتلبية حاجات اقتصاد الحرب. وترافقَ ذلك مع تنفيذ العديد من المبادرات التشريعية العمّالية التي تناغمت مع جدول أعمال لجنة اتحاد النقابات. ففي عام ١٩٤١، على سبيل المثال، ظهرَ لأوّل مرّة مفهوم الحدّ الأدنى للأجور في دولة لبنان الكبير. وتمّ اتّخاذ عدد من المبادرات لتصحيح الرواتب بما يتوافق مع معدّل التضخّم (كولاند 1970، 288-289). وبذلك، اكتسبت لجنة وحدة النقابات قوّةً متجدّدة دفعتها إلى مواصلة نضالها من أجل الاعتراف القانوني الكامل بالنقابات الطبقية وتنفيذ قانون عمل شامل، الذي برزت ثماره بالكامل في فترة الثلاث سنوات الانتقالية لعملية الاستقلال (١٩٤٣-١٩٤٦).

٢ - العمّال في "الجمهورية التجارية": الاستقلال، الطائفية، ونظام الحرب الباردة

١.٢- من الانتصار إلى حصان طروادة: عملية الاستقلال وتطبيق قانون العمل اللبناني (١٩٤٦)

شكّلت عملية الاستقلال التي دامت ثلاث سنوات (١٩٤٣-١٩٤٦) فترة قوّة فريدة لحركة نقابات العمّال اللبنانية. فجاء المصدر الأوّل للقوّة من الضغوطات الهيكلية والتغييرات التي انعكست على هيكل العمل اللبناني نتيجة اقتصاد الحرب. بعد فرض سياسات استبدال الواردات، ازدادَ عدد العاملين في القطاع الصناعي بشكلٍ ملحوظ. وعندما انتهت الحرب، ظلّ معظمهم عاطلين عن العمل، وسط ارتفاع هائل في كلفة المعيشة. وقد أدّى ذلك إلى سلسلة من الإضرابات والتحرّكات التي تَبيَّنَ، بفضل وجود  لجنة اتحاد النقابات، أنَّها أساسية لتنظيم نقابات جديدة. وكانت التحرّكات مكثّفة بشكل خاصّ في قطاع النسيج وشركات الامتياز، حيث تميّزت أيضًا بنزعة مبطّنة مُناهِضة للاستعمار (كولاند 1970، 296-319). بلغَ هذا التوسّع في فترة ما بعد الحرب ذروتَه مع إنشاء الاتحاد العام لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان في عام ١٩٤٥، أي النسخة الاتّحادية المتطوّرة للجنة وحدة النقابات، التي اكتسبت الثقل الشعبي والسياسي اللازمَيْن لرؤية مطالبها الجَمَاعية، الواحدة تلو الأخرى، تتحوّل أخيرًا إلى قوانين، وخصوصًا بعد تعيين أمينها العام مصطفى العريس كمندوب عربي في الاتّحاد العالمي لنقابات العمّال الناشئ حديثًا. في عام١٩٤٤، مثلًا، توسّع نطاق القانون الصادر عام ١٩٣٩ والمتعلّق بتصحيح الأجور وفقًا لمعدّل التضخّم، فبات يشمل العمّال من جميع الفئات. وفي سياقٍ متّصل، في العام التالي، وسَّعَ قانونٌ آخر نطاق تطبيق قوانين العمل اللبنانية القائمة لتشمل الموظّفين في الشركات الأجنبية وشركات الامتياز. والأهمّ من ذلك، في عام ١٩٤٦، كُرِّسَ أخيرًا قانون عمل أساسي يعترف بحقّ الإضراب والتكوين النقابي إلى جانب مسائل أخرى. ولكنْ، لا بدّ من التنويه بأنَّ تحقيق هذه الانتصارات الكبرى لم يكن مهمّة سهلة بالنسبة إلى العمّال (كولاند 1970، 333-57).

فكما أشارَت إليزابيث طومسون، كانَ توسّع الرعاية الاستعمارية الفرنسية في أواخر فترة الحرب العالمية الثانية جزءًا من استراتيجية رقابية أوسع تهدف إلى تأمين هيمنتها على لبنان من خلال انخراط المواطنين في النظام المدني الاستعماري بشكل أكبر (طومسون 2000، 163-69). ولكنْ رغم هذه الجهود، شكّلت انتخابات عام ١٩٤٣ انتصارًا كاملًا للنخب القومية اللبنانية التي أعلنت، من جانب واحد، استقلال الجمهورية اللبنانية في ٨ تشرين الثاني/نوفمبر. ترافقَ هذا الإعلان مع رفضٍ قاطعٍ من القادة السياسيين اللبنانيين للتوقيع مع فرنسا على اتّفاق ثنائي يسمح لفرنسا بالحفاظ على رقابتها التوجيهية المشدّدة على النظام اللبناني المستقلّ. وفي مواجهة هذين التحدّيَيْن، أتى ردّ الفعل الفرنسي عنيفًا. فبعد يومَيْن من إعلان الاستقلال، أُلقي القبض على المروّجين الرئيسيين لهذه لمبادرة، وانتشرَ العسكر السنغالي في جميع أنحاء البلد لقمع الاحتجاجات ضدّ الانقلاب. أُطلق سراح القادة في ٢٣ تشرين الثاني/نوفمبر، إذ دفعت الضغوط الشعبية والدولية السلطات الفرنسية إلى الاعتراف رسميًا باستقلال لبنان. لكنَّ القوّات الفرنسية لم تخرج بشكل كامل حتّى العام ١٩٤٦، حين أدّت الجولة الأخيرة من المواجهة في كلّ من سوريا ولبنان في أواخر عام ١٩٤٥ إلى تبديل موازين القوى الدولية في نهاية المطاف لصالح الجلاء الفرنسي.

وعلى الرغم من رفض النخب اللبنانية تاريخيًا الاعتراف بحقوق العمّال، ساهمت مشاركة الحركة العمّالية النشطة في النضال من أجل الجلاء الفرنسي في توفير الظروف التمكينية، حيث أنَّ النخب الوطنية الحاكمة عمدت في نهاية المطاف إلى معالجة جميع المطالب الجَمَاعية الرئيسية للعمّال، ولو على مضض، وذلك خلال فترة استمرار احتلال القوّات الفرنسية للأراضي اللبنانية. ولكنْ، مع بدء ظهور بوادر الجلاء الفرنسي النهائي بشكل ملموس، بدأ هذا الموقف الانتهازي والمتناقض يتجلّى بشكلٍ واضح. وجاءَ الاختبار الحقيقي لهذا التراجع مع قانون العمل تحديدًا.

منذ تقديم مسودة القانون إلى البرلمان في تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٤٥، بذل قسمٌ متناغم من النخب السياسية اللبنانية جهودًا حثيثة لعرقلة القانون بكامله أو لإعادة النظر، من منظور مؤسّساتي، في التدابير التي ناضلت الحركة النقابية الطبقية من أجلها بلا كلل. ومن أبرز المبادرات التخريبية في هذا الصدد، إدراج جبهة العمل وحدها في اللجنة المكلّفة بإعداد القانون، وهي عبارة عن اتّحاد جديد يجمع روابط مهنية مرتبطة ارتباطًا عضويًا بشخصيات مرموقة، على حساب الاتحاد العام لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان (كولاند 1970، 357-68). وقد ردَّ الاتّحاد على هذا التهميش السياسي برفع مجموعة مختلفة من العرائض التي تُطالب بإدراج عدد من التعديلات في القانون، بما ينسجم مع الروح الديمقراطية والتحرُّرية التي طبعت المساعي من أجل تحصيل حقوق العمّال في العقدين الماضيين. ولهذه الغاية، أنشأت لجنة مخصّصة، فقدّمت هذه الأخيرة في شهر كانون الثاني/يناير ١٩٤٦، قائمة رسمية بالمطالب إلى البرلمان. وبلغت المواجهة السياسية ذروتها في صيف عام ١٩٤٦.

بتاريخ ٢٠ أيّار/مايو، نُظِّمَ إضرابٌ عام احتجاجًا على التأجيل المتكرّر للمناقشة البرلمانية للقانون. وبعد فترة وجيزة، تمّ الإعلان عن إضرابَيْن مفتوحَيْن في إدارة حصر التبغ والتنباك وقطاع النقل العام (كولاند 1970، 366-68). انقلبت موازين القوى في نهاية المطاف في شهر حزيران/يونيو، حيث أدّى مقتل العاملة الشابّة وردة بطرس ابراهيم على يد قوى الأمن اللبنانية أثناء قمع إضراب في مصنع تابع لإدارة حصر التبغ والتنباك في الشياح، إلى اندلاع موجة عارمة من الاحتجاجات في مختلف أنحاء البلد (أبي صعب 2010، 68-79). وقد مثّل ذلك الدافع الأخير الذي كانَ البرلمان بحاجة إليه من أجل سنّ نسخة معدّلة من قانون العمل اللبناني في ٢٣ أيلول / سبتمبر، وقد عالجَ فيها بشكلٍ جزئي بعض مطالب اتّحاد نقابات مُستخدَمي وعمّال لبنان. ومن أبرز هذه المطالب الاعتراف بحقّ العمّال في الإضراب والتنظيم النقابي بصورة مستقلّة عن أرباب العمل وتحديد ثماني ساعات عمل في اليوم وتنظيم ساعات العمل الإضافي وعمالة النساء والأطفال وإدراج أحكام الضمان الاجتماعي الأساسية في حالة المرض والأمومة والفصل من العمل وإنهاء الخدمة، وتشكيل عدّة وكالات مُكلَّفة بتنظيم العلاقات بين ربّ العمل والموظّف. ولكنْ، على الرغم من هذه الإنجازات المهمّة، فإنَّ النصّ النهائي لم يتطابق مع الصياغة الديمقراطية التي سعى إليها الاتحاد العام لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان (دوناتو 1952).

أوّلًا، رغم الاعتراف رسميًا بالحقّ في التنظيم النقابي، فإنَّ آليات الترخيص المنصوص عليها في القانون منحت السلطات الرسمية حرّية رفض أو إلغاء الترخيص بممارسة النشاط النقابي بصورة قانونية لأيّ منظّمة ذات توجّه أيديولوجي تُشارِك (حتّى ولو بشكل مؤقّت) في أيّ نوع من النشاط السياسي أو أيّ قضية "تتجاوز صلاحياتها". وفي سياقٍ متّصل، ورغم الإقرار الرسمي بالحقّ في الإضراب، بقيت ممارسته خاضعة لقيود مشدّدة، لا سيّما إذا استُخدِمَ الإضراب ضدّ الدولة ومؤسّساتها. وأخيرًا، استثنى القانون من أحكامه الفلّاحين والعمّال المنزليين والمياومين والموظّفين في القطاع العام، وترك الجزء الأكبر من قدرة المفاوضة في أيدي أرباب العمل. ونتيجةً لذلك، أدّى القانون الجديد إلى تحويل أداة تحرُّرية مُحتمَلة إلى أداة تأديبية رئيسية في أيدي النخب السياسية الطائفية اللبنانية، التي أصبحت قادرة الآن على تعزيز وتكريس سيطرتها السلطوية على الوساطة المشروعة بين المواطنين والدولة وعلى عملية توزيع الحقوق الاجتماعية.

٢.٢- العمّال في "الجمهورية التجارية": الاستقطاب، المقاومة، ونظام الحرب الباردة

عندما دخلَ قانون العمل حيّز التنفيذ بشكل نهائي في أواخر عام ١٩٤٧، خضعَ مشهد العمل المنظّم اللبناني لعملية إعادة تشكيل ملحوظة. وكان الدافع الرئيسي لذلك هو الاستخدام السياسي الذي اعتمدته الطبقة الحاكمة اللبنانية ما بعد الاستعمار لأحكام الترخيص الواردة في القانون، وذلك من أجل التخلّص من المعارضين السياسيين مع تجاوزاتهم المُحتمَلة، وربّما تحويل النقابات العمّالية إلى آليات فعّالة لإدماج العمّال، بطريقة الهيمنة، في النظام الطائفي اللبناني في مرحلة ما بعد الاستعمار. نُفِّذت هذه الاستراتيجية على مسارَيْن رئيسيَّيْن. الأوّل هو الاستمرار في رفض إعطاء ترخيص للاتحاد العام لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان، وكذلك للنقابات والاتّحادات اليسارية بشكل عام، لممارسة النشاط النقابي بصورة قانونية. في المقابل، كانَت هناك مبالغة في إعطاء الترخيص لاتّحادات مؤسّساتية لا تُمثّل الأغلبية وترتبط ارتباطًا عضويًا بالنخب الطائفية في السلطة، وهي تأسّست بهدفَيْن مزدوجَيْن، هما احتواء نفوذ الاتّحادات اليسارية في القطاعات الاقتصادية حيث كانَ وجودها أقوى، وإرغام العمّال على الاندماج سياسيًا ضمن هياكل سياسية يطغى عليها الاستقطاب – وبالتالي تخضع للسيطرة السلطوية.

وكانَ أهمّ اتّحاد من هذا النوع هو جامعة نقابات العمال والمستخدمين في لبنان (الجامعة). أُنشئت الجامعة في العام ١٩٤٨ برعاية رئيس الجمهورية بشارة الخوري وغيره من الشخصيات البارزة، مثل صائب سلام، وكانَ يقودُها ببراعة شقيق الرئيس خليل. وتمكَّنَ صائب سلام من خلال الاستفادة من منصبه كوزير للداخلية من بناء النواة الأولى للجامعة من النقابات المنتسبة، عن طريق اختراق قوي للمنظّمات المنتمية إلى الاتحاد العام لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان، وتعزيز الانقسامات والانشقاقات. كما أقامَت الجامعة على الفور علاقات وثيقة مع السفارة الأميركية التي أيّدت بالكامل سياساتها ووظائفها المُناهِضة للشيوعية، ضمن السياق الأوسع لنظام الحرب الباردة الناشئ (سنايدر 1961، 202-3؛ بويري 1986 v.II، 39-46).

وحتّى نهاية ولاية الخوري في عام ١٩٥٢، ظلَّت الجامعة هي الاتّحاد النقابي اللبناني الوحيد المرخّص قانونيًا. وقد لعب ذلك دورًا حاسمًا في تغيير التشكيل السياسي للنقابات العمّالية اللبنانية تغييرًا جذريًا على حساب اليسار، حيث شكّلت المنافع السياسية والاقتصادية للجامعة عاملَ جذبٍ فعّالًا للعديد من النقابات الجديدة التي انضمّت إلى صفوفها. وفي عام ١٩٥۰، من بين أربعين نقابة مرخّصة، حصدت أربعة فقط وجودًا شيوعيًا قويًا، وأكثر من النصف انتسب إلى الجامعة. وكانَ من بين هذه النقابات، في أغلبها، عمّال المهن الحرّة والموظّفون الاداريون، وعدّة نقابات ترعاها النخبة أُنشئت لغرض واضح وهو مناهضة الشيوعية، كما نشأت أقلّية مهمّة من العمّال اليدويين المستقلّين والإصلاحيين داخل شركات الامتياز السابقة (إدارة حصر التبغ والتنباك، وعمّال سكّة الحديد، والنقل البحري) وقطاع النفط الحديث (شركة IPT، وشركة سوكوني-فاكيوم). وكانت هذه المجموعة الأخيرة قد اختارت في نهاية المطاف الانضمام إلى الجامعة بعد أن رفضت وزارة العمل السماح لها بتشكيل اتّحاد خاصّ بها في عام ١٩٥١ (فان ليو 1994).

وخضعَ هذا السيناريو الذي جاءَ بعد مرحلة الاستقلال لعملية إعادة صياغة جزئية في ظلّ عهد الرئيس كميل شمعون (١٩٥٢-١٩٥٨).

في عام ١٩٥١، عمّت موجة كبيرة من الإضرابات قطاع المنسوجات، كردّ فعل على الأثر القوي الذي أحدثه تفكيك جهاز اقتصاد الحرب على الصناعة اللبنانية. وتزامنت هذه الإضرابات مع تزايد استياء العديد من النقابات المنتسبة إلى الجامعة بسبب موقفها الموالي للحكومة، في حين بلغت ظاهرة البطالة والتضخّم ذروتها. وكانت تلك حالة النقابات المستقلّة للعمّال اليدويين، التي انضمّت مؤخّرًا إلى الجامعة والتي قرّرت تركها في العام نفسه. وحقّقت النقابات الشيوعية في السنة نفسها انتصارًا مهمًّا في نضالها من أجل تحسين رواتب عمّال الفنادق والمطاعم، على الرغم من وضعهم غير القانوني (بويري 1986 II، 74-76). ودفع ذلك الرئيس كميل شمعون إلى إجراء مراجعة جزئية لاستراتيجية الاستقطاب التي اعتمدَها الرئيس السابق من خلال منح التراخيص لمنظّمات جديدة مستقلّة ذات توجُّه إصلاحي معتدل، وهي منظّمات يمكنها بطبيعة الحال أن تجذب العمّال غير الراضين على حساب الشيوعيين. ولقد أيّدت السفارة الأميركية هذا التغيير في الاستراتيجية تأييدًا كاملًا، إذ كانت تخشى أيضًا أن يؤدّي استمرار الاستراتيجية الاستبدادية الصارمة التي تبنّاها الخوري إلى زيادة النزعة التطرّفية لدى العمّال في نهاية المطاف.

وكانَ الاتّحاد الذي استفادَ بشكل رئيسي من هذا المناخ السياسي الجديد هو اتّحاد النقابات المتّحدة للمستخدمين والعمال في لبنان (النقابات المتّحدة). حصلَ الاتّحاد على ترخيصه في عام ١٩٥٢ وجمعَ في كنفه أكبر النقابات المستقلّة المرخّصة غير المنتسبة إلى الجامعة، بقيادةٍ صارمة من قِبَل غابرييل خوري واتّحاد موظّفي المصارف (سنايدر 1961، 208-9؛ بويري 1986 II، 64-67). وكانَ غابرييل خوري قد بنى رؤيته النقابية على المذهب الاجتماعي الكنسي، الذي جعلَ منه مناهضًا فعليًا للشيوعية وزعيمًا نقابيًا مُلهِمًا داعيًا إلى تأسيس قيادة قوية للعمّال لتلعب دور الوسيط وتُنادي بتحسين ظروف عملهم. وهذا ما جعله مرجعًا موثوقًا للعمّال وللسلطات على حدّ سواء، فأصبحت النقابات المتّحدة بمثابة الحَكَم الرسمي المفضّل لمعالجة أصعب النزاعات العمّالية ولتمثيل العمّال اللبنانيين بشكلٍ جَمَاعي في مؤتمرات المفاوضة الرسمية. وأصبحَ الاتّحاد أيضًا المرجع المفضّل بالنسبة إلى السفارة الأميركية التي منحته مساعدة اقتصادية مستمرّة وسهّلت انضمامه إلى الاتّحاد الدولي لنقابات العمال الحرّة الذي كانت تدعمه الولايات المتّحدة (جندزاير 1996، 116-28)، خاصّةً بعد تبنّي مبدأ أيزنهاور في أعقاب حرب السويس (١٩٥٦). وبذلك، تبوّأت النقابات المتّحدة موقعَ القوّة. فبحلول عام ١٩٥٦، انضمّت إليها نقابات العمّال اليدويين والموظّفين الإداريين الأكثر تمثيلًا، من بين مجموع أربعة اتّحادات نقابية مرخّصة، في حين تُرِكَت الاختصاصات الحرفية والمهن اليدوية للنقابات الأخرى. كما أنَّ التقارب في المصالح مع الدولة أثبتَ نجاحَه في احتواء اليسار.

وفي عام ١٩٥٦، ضمّت موجتان كبيرتان من الإضرابات عمّال الفرع اللبناني لشركة النفط العراقية وعمّال قطاع صناعة المنسوجات. وبفضل الدور المميّز الذي أسندته السلطات الرسمية إلى غابرييل خوري في تسوية النـزاعَيْن، تمكّنت النقابات المتّحدة من كسب قيادة اتّحاد عمّال النفط وعمّال صناعة المنسوجات على حساب الحركة الناصرية والشيوعيين على التوالي. كما استطاعَت النقابات المتّحدة أن تهزم الشيوعيين من خلال تولّي قيادة خطّ سكك حديد دمشق - حماة وامتداداتها، والريجي (إدارة حصر التبغ والتنباك)، وشركة كهرباء لبنان. وعلى هذا النحو، بحلول نهاية الخمسينيات، انحصرَ النفوذ الشيوعي من جديد في النواة الصلبة الوحيدة للنقابات غير القانونية ضمن الاتحاد العام لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان، وهو اتّحاد غير قانوني أيضًا. ولم يمتدّ نفوذ الحركة الناصرية إلّا على شريحة هامشية من عمّال النفط الذين بقوا خارج نطاق النقابات المتّحدة (بويري 144-147؛ سنيادر 1961، 263-75). وهكذا، اكتسبَ خوري موقفًا متينًا سمحَ له بطلب وانتزاع تنازلات هامّة من الحكومة. وفي عام ١٩٥٥، على سبيل المثال، حصلَ اتّحاد موظّفي المصارف التابع لخوري، من خلال الإضراب، على أوّل عقد عمل جَمَاعي قطاعي (ما يُسمّى بـ"Statut Interbancaire")، وتضمَّنَ هذا العقد، من بين منافع أخرى، قبض راتب عن الشهر الرابع عشر، وتحديد أسبوع العمل بـ ٣٦ ساعة، ومجموعة من مزايا الضمان الاجتماعي (سنايدر 1961، 251-55). وفي بداية عام ١٩٥٨، في خضمّ التضخّم المتزايد والتداعيات الأولى للأزمة السياسية التي بلغت ذروتها في نهاية المطاف في الحرب الأهلية الأولى، قدَّمَ الاتّحاد إلى الحكومة مذكّرة مع قائمة من المطالب العمّالية والاجتماعية الشاملة، منها إقرار قانون الضمان الاجتماعي، وتنفيذ برنامج للإسكان الاجتماعي (سنايدر 1961، 299-301).

الاتّحادان الآخران اللذان حصلا على الترخيص في عهد كميل شمعون هما اتّحاد النقابات المستقلّة واتّحاد نقابات المُستخدَمين والعمّال في الشمال. حصلَ اتّحاد النقابات المستقلّة  على ترخيصه في عام ١٩٥٢ وضمَّ مجموعةً من النقابات الحرفية التي كانت تابعة سابقًا للرابطة والتي انقسمت في ظلّ قيادة عبد المجيد محيو. أمّا اتحاد نقابات العمال والمستخدمين في لبنان الشمالي (اتّحاد الشمال) فتأسَّسَ عام ١٩٥٤ برعاية الزعيم الطرابلسي الشهير رشيد كرامه، وضمَّ مجموعة من النقابات الحرفية بغالبها في محافظة الشمال.

وعشية الأوّل من أيّار/مايو ١٩٥٨، حصلت النقابات المتّحدة والرابطة والنقابات المستقلّة على تفويض وزاري بالتوحُّد تحت راية أوّل اتّحاد نقابي في لبنان، أُطلق عليه اسم الاتّحاد العمّالي العام في لبنان. واتّخذَ هذا المشروع الكونفدرالي أيضًا نزعةً مُناهِضة للحركة اليسارية، بهدف تعزيز شرعية الهيئات النقابية النظامية باعتبارها الممثّل الوحيد المعترف به للعمّال (صليبي 1999، 46). ولم يكن من المفاجئ أن تُسنَد القيادة إلى غابرييل خوري الذي أصبحَ منذ ذلك الحين زعيم المنظّمة العمّالية الأكثر تمثيلًا في البلد. وبعد بضعة أيّام، اندلعت الحرب الأهلية القصيرة عام ١٩٥٨، فغيّرت مرّة أخرى قواعد اللعبة. ومع ذلك، كانَ قد أُنجِزَ العمل التأسيسي لجعل الاتّحاد العمّالي العام أبرز منظّمة عمّالية لبنانية في السنوات القادمة.

٣- العمّال في فترة "الستّينيات الطويلة": التوحيد من الأعلى، الخرق من الأسفل

١.٣- فؤاد شهاب ومحاولات إصلاح النظام المدني اللبناني

عندما انتُخب الجنرال فؤاد شهاب رئيسًا جديدًا للجمهورية في أيلول/سبتمبر ١٩٥٨، كان لبنان يمرّ بفترة دقيقة. ففي الفترة الممتدّة من أوائل أيّار/مايو إلى أواخر آب/أغسطس، دخل  البلد في حرب أهلية "قصيرة" (جندزاير 1996). ولقد حرّضت الحرب أتباع الرئيس السابق كميل شمعون ضدّ جبهة معارضة غير متجانسة يدعمها "مسلمون حضريون من الطبقة الدنيا شعروا بأنَّ مجتمعهم الذي باتَ يُشكّل أغلبية سكّان لبنان يعاني من التمييز والفقر من قِبَل الحكّام الأثرياء في البلد وأغلبيتهم من المسيحيين" (أوين 1970، 28). ورغم أنَّ العامل الدافع المباشر الذي أثار الصراع كان مرتبطًا بقرار شمعون بالترشّح لولاية ثانية خلافًا للدستور، الواقع أنَّ الشرارة التي أشعلت العداوة كانت نابعة من الفروقات الحادّة الاجتماعية-الجغرافية والطائفية التي أنتجتها الفترة الانتقالية بعد الاستقلال إلى النموذج الاقتصادي المسمّى "الجمهورية التجارية". انبثقَ هذا النموذج عن زخم التوجّه الاقتصادي المنفتح والمتحوّل إلى القطاع الثالث، الذي منحته سلطات الانتداب إلى دولة لبنان الكبير، والذي كانَ يهدف إلى توطيد الدور الوسيط لبيروت بصفتها محورًا إقليميًا بارزًا للتجارة الدولية والقطاع المالي والسياحة. وشملت الوسائل التي تمّ بها تنفيذ هذا النموذج، على أساس اعتماد سياسات اقتصادية حرّة، الضرائب المخفّضة على رأس المال والسلع والرسوم الجمركية، بالإضافة إلى السياسات الخاصّة للعملات والمصارف التي تعزّز الاستقرار النقدي والجذب السريع لكميات كبيرة من رؤوس الأموال الأجنبية. وتزامنَ ذلك مع تركيز الجزء الأكبر من الاستثمارات العامّة لصالح تطوير مرافق الاتّصالات والسياحة والنقل الدولي على حساب الصناعة والزراعة، ومن خلال تلزيم الجزء الأكبر من الخدمات الاجتماعية للقطاع الخاصّ (غايتس 1998). وكما تُشير كارولين غايتس، فإنَّ اختيار هذا التوجّه الاقتصادي ارتبطَ بشكلٍ وثيق بموقع القمّة الذي أصبحت تشغله الأوليغارشية التجارية-المالية، التي نشأت خلال الثلاثينيات والأربعينيات، في البنية السياسية للبنان المستقلّ. وجاءت المساهمة الرئيسية الثانية من السياق الإقليمي المناسب بشكل خاصّ، إذ أدّى ازدهار قطاع النفط في الخليج، وعزل ميناء حيفا، وظهور الأنظمة العربية القومية في الجمهوريات المجاورة، إلى خلق الظروف المؤاتية لتدفّق رؤوس الأموال والسلع إلى بيروت (غايتس 1998، 80-85). وكانت النتيجة عشر سنوات من النموّ الاقتصادي السريع، الذي ظلّت ثماره موزّعة بشكل غير متكافئ للأسف بين الطبقات والطوائف والمناطق الجغرافية. والثمن الأعلى دفعته المناطق الريفية ذات الأغلبية المسلمة في البقاع والجنوب والشمال، التي عانت أيضًا من ثغرات تعليمية وإنمائية كبيرة مقارنةً ببيروت وجبل لبنان بغالبيته المسيحية، حيث كانت تتلاقى معظم الاستثمارات والفوائد الجانبية للجمهورية التجارية. علاوةً على ذلك، وبما أنَّ زراعة الكفاف شهدت تراجعًا مطّردًا، فشلَ النظام الاقتصادي الجديد في إنتاج سوق عمل متنوّع وديناميكي بما يكفي لاستيعاب سكّان الأرياف الذين ينزحون كلّ عام إلى العاصمة بحثًا عن فُرَص أفضل.

وسط هذه الظروف، أدركَ فؤاد شهاب تمامًا أنَّه ما كانَ من الممكن تحقيق أيّ سلام اجتماعي وسياسي بدون تنفيذ سياسات اقتصادية مستدامة وإنمائية وقائمة على مبدأ إعادة التوزيع. ومن هذا المنطلق، تمّ طرح عدد من البرامج الطموحة للتنمية الريفية، مصحوبة بمجموعة من أعمال البنى التحتية التي أتت بالمرافق الأساسية (الشوارع والكهرباء والمياه) والهياكل الصحّية والتعليمية إلى المناطق الطرفية المحرومة. وقد حدثت هذه المبادرات بالتوازي مع تعزيز نظام التعليم العالي العام والإصلاحات الكبرى في الإدارة العامّة، التي لعبت دورًا محوريًا في الارتقاء الاجتماعي ودخول جزء متّسق نسبيًا من السكّان المسلمين إلى أجهزة الدولة (طرابلسي 2012، 140-41).

تجدرُ الإشارة إلى أنَّه للاحتفاظ بالسيطرة الكاملة على الدولة والمجتمع ولبناء قاعدة موالية قوية، استخدمَ فؤاد شهاب أجهزة المخابرات بشكل واسع (ما يسمّى بالمكتب الثاني) منذ اليوم الأوّل من رئاسته للتوغّل إلى هياكل المجتمع المدني والتلاعب بالانتخابات وضبط المعارضة السياسية. واقترنَ ذلك بإنشاء جهاز بيروقراطي-إداري موازٍ حقيقي تحت السيطرة الرئاسية المباشرة، للالتفاف على تدخّل التكنوقراطيين المرتبطين عضويًا بزعماء المعارضة. أخيرًا، لتعزيز سيطرته الانضباطية على البرلمان وعلى الشارع، دمجَ الرئيس في الجهاز الحاكم بعد الحرب، قوى المعارضة الشعبية الرئيسية المنبثقة عن الحرب، وأبرزها حزب الكتائب والحزب التقدّمي الاشتراكي، الأمر الذي رسَّخَ الحضور في السياسة البرلمانية اللبنانية (طرابلسي 2012، 138-40).

وتتوّجت محاولة شهاب لإعادة تعديل النظام اللبناني في العام ١٩٦٤ بترشيد وإصلاح النظام المصرفي والنقدي اللبناني، والأهمّ من ذلك، إقرار قانون الضمان الاجتماعي، الذي قدَّمَ للبلد أخيرًا مجموعةً أساسية من التقديمات والمؤسّسات التي تهدف إلى تزويد جميع أصحاب الأجور بالتأمين الصحّي، ومعاشات التقاعد، ومجموعة شاملة من المخصّصات. ومن وجهة نظر عمّالية، أصدرَ الرئيس أيضًا قانونًا بشأن عقود العمل الجَمَاعية، ممّا يعكس مرّة أخرى الطبيعة المزدوجة لنظامه، بينما يُنظِّم أخيرًا العلاقات بين العمّال ورجال الأعمال والدولة، ويضع أيضًا الخلاف العمّالي تحت سيطرة الدولة المُحكمَة (طرابلسي 2012، 139).

لم تبقَ الحركة العمّالية اللبنانية بمنأى عن هذه التغييرات العميقة. فكانَ التطوّر الرئيسي في هذه الفترة تكوين فسحة مؤاتية من الفُرَص للنقابات اليسارية لتلتحق مؤقّتًا بهيمنة النقابات المتّحدة. وارتكزَ الشرط التمكيني الأوّل على الإجماع المتجدّد الذي شهده الكمّ المتزايد من الجماعات اليسارية اللبنانية في أعقاب المشاركة في الحرب. تضمّنت هذه المجموعات الحزب الشيوعي اللبناني، ومجموعة متنوّعة من المنظّمات القومية العربية (أبرزها الحركة الناصرية والبعثيون وحركة القوميين العرب)، وعلى رأسها، حزب كمال جنبلاط التقدّمي الاشتراكي، الذي قدَّمَ اندماجه في الجهاز الحاكم الشهابي هامشًا أوسع من المناورة السياسية للقوى اليسارية.

ظهرت أولى ثمار هذا المناخ السياسي الجديد بالفعل في العام ١٩٦٠ عندما نجحَ الشيوعي السابق وعضو الحزب التقدّمي الاشتراكي أسعد عقل أوّلًا في تولّي قيادة اتّحاد الكهرباء والمواصلات في بيروت، وبعد ذلك في تعزيز انشقاقه عن النقابات المتّحدة، في ظلّ موجة ضخمة من التحرّكات التي هزّت قطاع الإسمنت وقطاعات النقل والمياه والكهرباء والاتّصالات. وحدثَ سيناريو مشابه في نقابات عمّال سكّة الحديد، وإدارة حصر التبغ والتنباك، ومرفأ بيروت، وشركة النفط العراقية، التي توجّهت لتشكيل  اتحاد النقابات العمالية للمصالح المستقلة والمؤسسات العامة ( اتحاد المصالح المستقلة ) بقيادة الحزب التقدّمي الاشتراكي. وفي النهاية، غادرَ حوالي ٤٥۰۰ عامل النقابات المتّحدة، من إجمالي ١١٠٠٠ تقريبًا (بويري 1986 II، 188-191 و202-203). وعلى نفس القدر من الأهمية، في العام ١٩٦٢، وبفضل تعيين جنبلاط وزيرًا للداخلية، تمّ استغلال قانون جديد خاصّ بالأحزاب السياسية لإضفاء الشرعية على جبهة التحرّر العمّالي، وهو اسم مستعار للحزب يهدف إلى العمل كصورة رمزية قانونية للائتلاف غير الرسمي لـلاتّحادات اليسارية التي تتكوّن من اتّحاد نقابات مُستخدَمي وعمّال لبنان، و اتحاد المصالح المستقلة، واتّحاد نقابات العمّال والمُستخدَمين في الجنوب (اتّحاد الجنوب) المنشأ حديثًا، وهي منظّمة مهنية مشتركة ذات توجّه ناصري مقرّها صيدا ويقودُها معروف سعد (بويري 1986 II، 222-223). في مواجهة هذه التطوّرات المتسارعة، لم يبقَ خوري وشهاب مكتوفي الأيدي. فبعد فترة وجيزة من الانشقاقات المذكورة، تمّ اتّخاذ عدد من المبادرات، بالتعاون مع المكتب الثاني، للتدخّل في انتخابات العديد من الهيئات النقابية، ونجحوا في منع استيلاء اليسار عليها. وتمكَّنَ الإثنان أيضًا من تعزيز الانقسام المضاد السريع لفروع الموظّفين الإداريين في العديد من النقابات إلى مكاتب مستقلّة التحقت مجدّدًا بالنقابات المتّحدة (بويري 1986 II، 214-215). وكانت الضربة الكبرى الأخرى لاتّحاد المكاتب المستقلّة هي ولادة اتحاد نقابات مستخدمي وعمال البترول في لبنان في العام ١٩٦٤. فجمعَ الاتّحاد كلّ النقابات التسع المرخّصة لقطاع البترول، وأبصرَ النور على أثر موجة تحرّكات كبيرة أخرى اندلعت في ربيع السنة نفسها (بويري 1986 II، 234-235). ترأّسَ الاتّحاد جورج صقر، الممثّل البارز لجيل جديد من القادة النقابيين الإصلاحيين، الذي بدأ في نفس الفترة بكسب ثقة العمّال والجهاز الشهابي والسفارة الأميركية على حدّ سواء. وكانَ أنطوان بشارة قائدًا بارزًا آخر، وهو أمين سرّ نقابة موظّفي المرفأ، واستطاعَ بين عامَيْ ١٩٦٤ و١٩٦٦ أن يدعم انفصال خمس نقابات إضافية من اتّحاد المكاتب المستقلّة، إلى جانب الحصول على ترخيصٍ لاتّحادٍ موازٍ إصلاحي جديد، وهو الاتحاد العمالي للمصالح المستقلة والمؤسسات العامة والخاصة في لبنان (قردحجي 2015، 173). ولعبَ ذلك دورًا مهمًّا في وضع حدّ مؤقّت لتوسّع النفوذ اليساري. ومع ذلك، فإنَّ الأزمة الاجتماعية-الاقتصادية والسياسية القادمة ستقلب الطاولة قريبًا مرّة أخرى.

٢.٣- التعمّق في الأزمة الاجتماعية: توحيد الحركة النقابية العمّالية ونقاط قوّتها وتناقضاتها

على الرغم من التحرّكات والتطوّرات المذكورة أعلاه، تميّزت سنوات رئاسة فؤاد شهاب بفترة سلام نسبي في المجالَيْن العمّالي والاجتماعي. يُعزى هذا السلام في الأساس إلى مستويات التضخّم المنخفضة، والنموّ الاقتصادي المعمّم الذي شهده البلد، والذي بدأت ثماره، بفضل الإصلاحات، تبلغ أخيرًا المناطق والشرائح الاجتماعية التي كانت مهمّشة في السابق. علاوةً على ذلك، أدّى التوسّع المستمرّ في القطاع الثالث إلى تشكيل مجموعة متنوّعة من النقابات الجديدة لذوي المِهَن الإدارية، مقابل الركود في نموّ نقابات العمّال اليدويين، الأمر الذي أمَّنَ تدفّقًا مستمرًّا للمنتسبين الجدد إلى النقابات المتّحدة، وبالتالي حافظت على موقعها المهيمن. وتمَّ التأكيد على موقع القوّة هذا من خلال الموافقة من دون منازع على خوري كرئيس للاتّحاد العمّالي العام في لبنان في الانتخابات الداخلية لعام ١٩٦٤، على الرغم من قانون الاتّحاد الذي ينصّ على تناوب القيادة بين النقابات المنتسبة.

وبدأَ هذا السيناريو يتغيّر جذريًا اعتبارًا من أواخر الستّينيات. في العام ١٩٦٦، سقطت المؤسّسة الائتمانية الرئيسية في لبنان، بنك إنترا، ممّا أدّى إلى تسارع حادّ في التغلغل المباشر لرؤوس الأموال الأجنبية في القطاعات الأساسية للاقتصاد اللبناني. وتداخلت هذه العملية مع الآثار الجانبية المدمّرة لبرامج شهاب للتنمية الريفية، والتي رغم النوايا الحسنة، ساهمت في ظهور الأعمال التجارية الزراعية الاحتكارية في جميع أنحاء المناطق الطرفية في لبنان، وبالتالي تسارعت وتيرة التفكّك المتواصل للعالم الريفي. وأخيرًا وليس آخرًا، على خلفية التضخّم المتصاعد، وصلَ سوق العمل الرسمي اللبناني إلى مرحلة التشبّع، وفشلَ في توفير وظائف كافية ومناسبة للأعداد الكبيرة من الفلّاحين المعدمين الذين أنتجتهم الأزمة الريفية، والخرّيجين الشباب من أصل شعبي الذين أنتجتهم الطفرة التعليمية (نصر 1978). وتفاقمَ تأثير الأزمة الاجتماعية-الاقتصادية من خلال الاستعادة التدريجية للسلطة السياسية من قِبَل المعارضة المُناهِضة للرئيس شهاب، التي أغلقت بشكل نهائي مرحلة إعادة التوزيع التي أطلقها فؤاد شهاب، وأخضعت مرّة أخرى السياسات الاقتصادية اللبنانية لطموحات الأوليغارشية التجارية/المالية التي تسيطر على الاقتصاد الوطني (طرابلسي 2012، 144–45). وأدّى ذلك إلى انفجار أوسع وأطول موجة صراع عمّالي شهدها تاريخ لبنان المستقلّ، التي أصابت جميع القطاعات الاقتصادية والأنشطة الإنتاجية بشكل شامل. وعلى نفس القدر من الأهمية، ساهمت المحفّزات والضغوط الشائعة بشكل متزايد في تمهيد الطريق أمام التضافر التدريجي للنضالات العمّالية حول مجموعة أساسية من المطالب المشتركة، وصولًا إلى توحيد الحركة النقابية بأكملها تحت راية الاتّحاد العمّالي العام في لبنان. وعلى وجه الخصوص، كان العبئان الأساسيان اللذان أثّرا على جميع أصحاب الأجور اللبنانيين هما مسألة تصحيح الرواتب بما ينسجم مع الارتفاع الكبير في كلفة المعيشة، والعرقلة المستمرّة التي تُمارسها أوساط الشركات اللبنانية ضدّ التطبيق التنفيذي لقانون الضمان الاجتماعي، من خلال مجموعة متنوّعة من المبادرات التخريبية، وأهمّها المقاطعة المُنظَّمة والامتناع عن تسديد الرسوم المستحقّة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والتطبيق الممنهج للصرف الجَمَاعي للتهرّب من دفع التعويضات المستحقّة للعمّال، ومجموعة متنوّعة من مبادرات الضغط (طرابلسي 2012، 146).

وانطلاقًا من هذه الخلفية، فإنَّ فكرة توحيد الحركة النقابية ضمن اتّحاد واحد بدأت تندرج، منذ أواخر العام ١٩٦٧، في إطار المجلس الأعلى للنقابات العمّالية. تأسَّسَ المجلس في الربيع كمنصّة تنسيق غير رسمية تجمع كلّ الاتّحادات النقابية التسعة المرخّصة لوضع جدول أعمال مشترك للمطالب استجابةً للوضع الاقتصادي المتدهور (بويري 1986 II، 298-299). وشملَ ذلك أيضًا الاتّحادات اليسارية الثلاثة التي تمكّنت أخيرًا في العام ١٩٦٦ من الحصول على الترخيص بفضل تعيين الجنبلاطي جميل لحود وزيرًا للعمل. تمّ إطلاق اقتراح التوحيد في البداية من قِبَل غابريبل خوري الذي رأى في المشروع وسيلة قوية لحماية حقوق العمّال بشكل أفضل، ومناورة استراتيجية للحفاظ على موقعه المهيمن في مواجهة الحركة اليسارية المتصاعدة والجيل الجديد من القادة الإصلاحيين الذي يجسّده كلٌّ من صقر وبشارة. أُنجِزَت عملية التوحيد بعد مفاوضات طويلة في ٢٢ نيسان/أبريل ١٩٧٠، حيث تمّ قبول جميع الاتّحادات النقابية المرخّصة رسميًا كأعضاء كاملي العضوية في الاتّحاد العمّالي العام. وقوبلت المفاوضات بمعارضة شديدة من الحرس القديم للاتّحادات المؤسّساتية/اليمينية التي رفضت قبول النقابات اليسارية كأعضاء. والسبب الذي أدّى إلى تغيير موقفهم هو التقاء اليسار والتيّار الإصلاحي الجديد في العام ١٩٦٩ حول مشروع إعادة تنظيم الهيكل النقابي اللبناني على أسُسُ صناعية كانَ من شأنه، إذا تمّت الموافقة عليه، أن يحوّل ميزان القوى لصالحهم، لأنَّهم يُشكِّلون قاعدة الاتّحاد المؤسّساتي الذي يتألّف في معظمه من الجمعيات الحرفية أو من جمعيات أصحاب المهن الإدارية أو اليدوية بصفتها التمثيلية الضئيلة (بويري 1986 II، 351-368).

لعبَ توحيد الحركة النقابية اللبنانية بلا شكّ دورًا بارزًا في التنسيق وتضافر الجهود بين أصحاب المهن الإدارية واليدوية حول أجندة مشتركة تُطالِب أوّلًا وقبل كلّ شيء بتعديل الأجور بحسب تكلفة المعيشة، إضافةً إلى تطبيق قانون الضمان الاجتماعي. كذلك، وبفضل دخول الحركة اليسارية، استطاعَ الاتّحاد العمّالي العام استيعاب عدد من النضالات التي ظلّت حتّى آنذاك على هامش الأجندة النقابية الرسمية، مثل الحقّ في الإسكان، واستفادة المزارعين من تقديمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وإلغاء المادّة ٥۰ من قانون العمل التي تسمح بالفصل التعسّفي. ولكنْ من ناحية أخرى، أدّت الهيمنة العددية للاتّحادات اليمينية بسرعة إلى إحداث حلقة مفرغة سياسية حيث كانَ التهديد بالإضرابات العامّة يسمح للاتّحاد العمّالي العام بالمساومة باستمرار مع الدولة، إنَّما لم يعد هذا الخيار متاحًا بعد تحقيق المكاسب الاقتصادية الضئيلة الأولى، تاركًا جميع القضايا المتعلّقة بحقوق العمّال بدون معالجة (طرابلسي 2012، 166-67). وتمّ ضمان هيمنة الاتّحادات الفيدرالية اليمينية من خلال اعتماد منطق تمثيلي داخلي تحت شعار "اتّحاد واحد، صوت واحد"، ممّا أدّى إلى قلب ميزان القوى الداخلي لصالح القوى المُحافِظة على الرغم من التمثيل الأكبر لليساريين والإصلاحيين. وسرعان ما تسبَّبَ ذلك بأزمة شرعية عميقة للاتّحاد العمّالي العام في نظر مجموعات العمّال المأجورين الأكثر تضرُّرًا من الأزمة. وعشية الحرب الأهلية، نقلت هذه الأزمة الصراع العمّالي إلى الشوارع مباشرةً وقلبته ضدّ الاتّحاد العمّالي العام نفسه.

 جريدة النهار في ١٣ تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٧٢ ، الإضراب العام في لبنان. مصدر الصورة: https://bit.ly/3fMiwsV

٣.٣-مقاومة الأزمة الاجتماعية: صراع عمّالي خارج النقابات

إلى جانب تنوّع العمّال الحضريين أصحاب الأجور الذين يمثّلهم الاتّحاد العمّالي العام، أدّت الأزمة الاجتماعية-الاقتصادية في أواخر الستّينيات إلى تحرّك اجتماعي مطوَّل وجدلي لعدد من المجموعات العمّالية التي ناضلت ونظّمت صفوفَها خارج الإطار النقابي الرسمي. وكانت إحدى الجبهات الأكثر سخونة هي جبهة الفلّاحين. نشأت أوّل حركة كبرى بين عامَيْ ١٩٦٤ و١٩٦٥ بين مزارعي التفّاح في جبل لبنان الذين كانوا أوّل من عانى من عواقب الانتقال المبكر إلى الأعمال التجارية الزراعية الاحتكارية. واندلعت شرارة التحرّك بسبب أزمة في صادرات التفّاح، استُغِلَّت من قِبَل كارتل المحتكِرين الذين تحّكموا بسوق التفّاح ومرافق الزراعة والتخزين لدفع أسعار الشراء إلى الانخفاض إلى مستويات بالكاد تكفي للاستمرار. وفي العام ١٩٦٥، حظيَ تحرّكهم بالدعم النشط من التحالف الناشئ للقوى اليسارية المكوّن من الشيوعيين والقوميين العرب والحزب التقدّمي الاشتراكي. وبلغَ ذروته في شهر أيلول/سبتمبر، حيث تمكّنت تظاهرة تضامنية نُظِّمت في بتخناي (عاليه) من حشد ما قاربَ العشرة آلاف مشارك. وبذلك، انتقلَ الحراك مباشرةً إلى قلب الجدل السياسي الوطني، ممّا مهَّدَ الطريق للانقسام بين اليمين واليسار في موازاة تطرّف واستقطاب الأطياف السياسية اللبنانية (بتران 1987، 82-83؛ طرابلسي 2012، 146-47).

وانفجر الجزء الأكبر من التحرّكات الزراعية منذ العام ١٩٦٩ فصاعدًا، حيث وصلت آثار الأزمة الريفية ونزعة الأعمال الزراعية الاحتكارية الناشئة إلى باقي مناطق لبنان الطرفية. في الشمال، تمثَّلَ أهمّ تحرّك في انتفاضة المزارعين المستأجرين في عكّار ضدّ ظروف العمل شبه الإقطاعية التي فرضها مالكو العقارات الغائبون فضلًا عن الموجات المطوَّلة من الإخلاءات القسرية التي تعرّضوا لها مع بدء بيع الأراضي بشكل مكثّف إلى أصحاب المشاريع الزراعية. وبحلول نهاية العام ١٩٧۰، اتّخذت الانتفاضة شكل تمرّد مسلّح حقيقي، بدعمٍ من الفرع اللبناني لحزب البعث السوري الذي كانَ منذ اليوم الأوّل يمثّل الحليف السياسي الرئيسي للمزارعين المستأجرين (بتران 1987، 132–34). وفي الجنوب، كانَ جوهر المعارضة متمثّلًا بالآلاف من مزارعي التبغ العاملين تحت المظلّة الاحتكارية لإدارة حصر التبغ والتنباك التي أصبحت على مرّ السنين قاعدة زبائنية بارزة للزعماء المحلّيين. وكانَ المطلب الرئيسي للمزارعين هو تحديد أسعار شراء أفضل، وتوزيع تراخيص الزراعة بشكلٍ أكثر إنصافًا بين المزارعين، والتأميم الكامل لإدارة حصر التبغ والتنباك، وإدخال المزارعين إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والاعتراف بالحقّ في تكوين النقابات. وأخيرًا وليس آخرًا، ظهرت في البقاع حركة قوية أخرى ضدّ سياسات المضاربة التي كانت تنتهجها الاحتكارات غير الرسمية التي تُدير مرافق الزراعة وسياسات الإيجار التي فرضَها مالكو الأراضي الغائبون. وبنفس الدرجة من الأهمية، ونظرًا لارتباطهما العضوي بالشيوعية، بدءًا من أوائل السبعينيات، انخرطت الحركتان في عملية تأسيسية مهمّة أدّت، في عامَيْ ١٩٧٣ و١٩٧٥، إلى إنشاء الاتّحاد العام لمزارعي التبغ واتّحاد فلّاحي ومزارعي البقاع على التوالي. كما عُقدت عدّة مؤتمرات للفلّاحين والمزارعين بهدف تنسيق الجهود حول أجندة سياسية ومطلبية مشتركة (طرابلسي 2012، 165-66؛ بتران 1987، 135-38).

وإلى جانب الفلّاحين، كانَ القطاع العام قوّة مهمّة أخرى تحرّكت خارج الإطار النقابي الرسمي. حدثَ أوّل تحرّك كبير خلال صيف عام ١٩٦٦ عندما استطاعَ موظّفو القطاع العام، بعدَ إضرابٍ حاشد، تحصيل عملية تصحيح للرواتب بنسبة ٦.٨٪ وزيادة الحدّ الأدنى للأجور (طرابلسي 2012، 146). وكانَ التحرّك الأهمّ هو موجة الإضرابات المفتوحة التي نظَّمَها ١٦۰۰۰ معلّم بالمدارس الرسمية طوال شتاء ١٩٧٢-١٩٧٣. جرَت الجولة الأولى في شهر تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٧٢ للمطالبة برواتب أعلى والحقّ في تكوين النقابات. ثمَّ استُؤنِفَ الإضراب المفتوح في كانون الثاني/يناير ١٩٧٣، على أثر فشل الحكومة في تنفيذ مطالبهم. وردَّ وزير التربية على هذه الموجة الثانية من الإضرابات بإقالة جَمَاعية لأكثر من ٣٠٠ أستاذ متَّهمين بقيادة الاحتجاجات. وأثارَ ذلك موجة من التظاهرات الساخطة والتضامنية في جميع أنحاء البلد، في وقت بلغت المعارضة الطلّابية والعمّالية ذروتَها. ومع ذلك، ظلّت مطالب المعلّمين من دون معالجة (طرابلسي 2012، 171).

وكانت الواجهة العمّالية الحضرية الأكثر تشدُّدًا في هذه الفترة هي الطبقة الجديدة من العمّال الشباب الذين أنتجتهم الطفرة الصناعية التي شهدَها البلد منذ نهاية الستّينيات. ومن أبرز المواضيع التي عبّروا عنها، ظروف العمل المزرية والاستغلال المفرط الذي تعرّضوا له، وهما مسألتان لم تنجح النقابات العمّالية الصناعية القائمة والاتّحاد العمّالي العام في تقديم استجابات مناسبة لهما. وانطلقت عملية تحرّكهم المفرط من خلال منظّمة العمل الشيوعي في لبنان (OCAL) التي شاركت منذ العام ١٩٧۰ في عملية تنظيم نضالية للعمّال على شكل لجان عمّالية، وهي منصّات تنظيمية قاعدية غير رسمية وشبه سرّية تهدف إلى تحسين ظروف العمّال من خلال وسائل العمل المباشر (توفارو 2020). وشملَ مجال نضالهم جميع جوانب حياة الطبقة العاملة، من إلغاء المادّة ٥۰ والحقّ الكامل في إنشاء النقابات، وزيادة الرواتب واحترام حقوق الضمان الاجتماعي، وصولًا إلى الحقّ في الإسكان. وتجسَّدَ ظهورُهم على الساحة السياسية الوطنية في ١١ تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٧٢، حيث لجأ  الجيش إلى أسلوب القمع العنيف للتصدّي لإضرابٍ مفاجئ تمَّ تنظيمه في مصنع غندور للشوكولاتة والحلويات، ممّا أسفرَ عن مقتل شخصَيْن وسقوط عشرات الجرحى. وجاءَ ردّ الفعل الشعبي على المجزرة - كما وصفتها الصحافة – جارفًا. في الأيّام التالية، عمّت البلد تحرّكاتٌ حاشدة للمطالبة بالعدالة والمحاسبة السياسية. وبنفس القدر من الأهمية، عمدَ الاتّحاد العمّالي العام، مدفوعًا بالضغط الشعبي، إلى الدعوة أخيرًا إلى إضراب عام، فسُجِّلَ التزامٌ واسع النطاق على مستوى الوطن. لكنْ، لم يكن هذا الضغط الشعبي والسياسي غير المسبوق كافيًا لمعالجة مطالب عمّال شركة غندور (طرابلسي 2012، 166-67). من ناحية أخرى، أدّى موقف الدولة القمعي في نهاية المطاف إلى زيادة التشدُّد في الصفوف وترسيخ قاعدة اللجان. وما زادَ هذا الزخم هو الموقف المتردّد الذي اتّخذه الاتّحاد العمّالي العام في ظلّ تدهور الظروف الاجتماعية-الاقتصادية والقبضة الحديدية المطوّلة التي استمرّت الدولة في استخدامها ضدّ العمّال. وقبل عشرة أيّام فقط من الإقالة الجَمَاعية لمعلّمي المدارس في كانون الثاني/يناير ١٩٧٣، تمّ اللجوء إلى أسلوب القمع العنيف للتصدّي لاحتجاج مزارعي التبغ في مصنع تابع لإدارة حصر التبغ والتنباك في كفر رمّان، بالقرب من النبطية. علاوةً على ذلك، فإنَّ معظم القضايا العمّالية المشتركة المطروحة كانت لا تزال من دون معالجة، وظلّت الزيادات التي تحقّقت على الرواتب غير كافية على نطاقٍ واسع إزاء معدّل التضخّم.

بلغَت أزمة شرعية الاتّحاد العمّالي العام ذروتَها في الأشهر الأولى من العام ١٩٧٤. جاءَ التحدّي الرئيسي الأوّل من اللجان العمّالية، التي ردّت، في ٦ شباط/فبراير، على التأجيل المتكرّر للإضراب العام في آخر لحظة، بإضرابٍ حاشد ومفاجئ أدّى إلى شلّ الحركة تمامًا في منطقة المكلّس الصناعية لمدّة يومَيْن. وفي ٢ نيسان/أبريل ١٩٧٤، تمّ الإعلان عن إضراب عام من جانب واحد من قِبَل الاتّحادات اليسارية، سبقته تظاهرة كبيرة احتجاجًا على التضخّم الحاصل. ومهَّدَ ذلك الطريق لتحقيق أولى الانتصارات الكبرى، بدءًا من الإصلاح الجزئي للمادّة ٥۰ وإدخال الفلّاحين إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (توفارو 2020، 31-32). غير أنَّ اندلاع الحرب الأهلية في نيسان/أبريل ١٩٧٥ أدّى إلى تغييرٍ جذري في وتيرة هذه الإنجازات.

٤- الحركة العمّالية خلال الحرب الأهلية اللبنانية: من المفاوضة الجَمَاعية إلى المقاومة المدنية

١.٤- الحرب الأهلية وإعادة تشكيل النسيج اللبناني الاجتماعي-الاقتصادي والسياسي

في ١٣ نيسان/أبريل ١٩٧٥، شكّلت الحادثة التي تُعرَف بـ"حادثة عين الرمّانة" البداية الرسمية للحرب الأهلية اللبنانية. قبل التصعيد الذي أعقبَ هذه الحادثة، أدّى قمعٌ وحشيّ آخر ضدّ إضراب الصيّادين من قِبَل الجيش اللبناني قبل شهرَيْن في صيدا إلى نقل نضال الصيّادين مباشرةً إلى حلبة المواجهة السياسية. كانَ الصيّادون يُعبِّرون بشكل أساسي عن معارضتهم لمشروعٍ يقضي بمنح الحقّ الاحتكاري للصيد في المياه الإقليمية إلى شركة خاصّة تُدعى "بروتين"، يقع مقرُّها الرئيسي في عاصمة خليجية، وكانَ الرئيس السابق كميل شمعون المُساهِم الأكبر فيها. شكَّلَ المشروع تناقضًا صارخًا مع قرارٍ اعتُمِدَ في العام ١٩٧٢ لإنشاء آلية لتعاونيات الصيد من أجل ضمان التوظيف والعمالة اللائقة للصيّادين وتحديث القطاع (بتران 1987، 163). تمّ تنظيم الإضراب في ٢٦ شباط/فبراير ورافقته تظاهرة حاشدة في صيدا، شاركت فيها جميع القوى الوطنية اليسارية والتقدُّمية الرئيسية. وبعد تدخُّل الجيش، أصيب نحو إثني عشر شخصًا بجروح ناجمة عن أعيرة نارية، بينهم أمين عام اتّحاد الجنوب وقائد التنظيم الشعبي الناصري معروف سعد، الذي توفّي متأثّرًا بجراحه. وأدّى ذلك إلى تصعيد التوتّر بين الصيّادين والحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية من جهة، والجيش والكتائب من جهة أخرى، الأمر الذي أنذرَ بـ"العديد من المكوّنات الداخلية التي أشعلت فتيل الحرب الأهلية" (بتران 1987، 167).

أدّت الحرب الأهلية اللبنانية إلى تغيير عميق في النسيج اللبناني الاجتماعي-الاقتصادي والسياسي. وكانَ القطاع الصناعي الآخذ في التوسّع هو أوّل المتضرّرين، حيث أصبحت ضواحي بيروت التي تركّزت فيها معظم الصناعات، ساحة حرب رئيسية في المرحلة الأولى من النزاع. كذلك تأثّرت حركة الفلّاحين التي تعطّلت جرّاء الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان والقتال والاحتلال العسكري في المناطق الريفية.

واعتبارًا من أواخر السبعينيات، اتّخذت الحرب الأهلية اللبنانية منحًى طائفيًا ثابتًا، بالتوازي مع التقسيم الكانتوني التدريجي لأرض الوطن إلى مجموعة من الجيوب الطائفية المتجانسة الخاضعة لسيطرة الميليشيات، التي استولت تدريجيًا على التنظيم المباشر للخدمات الإدارية والبنية التحتية، والأنشطة الاقتصادية الرئيسية والموارد في مناطق نفوذها. ومهَّدَ ذلك لظهور اقتصاد مضاد ميليشياوي حقيقي يجمع بين تراكم رأس المال البدائي من خلال وسائل الأنشطة غير المشروعة (التهريب والابتزاز وفرض الضرائب المضادة) مع إعادة استثماره في أعمال تجارية رسمية مُربحة (بيكارد 2005).

وعلى الرغم من الدمار الواسع والاقتصاد الميليشياوي الناشئ، لم يشهد الاقتصاد اللبناني صدمات اقتصادية شديدة حتّى أوائل الثمانينيات. وكما أكَّدَ سالم نصر، فإنَّ هذا التناقض الظاهري تجلّى من خلال خمسة عوامل أساسية. الأوّل والثاني هما الكمية الكبيرة من الاحتياطيات الحكومية والخاصّة المتراكمة على مرّ السنين، التي شكّلت عنصر وقاية مهمّة ساعدَ في امتصاص الخسائر الاقتصادية الناجمة عن القتال. ثانيًا، تمكّنت الدولة رغم الحرب من تحصيل الإيرادات، وبالتالي حافظت على الحسابات الوطنية، واستمرّت في دفع الأجور وتوفير الخدمات الأساسية. كانَ العامل الأساسي الآخر هو التدفّق المستمرّ لـ "الأموال السياسية" التي قدّمتها القوى الدولية إلى الميليشيات، والتي ساهمت بطريقة أو بأخرى في الحفاظ على سلامة النظام المصرفي الوطني. ولا شكَّ في أنَّ المقاومة الفلسطينية كانت أهمّ مصدر لهذه الأموال، التي أدارت أيضًا مجموعة من المؤسّسات (مدارس، صحف، مستشفيات، وكالات إدارية، إلخ)، وقُدِّرَت مساهمتها الإجمالية بنحو ١٥٪ من الناتج المحلّي الإجمالي اللبناني. أمّا العامل الأخير فهو المساهمة الكبيرة التي قدّمتها تحويلات المغتربين اللبنانيين في الخليج، خصوصًا بعد أن زادَ عددهم في أعقاب ازدهار قطاع النفط (نصر 1990أ).

بدأت هذه الظروف المؤاتية تتلاشى، الواحدة تلو الأخرى، منذ العام ١٩٨٢ فصاعدًا. العاملان الرئيسيان اللذان ساهما في الانهيار الاقتصادي تمثّلا تحديدًا بخروج منظّمة التحرير الفلسطينية من لبنان والانهيار الحتمي لمؤسّسات الدولة، ممّا تركَ المجال مفتوحًا للميليشيات للاستيلاء على الجزء الأكبر من الموارد الاقتصادية والإدارية. وأدّى ذلك إلى زيادة مطّردة في الدين العام، الذي ارتفعَ من شبه الصفر إلى ١٤٧ مليار ليرة لبنانية في الفترة الممتدّة من عام ١٩٨٢ إلى ١٩٨٧. وتزامنت زيادة عجز الدولة مع تراجع حادّ في قيمة الليرة اللبنانية ومع دوّامة هائلة أيضًا من التضخّم. بلغَ هذا الوضع ذروتَه في عام ١٩٨٧، عندما ارتفعت كلفة المعيشة بأكثر من ٤۰۰٪ (نصر 1990 أ، 7). وكانَ لتطوّر اقتصاد الحرب تأثير كبير أيضًا على الهيكلية الطبقية اللبنانية. وظهرت كنتيجة لذلك طبقات وسطى وعليا جديدة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا باقتصاد الحرب. تضمّنت الطبقات الوسطى مجموعةً من أصحاب الوظائف الإدارية، منبثقة عن الأجهزة الإدارية والوكالات الخدماتية الميليشياوية، إضافةً إلى العدد الكبير من الوسطاء والسماسرة الصغار والمتوسّطين الذين ظهروا في أعقاب الدوائر التجارية واللوجستية الجديدة لرجال الميليشيات. وكانَ هناك قسم آخر ضمَّ الكوادر المقاتلة، التي قُدِّرَت بحوالي ٣۰ ألفًا، والتي إلى جانب الرواتب التي تتقاضاها غالبًا، كانت تستفيد أيضًا من مجموعة متنوّعة من المزايا الاجتماعية-الاقتصادية الجانبية. وفي أسفل السلّم الاجتماعي وقفَ آلاف المهجّرين نتيجة الأعمال العدائية وظاهرة "إعادة التوطين الإجباري للهويات" التي ترافقت مع فرض نظام الميليشيات، فاقتُلِعوا بشكل دائم من ديارهم الأصلية (نصر 1990ب). وأثّرت عملية إعادة التوطين بشكل كبير على صياغة الجغرافيا الطائفية للبلد، ممّا أدّى إلى اختلال مجموعة متنوّعة من التكتّلات الحضرية المختلطة التي كانت، عشية الحرب، تُمثّل حاضنة مهمّة للخلاف العابر للطوائف.

٢.٤- الاتّحاد العمّالي العام والحرب الأهلية اللبنانية: من المفاوضة الجَمَاعية إلى المقاومة المدنية

خلال فترة الحرب، وفي أعقاب التقليص الكبير لحجم المنظّمات الشعبية البديلة الذي تحدّى سلطة الاتّحاد عشية الأعمال العدائية، أصبح الاتّحاد العمّالي العام تدريجيًا القوة الرائدة بلا منازع والمحفّز الرئيسي للحركة العمّالية اللبنانية. والعاملان الرئيسيان اللذان أدَّيا إلى تقليص الحجم هما التدمير الجزئي للمجال الصناعي واختلاله، وتحويل أحياء الطبقة العاملة والمناطق الريفية إلى مناطق بارزة في المواجهة المسلّحة، الأمر الذي شكَّلَ ضربة قاسية للظروف المادّية التي سمحت بإعادة إنتاج قدرات التحرّك في فترة ما قبل الحرب. وتَمثّل السبب الرئيسي الثاني في التدهور التدريجي للثقل السياسي للمنظّمات اليسارية لصالح المنظّمات الطائفية، وعلى الأخصّ اليسار الجديد الذي أبصرَ النور في أوائل السبعينيات والذي اختفى تقريبًا بحلول النصف الثاني من الثمانينيات.

وخلال "الحرب في أوقات الرخاء"، كانَ الجزء الأكبر من أنشطة الاتّحاد العمّالي العام وبقايا لجان الفلّاحين والعمّال يدور في معظمه حول التخفيف من التداعيات الاقتصادية للأعمال العدائية التي، وإنْ كانت تحت السيطرة نسبيًا مقارنةً بالمرحلة الثانية من النزاع، إلّا أنَّها أثّرت على متوسّط ظروف معيشة العمّال اللبنانيين. تطوّرت منهجيات النضال والأجندات المطلبية والعلاقات بين القطبَيْن إلى حدّ كبير، في امتدادٍ وثيق لفترة ما قبل الحرب، بما في ذلك الموقف الحَذِر للاتّحاد العمّالي العام تجاه اللجوء إلى الإضرابات العامّة. وهذا لم يمنع الاتّحاد العمّالي العام حتّى العام ١٩٨٢ من تحصيل زيادات متتالية في الحدّ الأدنى للأجور بما يتناسب مباشرةً مع ارتفاع معدّل التضخّم. كذلك، استطاعَ الاتّحاد العمّالي العام أيضًا إحراز محطّات قطاعية مهمّة، مثل توسيع نطاق حماية الضمان الاجتماعي ليشمل سائقي سيّارات الأجرة. أخيرًا وليس آخرًا، استمرّت الإضرابات الدورية للمؤسّسات والقطاعات والتحرّكات الفردية بالتزامن مع ظهور وظائف محدّدة.

وهناك عنصر آخر مهمّ من العناصر التي شكّلت استمراريةً مع فترة ما قبل الحرب، وهي محاولات استقطاب الهيئات الإدارية لـلاتّحاد العمّالي العام من قِبَل القوى السياسية الحاكمة. وحدثت مواجهة كبيرة في هذا الصدد خلال انتخابات الاتّحاد العمّالي العام للعام ١٩٨٣.

وبحلول موعد الانتخابات، كانَ أمين الجميّل قد خلفَ للتوّ شقيقَه بشير كرئيس للجمهورية ولحزب الكتائب، إثر اغتيال بشير بعد ثلاثة أسابيع فقط من انتخابه رئيسًا. وخلال المرحلة السابقة للانتخابات، مارسَ الجميل ضغوطًا شديدة لصالح رفيقه في الحزب جوزيف نصر ليتمّ انتخابه أمينًا عامًّا للاتّحاد العمّالي العام، في إطار خطّة الكتائب الرامية إلى توسيع نطاق سلطتها على أجهزة الدولة (طرابلسي 2012، 220-22) . وأثارَ ذلك قلق النقابات اليسارية التي انخرطَ نظراؤها السياسيون بشكلٍ كامل في المقاومة المسلّحة ضدّ الاجتياح الإسرائيلي. لكنَّ اندلاع الأزمة الحكومية عشية الانتخابات غيَّرَ أولويات الرئيس، ممّا وفَّرَ ظروفًا مؤاتية للانتخاب الحرّ للمرشّح المستقلّ أنطوان بشارة الذي يحظى بتأييدٍ واسع (صليبي 1999، 64-65).

تزامنَ انتخاب أنطوان بشارة رئيسًا للاتّحاد العمّالي العام مع التفكّك التامَ لجهاز الدولة اللبناني مقابل ازدهار نظام الميليشيات. وأنهى ذلك أيّ احتمال للتدخّل السياسي للاتّحاد العمّالي العام للمطالبة بشكل فعّال بتحسين ظروف العمّال عبر القنوات التقليدية، في وقت بدأت الأزمة الاقتصادية ببلوغ ذروتها. أسفرَ ذلك عن تحوُّلٍ تدريجي في التركيز الرئيسي لخطابه، من "النتائج الخاصّة" (التضخّم، زيادة البطالة، الفقر العام، إلخ) إلى "السبب العام"، أي الحرب وإدارتها السياسية. نتيجةً لذلك، اعتبارًا من العام ١٩٨٦، أصبحَ وقفُ الأعمال العدائية هو المطلب الأوّل للاتّحاد العمّالي العام، ممّا مهَّدَ الطريق ليصبح الاتّحاد القوّة الرئيسية لحركة المقاومة المدنية للنزاع (صليبي 1994).

تمّ تنفيذ أوّل تحرّك اجتماعي بهذا الصدد في ٣ تمّوز/يوليو ١٩٨٦، عندما أُقيمَ الإضراب الوطني العام الأوّل في سلسلة طويلة من التحرّكات المشابهة، بعد إعلان شهر تمّوز "شهر النضال الشعبي لإنقاذ لبنان من الحرب". وكانَ ذلك بمثابة خطوة تمهيدية أمام تنظيم المسيرة التاريخية الأولى على خطّ التماس (ما يُسمى بـ"الخطّ الأخضر") الذي كانَ يقسّم بيروت إلى جانبَيْن مستقلَّيْن ومتنازعَيْن لسنوات، وذلك في ١٥ تشرين الأوّل/أكتوبر ١٩٨٧. أخيرًا، في ٥ تشرين الثاني/نوفمبر، تمّ الإعلان عن إضراب عام مفتوح، ما أدّى إلى شلّ البلد لمدّة خمسة أيام. وفي الحالتَيْن، كانَ المطلب الرئيسي هو إنهاء الحرب وتشكيل لجنة خاصّة تضمّ النقابات العمّالية والمنظّمات الشريكة الاجتماعية الوطنية لإيجاد حلّ ملموس للتضخّم الهائل وصياغة تدابير مناسبة للضمان الاجتماعي (صليبي 1994). وأدّى الضغط المتزايد من جانب الميليشيات واستئناف الأعمال العدائية على نطاقٍ واسع إلى خفض وتيرة ومستوى المشاركة في التظاهرات اللاحقة، التي استمرّت حتّى تمّ التوقيع أخيرًا، في ٢٢ تشرين الأوّل/أكتوبر ١٩٨٩، على اتّفاقِ سلامٍ (يُعرَف بـ"اتّفاق الطائف").

وعلى الرغم من أنَّ هذا الاتّفاق فُرِضَ على المواطنين اللبنانيين كأمر واقع، إلا أنَّ توقيعه لاقى ترحيبًا مع بعض الحماس من قِبَل الاتّحاد العمّالي العام. ولعلّ ما أعطى الاتّحاد العمّالي العام آمالًا كبيرة كانَ، تحديدًا، إدراج مبادئ التنمية العادلة والمتوازنة بين الدعائم الأساسية للوحدة والاستقرار ضمن وثيقة هذا الاتّفاق، ليُصار إلى تحقيقها عن طريق لجنة مخصّصة تشمل الشركاء الاجتماعيين المكلّفين بتصميم السياسات الاجتماعية-الاقتصادية للبلد. انسجمَ ذلك مع المطالب التي أعلنها الاتّحاد العمّالي العام خلال التظاهرات، فاختارَ بالتالي تأييد المبادرة. لكنَّ هذا الزخم لم يُكتَب له عمرٌ طويل.

٥- الحركة العمّالية في عهد السلام السوري: من النزاع إلى الاستقطاب

١.٥- إعادة تنظيم النظام المدني اللبناني: السلام السوري وصناعة لبنان النيوليبرالي الطائفي بعد الحرب

بعد فترة وجيزة من اعتماد اتّفاق الطائف، اندلعت جولة جديدة من الاقتتال المتداخل بين الجيش الموالي للعماد ميشال عون والجيش السوري، وبين عون والقوّات اللبنانية، فاستمرَّ القتال لمدّة عام آخر. وعندما انتهت المواجهات إبّان هزيمة عون، تولّت السلطات السورية مهمّة استعادة السلم الأهلي، مُستغِلّةً دور المُشرِف الخارجي على المرحلة الانتقالية، الذي عُهِدَ إليها بموجب الاتّفاق، لإعادة تنظيم الحياة المؤسّسية في البلد من أجل الحفاظ على موقع الهيمنة الذي اكتسبته بالقوّة أثناء النزاع. مرّت عملية إعادة التنظيم أوّلًا وقبل كلّ شيء من خلال التنفيذ الانتقائي لبنود الطائف، الأمر الذي تمّ التخطيط له بشكل استراتيجي من أجل تفاقم أوجه القصور الهيكلية للترتيب الجديد لتقاسم السلطة وإبقاء سوريا في موقع الحَكَم النهائي في عملية صنع القرار (صلّوخ 2015). وشملَ هذا الزخم أيضًا عملية التسييس، أو الشطب من الأجندة السياسية، للإجراءات التي تهدف إلى تعزيز مؤسّسات الدولة وسيادتها، وتعزيز المصالحة، وتجاوز الطائفية، بدءًا من مهلة الثلاث سنوات التي حدَّدَها الاتّفاق للوصاية السورية. وعلى نفس القدر من الأهمية، تمّ استغلال تفكيك الميليشيات كمدخل لاختراق الأجهزة الأمنية اللبنانية، ومن هناك، هياكل المجتمع المدني والإعلام والقضاء. وعلى هذا النحو، تمّ التلاعب إلى حدّ كبير بالانتخابات والحرّيات المدنية والإعلامية وسيادة القانون لصالح حلفاء سوريا ولمعاقبة المعارضين، مع الحفاظ على وظائف تعدّدية معيّنة. وأخيرًا وليس آخرًا، أنذرت الأجندة السياسية السورية بتقسيمٍ للسلطات بين النخب الحاكمة، ممّا أعطى سوريا وحلفاءها السيطرة على السياسة المحلّية والخارجية، إلى جانب منح "التجّار اللبنانيين المبدعين" السيطرة على السياسة الاقتصادية.

المهندس الأكبر لإعادة تشكيل الاقتصاد اللبناني بعد الحرب كانَ الملياردير السنّي رفيق الحريري. عُيِّن رفيق الحريري أوّل مرّة كرئيس للوزراء بعد انتخابات عام ١٩٩٢ وظلَّ الشخصية الأبرز بلا منازع في الحياة السياسية والاقتصادية اللبنانية حتّى اغتياله في العام ٢۰۰٥. وعلى الرغم من علاقاته السياسية والتجارية الوثيقة مع المملكة العربية السعودية، تمكَّنَ من كسب الدعم السوري بفضل العلاقات الاقتصادية الجيّدة التي أقامها مع النظام الدمشقي في المرحلة الأخيرة من النزاع. تمثّلت رؤيته الاقتصادية للبنان ما بعد الحرب، بالدرجة الأولى، في تحديثٍ نيوليبرالي لنموذج الجمهورية التجارية، بهدف إعادة تأسيس الدور المركزي لبيروت كمركز مالي إقليمي بارز، عن طريق إعادة تهيئة البيئة المؤاتية لجذب الاستثمارات الأجنبية الخاصّة بشكل سريع. وضمن هذه الرؤية الأوسع، ركَّزَ - في سياسات إعادة الإعمار في البلد - على الاستعادة المادّية لمرافق البنية التحتية، وقبل كلّ شيء، دعم مشاريع ضخمة من الطراز الرفيع لإعادة إعمار المناطق الحضرية الاستراتيجية التي دمّرتها الحرب، عبر الشراكات بين القطاعَيْن العام والخاصّ. واكتسبت هذه السياسات بُعدًا مضاعفًا مع التحرير الكثيف للقطاع العقاري وتنفيذ آليات تثبيت سعر العملة عبر إصدار سندات الخزينة بكمّياتٍ هائلة، وفي وقتٍ لاحق سندات اليوروبوندز بمعدّلات فائدة مرتفعة جدًا. ومن ناحية أخرى، ظلَّ الإنفاق على إنعاش البنية التحتية الاجتماعية وتطوير الأنشطة الإنتاجية هامشيًا. وكانت المؤسّستان اللتان تعهّدتا إدارة هذه العملية المزدوجة هما البنك المركزي ومجلس الإنماء والإعمار، الذي هيمنَ عليه التكنوقراطيون الموالون للحريري وحصلوا على استقلالية استثنائية في اتّخاذ القرارات، على حساب الشركاء الاجتماعيين والبلديات. ولعب ذلك دورًا محوريًا في تمرير التلزيمات وتراخيص البناء لصالح المتعهّدين الذين لديهم ارتباطات سياسية، بمن فيهم الحريري نفسه، في حين تحمّلت الدولة تكلفة مخاطر الأعمال ومضاربات المتعهّدين. وكانت سيطرة الحريري على مصرف لبنان ومجلس الإنماء والإعمار جزءًا من عملية أوسع لتوزيع مؤسّسات الدولة بين النخب الحاكمة. فمن جهة، سيطرَ الحريري على المؤسّسات الاقتصادية الرئيسية، ومن جهة أخرى أُسنِدَت الوزارات الخدماتية والوكالات العامّة إلى أمراء الحرب السابقين الذين استغلّوها، في منهجيةٍ مماثلة، كأدوات للرعاية السياسية. ونتيجةً لذلك، بينما ارتفعَ الإنفاق العام بشكل كبير، كانت الأموال موجّهة في معظمها نحو التوظيف الزبائني لموظّفين جدد، عن طريق تمرير الأموال لتحقيق مكاسب فردية أو وفق منطق المحسوبية. وبنفس القدر من الأهمية، أدّى هذا التوزيع إلى زيادة إضافية في التكاليف الاجتماعية لإعادة الإعمار النيوليبرالي، في حين تُرِكَت مسألة المهجّرين بدون معالجة.

ترسّخت سياسات الحريري النيوليبرالية التي تخدم مصالحه الذاتية في أواخر التسعينيات، حيث دخلَ البلد مرحلةً من الركود الاقتصادي بسبب انتهاء حقبة الازدهار العمراني وبلوغ الدَيْن العام ذروته في آنٍ معًا، الأمر الذي مهَّدَ الطريق أمام تنفيذ سلسلة من مبادرات الخصخصة والتقشّف (مثلًا: اعتماد ضريبة القيمة المضافة، وخفض الإنفاق العام) للحدّ من عجز الدولة، إلى جانب الاستمرار في تحرير الرسوم الجمركية والضرائب المباشرة لإعادة تعزيز الاقتصاد الريعي. والذين استفادوا من هذه السياسات هم مرّة أخرى المصارف المحلّية. وكانت النتيجة ترسيخ نمط مهيمن من النشاط الاقتصادي، تحت شعار "الريع مقابل الباقي"، ضمن إطارٍ أوسع من التضييق للحرّيات السياسية و"تقلّص الحيّز المدني".

٢.٥- مقاومة إعادة الإعمار النيوليبرالي: الاتّحاد العمّالي العام في فترة ما بعد الحرب

بفضل الدور الريادي الذي لعبَه في المقاومة المدنية للنزاع، خرجَ الاتّحاد العمّالي العام من الحرب الأهلية بدعمٍ شعبيّ قوي. علاوةً على ذلك، وبسبب تراجع القوّة السياسية لمعظم الطبقة الحاكمة قبل الحرب، تمكَّنَ الاتّحاد من الحصول على درجة غير مسبوقة من الاستقلال السياسي. وقد سهَّلَ ذلك إعادة تحديد أجندته السياسية وممارساته وفقًا لشروط أكثر راديكالية، ليصبح الصوت المُعارِض الأبرز لسياسات رفيق الحريري النيوليبرالية. وما لعبَ دورًا محوريًا في هذه العملية هو انتخاب رئيس اتّحاد النقابات المتّحدة الياس أبو رزق أمينًا عامًا جديدًا له في أيّار/مايو ١٩٩٣.

جرى انتخاب أبو رزق وسط أجواء سياسية متوتّرة. في ٦ أيّار/مايو ١٩٩٢، كانَ الاتّحاد العمّالي العام قد نظَّمَ إضرابًا عامًا حاشدًا للاحتجاج على فشل حكومة عمر كرامي في منع ومعالجة دوّامة التضخّم الجديدة التي عصفت بالبلد منذ بداية السنة. وحقَّقَ التحرّك نجاحًا باهرًا، إذ أجبرَ كرامي على الاستقالة. وكانَ ذلك دليلًا غير متوقّع يُثبت قوّة الاتّحاد، لكنَّه لم يمرّ مرور الكرام في أعين الطبقة الحاكمة الناشئة في فترة ما بعد الحرب التي سعت إلى تحييد القوّة الخارقة للاتّحاد العمّالي العام بشكل مُبطَّن، من خلال محاولة تقليص الوزن السياسي للاتّحادات اليسارية. حدثت المحاولة الأولى بهذا الصدد في شتاء عام ١٩٩٢، من خلال إطلاق مشروع ترميم هيكلي للاتّحاد العمّالي العام برعاية الدولة وفقًا لمبدأ "مهنة واحدة ونقابة واحدة" (منظّمة العمل الدولية 1994). تصدّى الاتّحاد لهذه المحاولة، وعمدَ إلى شنّ حملة فعّالة والتوسّط مباشرةً مع السلطات السورية للتأكُّد من التخلّي عن المشروع. ودفعَ ذلك وزير العمل عبد الله الأمين إلى مراجعة استراتيجيات الضغط ومحاولة استغلال الانتخابات الداخلية القادمة للاتّحاد العمّالي العام. وعلى وجه الخصوص، من أجل زعزعة التحالف بين بشارة واليسار، قامَ بإقران التأييد العلني لأبو رزق بسلسلة من المحادثات "تحت الطاولة" مع بشارة، فقدَّمَ له ضمانةً بإعادة انتخابه لقاءَ تغييرٍ في التحالفات. لكنَّ خطّة الوزير تعثّرت عندما أعلنَت الاتّحادات اليسارية تأييدها لأبو رزق في اللحظة الأخيرة، الأمر الذي ضمنَ انتخاب أبو رزق. بالإضافة إلى ذلك، ساهمت انتخابات عام ١٩٩٣ في زيادة الوزن السياسي للاتّحادات اليسارية التي احتلّت لأوّل مرّة في تاريخ الاتّحاد، معظم المناصب الإدارية (صليبي 1999، 65-69).

وكانت الركائز الأساسية التي تمحورت حولها الأجندة السياسية للاتّحاد العمّالي العام بعد العام ١٩٩٣ هي الدفاع عن الحقوق الاجتماعية المكتسبة للعمّال، وقبل كلّ شيء، الدفاع عن القدرة الشرائية للأجور، بسُبُل منها السعي إلى سياسات قوية للتحكّم في الأسعار والإيجارات (بارودي 1998، 544-48). واندلعت الجولة الأولى من المواجهة الشرسة مع الحريري من هذا المنطلق في صيف ١٩٩٥. فبرزَ الجدل بُعيد قرار الحريري بتمويل الزيادة التي طالَ انتظارُها لرواتب موظّفي القطاع العام من خلال زيادة حادّة في أسعار المحروقات. وردًّا على هذا الإجراء، دعا الاتّحاد العمّالي العام إلى إضراب عام، ويوم للتعبئة الوطنية في ١٩ تمّوز/يوليو. وردَّ الحريري على التحدّي من خلال فرض حظر وطني على التظاهرات والتجمّعات العامّة، ما نجحَ في وقف مبادرات الاتّحاد في الشارع مؤقّتًا (بارودي 1998، 542–43). واستُؤنِفَت هذه الأخيرة مرّة أخرى في بداية العام ١٩٩٦.

في شهر شباط/فبراير، أضربَ معلّمو المدارس الرسمية وأساتذة الجامعة اللبنانية للمطالبة بتصحيح سلسلة الرواتب بما يتناسب مع معدّل التضخّم. وقد حظيَ تحرّكهم بدعمٍ فاعل من الاتّحاد العمّالي العام الذي جدَّدَ دعوته إلى إضراب عام ضدّ الحكومة في ٢٩ شباط/فبراير. وتمَّ نزع فتيل الإضراب مرّة أخرى من خلال فرض حظر جديد لمدّة ثلاثة أشهر على التظاهرات، بالإضافة إلى حظر تجوّل مشدّد، بإشراف الجيش، في يوم الإضراب. عمدَ الاتّحاد العمّالي العام إلى خرق هذا الحظر في ٤ نيسان/أبريل، عندما سعى الاتّحاد لاستغلال زيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك لإعادة إطلاق نضاله من أجل زيادة الرواتب بنسبة ٧٦٪ للقطاعَيْن العام والخاصّ. ورافقَ ذلك نقدٌ شامل لسوء الإدارة الاقتصادية للحكومة ونقاط الضعف فيها، فضلًا عن القيود المشدّدة على الحرّيات السياسية والإعلامية. ونتجَ عن التحرّك في نهاية المطاف اعتصامٌ محصور ولكنْ بتغطية إعلامية واسعة، نُظِّم داخل مقرّ الاتّحاد العمّالي العام، ثمّ منعَ الجيش المحتجّين من الوصول إلى البرلمان.

وبعد أسبوع من اعتصام ٤ نيسان/أبريل، شنّت إسرائيل عملية "عناقيد الغضب" على جنوب لبنان. وعندما انتهى القصف، وفي محاولة لنزع فتيل التوتّر الاجتماعي المتصاعد، اقترحَ الحريري من جانب واحد خطّةً لزيادة رواتب العاملين في القطاع الخاصّ. وتمّ رفض الخطّة بشدّة من قِبَل القطاعَيْن ومن قِبَل الاتّحاد العمّالي العام الذي، بالتعاون الوثيق مع معلّمي المدارس الرسمية، عادَ إلى ساحة الهجوم. وكانت استراتيجية الضغط التي لجأوا إليها هذه المرّة هي الجمع بين مقاطعة امتحانات الثانوية العامّة الرسمية والتهديد بحملة امتناع واسعة عن الانتخابات البرلمانية الحسّاسة المقرّر إجراؤها في الصيف. وكانَ التصعيد قويًا بما يكفي لإجبار الحريري على تلبية مطالب المعلّمين. ومن ناحية أخرى، اقتنعَت كلّ أطياف القوى الحاكمة بأنَّ الوقت قد حان أخيرًا للتخلّي عن أبو رزق.

٣.٥- من المقاومة إلى الاستقطاب: الاتّحاد العمّالي العام وتكاليف السلام السوري

 في أعقاب انتخابات عام ١٩٩٣، سعت القوى الحاكمة إلى احتواء نفوذ أبو رزق من خلال تكرار الأسلوب القديم المتمثّل في الترويج لتشكيل نقابات - يمكن القول بأنّها نادرًا ما تكون تمثيلية - برعاية حزبية لتقويض الشرعية التمثيلية للاتّحاد العمّالي العام والتلاعب بتكوينه الداخلي. وفي العام ١٩٩٤، أنشأ أنطوان بشارة أوّل نواة لهذه الاتّحادات التي يسيطر عليها الأحزاب داخل الاتحاد العام للنقابات القطاعية في لبنان، وهو اتّحاد غير نشط تأسَّسَ في الأصل في العام ١٩٧٠، وأصبحَ منذ ذلك الحين الحاضنة الرئيسية لهذا النوع من النقابات والمُحاوِر الرسمي المفضّل للأحزاب الحاكمة على حساب الاتّحاد العمّالي العام. وفي الوقت نفسه، أثناء تجميد عضوية الاتّحاد العام للنقابات القطاعية في المجلس التنفيذي للاتّحاد العمّالي العام، واصلَ بشارة نشاطه في الاتّحاد العام وعملَ من الداخل لخلق كتلة داخلية معادية لأبو رزق. وخضعت هذه الاستراتيجية لتحوّل جذري صارم عشية انتخابات الاتّحاد العمّالي العام للعام ١٩٩٧، حيث عمدَ وزير العمل أسعد حردان، عندما باتَ مؤكّدًا أنَّ أبو رزق سيفوز بالأغلبية، إلى ترخيص خمسة اتّحادات جديدة تابعة لحركة أمل وضمَّها بشكل عشوائي إلى الاتّحاد العمّالي العام، على الرغم من المعارضة الشديدة من هذا الأخير. وكانت هذه الاتّحادات في معظمها متمركزة في الجنوب وكانَ لها غرض محدّد هو كسر هيمنة الاتّحاد اليساري للجنوب، الذي كانَ قد أصبحَ بحلول ذلك الوقت أحد أقوى الاتّحادات وأكثرها تمثيلًا في البلد. وكانت المعركة بين القطبَيْن شرسة. وفي صيدا، حرصًا على انتخاب المندوبين الذين تدعمهم حركة أمل، احتُجز صحفيون ومندوبون بارزون لاتّحاد الجنوب في يوم الانتخابات لساعات، وتعرَّض كثيرون للترهيب بتواطؤ من الجيش. ولتجنُّب خطر مواجهة وضع مماثل كما في صيدا، في يوم الانتخابات في بيروت، قرَّرَ أبو رزق ومؤيّدوه إجراء الانتخابات قبل ساعة واحدة. ونظرًا لعدم وجود مراقبين من الوزارة، أعلنَ الوزير بعد ساعة عدم صحّة النتائج وأجبرهم على إعادة الانتخابات. وبسبب الاشتباكات العنيفة والضغوط الشديدة من قِبَل الجيش، فازَ المرشّح المدعوم من الوزير غانم الزغبي. وأعلنَ أبو رزق عدم شرعية الانتخابات، وتمّ توقيفه بعد رفع دعوى للطعن في النتائج (صليبي 1999، 69-78؛ بو خاطر 2019).

وفي العام ١٩٩٨، أدّى التنافس بين برّي والحريري إلى شلّ عمل المجلس التنفيذي للاتّحاد العمّالي العام، ممّا دفعَ الزغبي إلى الاستقالة. واستعادَ أبو رزق قيادة الاتّحاد العمّالي العام، وتمكَّنَ بفضل دعم أمل في اللحظة الأخيرة، من تأمين انتصاره على بشارة المدعوم من الحريري. لكنَّ عملية التسلّل السياسي للاتّحاد العمّالي العام كانت قد أصبحت متفشّية بشكلٍ مفرط. وبحلول العام ١٩٩٩، ارتفعَ عدد الاتّحادات المرخّصة من ١٤ إلى ٣٧، ووصلَ عدد النقابات إلى ٢١٠، وكانَ يُعتقَد بأنَّ ثلثيها على الأقلّ هي مجرّد واجهات. من بينها، كانت الغالبية مرتبطة بالأحزاب الموالية لسوريا (أبرزها أمل وحزب الله والحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب البعث) التي سيطرت على ٢٩ من أصل ٧٠ مقعدًا في المجلس التنفيذي للاتّحاد العمّالي العام، مقابل ١٨ لأبو رزق والحزب الشيوعي اللبناني، و١٣ لتيّار المستقبل والكتائب والقوّات اللبنانية (صلّوخ وآخرون 2015، الجدول 5.1 و5.2). تجلّت التداعيات السياسية لهذا الترتيب الجديد خلال الانتخابات الداخلية للعام ٢٠٠١، التي كرّست الانتصار الكامل للمرشّح المدعوم من أمل، غسّان غصن. وتمّ تعزيز هيمنة أمل داخل الاتّحاد العمّالي العام بشكل حاسم في العام ٢٠٠٤. ففي ٢٧ أيّار/مايو، نظَّمَ الاتّحاد العمّالي العام إضرابًا عامًا ويومًا من التحرّكات للاحتجاج على سياسات الحريري المالية التقشّفية الشديدة، بما فيها الزيادة الجديدة في أسعار المحروقات. وفي الطريق المؤدّي إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، واجهَ الجيش بيد من حديد المسيرة التي نظّمتها نقابات سائقي سيّارات الأجرة والميني فان، التي تسيطر عليها حركة أمل وحزب الله والحزب الشيوعي اللبناني. وأدّى ذلك إلى اندلاع موجة عشوائية من الاشتباكات وأعمال الشغب في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك اقتحام وزارة العمل، ممّا أسفر عن حصيلة نهائية مأساوية بلغت خمسة قتلى ومئات الجرحى. وفي أعقاب الحادث، استقالَ مندوب حزب الله من المجلس التنفيذي لـلاتّحاد العمّالي العام، كما انسحبَ الحزب الشيوعي اللبناني والحزب التقدّمي الاشتراكي أو قاطعا الاتّحاد العام، الذي أصبحَ منذ ذلك الحين معقل أمل بلا منازع (صلّوخ وآخرون 2015، 70-87: 76-77).

٦- الحركة العمّالية بعد الاتّحاد العمّالي العام: النضالات والاتّجاهات في الآونة الأخيرة

١.٦- عمّال بلا نقابات ونقابات بلا عمّال: العمل اللبناني المنظّم بعد استقطاب الاتّحاد العمّالي العام

الجدول. ١ - نموّ النقابات والعضوية النقابية

 

١٩٤٩

١٩٥٦

١٩٦١

١٩٧٢

٢٠٠١

عدد الاتّحادات النقابية المرخّصة

١

٥

٥

١٤

٣٧

عدد النقابات المرخّصة    

٣٤

٧٢

١٠١

١٤١

٢١٠

عدد العمّال النقابيين

١٨.٨٣٧

١٨.٤٣٩

٢١.٥٦٨

٥۰.٧۰٨

٥٨.٦٩٠

 

  بعد اغتيال رفيق الحريري، أصبحَ الطيف السياسي اللبناني مستقطبًا في كتلتَيْن حاكمتَيْن متنافستَيْن وفقًا للاصطفاف الدولي لكلٍّ منهما: من ناحية، تحالف ۸ آذار الموالي لسوريا، بقيادة الثنائي الشيعي أمل وحزب الله، والتيّار الوطني الحرّ المسيحي؛ ومن جهة أخرى، تحالف ١٤ آذار الموالي للسعودية/الغرب، بقيادة تيّار المستقبل والقوّات اللبنانية والحزب التقدّمي الاشتراكي. امتدَّ هذا الاستقطاب إلى الاتّحاد العمّالي العام الذي شهدَ، في مواجهة الأغلبية المتحالفة مع ٨ آذار، ظهور جبهة معارضة متحالفة مع ١٤ آذار، ممّا أدّى بشكل قاطع إلى تقسيم الاتّحاد العمّالي العام على أُسُس طائفية وسياسية. وحدثَ ذلك بالتزامن مع زيادة التضخّم في الاتّحاد العام بالنقابات والاتّحادات الوهمية أو التي ترعاها الأحزاب والتي وصلت بحلول العام ٢٠١٠ إلى رقمٍ قياسي يبلغ ٥٨۰ و٥١ على التوالي (صلّوخ وآخرون 2015، 70-87: 77). وأثَّرَ الاستقطاب نفسه أيضًا على الروابط المهنية التي، تمامًا كالاتّحاد العمّالي العام، لم تعد سوى ساحة للوصاية السياسية والمنافسة البعيدة كلّ البعد عن الشواغل الاجتماعية-الاقتصادية.

وشكَّلَ استقطاب الاتّحاد العمّالي العام نكسةً حاسمة في قدرة العمل اللبناني المنظّم على البناء والتحرّك حول أجندة جَمَاعية مشتركة. وخفَّفَ ذلك بشكل كبير من عملية تقويض الحقوق الاجتماعية للعمّال التي بدأت مع النقلة النيوليبرالية التي قامَ بها الحريري. لكنَّ الاستقطاب حرمَ العمّال أيضًا من هيكل تمثيلي رسمي فعّال يمكنهم من خلاله التعبير عن مظالمهم ومطالبهم. ونتيجةً لذلك، تمَّت إعادة تشكيل النزاع العمّالي بشكل تدريجي في إطار الهياكل التنظيمية غير الرسمية أو المنفصلة والخارجة عن الاتّحاد العمّالي العام، والتي تحرّكت خلف مطلب محدّد مؤسّساتي أو قطاعي. علاوةً على ذلك، ونظرًا للتداعيات التفكّكية الأوسع للعولمة النيوليبرالية، اختلفت هذه المظاهر الأخيرة اختلافًا عميقًا عن التجارب الخارجة عن الاتّحاد العمّالي العام التي ظهرت عشية الحرب الأهلية، إذ افتقرَت إلى الأفق السياسي-الأيديولوجي والبنية النضالية والتنسيقية الخارجية اللازمة لتحويلها إلى بدائل قوية لهيمنة الاتّحاد العمّالي العام.

برزَت هذه الميول إلى الواجهة وبوضوحٍ كبير خلال موجة النزاع العمّالي التي هزّت، في الثلاث سنوات ٢٠١١-٢٠١٤، المشهد العمّالي اللبناني بعد عقد من الهدوء النسبي. تألّفت هذه الموجة من مجموعة متنوّعة من التحرّكات المستقلّة المتداخلة التي، على الرغم من عدم تجانسها وانفصالها عن بعضها البعض، أعادت القضية العمّالية إلى حلبة المواجهة السياسية.

الموجة الأولى كانت عبارة عن تحرّك قامَ به عمّال المياومة في شركة كهرباء لبنان في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١١. اندلعَ هذا التحرّك إثر الإعلان عن مشروع لتلزيم خدمات خارجية لثلاث شركات خاصّة، ممّا يعني ضمنًا خفض نسبة الموظّفين بمعدّل ٧۰% على مدى عامَيْن. وصلَ هذا التحرّك إلى ذروته في أيّار/مايو ٢٠١٢ عندما رفضَ كلٌّ من الشركة والبرلمان تلبية طلب التثبيت واستمرار العمل في الشركة. وردَّ العمّال بالإعلان عن إضراب مفتوح استمرَّ ٩٣ يومًا، إلى جانب اعتصامات دورية وتظاهرات في مناطق عدّة، بتنسيق من لجنة غير رسمية تمّ تشكيلها (رغم أنَّها ظلّت غير ناشطة) في بداية العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين. وتمّ تعليق الإضراب بعد توظيف جميع العمّال مؤقّتًا في الشركات الثلاث المتعاقدة من الباطن، على أمل تثبيتهم. وعادت التحرّكات لتظهر مرّة أخرى في العام ٢۰١٤ حين أعلنت الشركات الثلاث المتعاقدة من الباطن أنّها ستُوظّف أقلّ من نصف العمّال، في انتظار مشاركتها في مناقصّة عامّة. وردَّ عمّال شركة كهرباء لبنان بالإعلان عن احتلال مفتوح لمقرّ شركة كهرباء لبنان في بيروت دامَ أربعة أشهر. لكنَّ هذه المبادرة لم تكن كافية لتحقيق مطالبهم (ماندارينو ٢٠١٦؛ بوّابة المعرفة للمجتمع المدني - عمّال شركة كهرباء لبنان).

وانطلقت موجة تحرّك كبيرة أخرى على إثر البرنامج الطموح لتصحيح أجور العمّال والمزايا الاجتماعية بما ينسجم مع معدّل التضخّم، الذي أطلقه وزير العمل الإصلاحي شربل نحّاس في العام ٢٠١١. قوبل المشروع بمعارضة شديدة من أوساط الشركات وغالبية الأحزاب الحاكمة، حيث ألمحَ المشروع بالمصدر الرئيسي للتمويل من الضرائب على أرباح الإيجارات. ودارَ خلافٌ بارز آخر حول مصدر التمويل لتصحيح رواتب العاملين في القطاع العام، بعد أن تمَّ تحديد الحدّ الأدنى للأجور في القطاع الخاصّ في نهاية المطاف عند ٦٨۰ ألف ليرة لبنانية. وقد أدّى ذلك إلى ثلاث سنوات من المواجهات الشرسة بين الدولة والعاملين في القطاع العام، إلى جانب نزاع شرس أيضًا بين نحّاس والمنظومة السياسية والاقتصادية. وتمّ تنسيق التحرّك من قِبَل هيئة التنسيق النقابية، وهي منظّمة جامعة تضمّ رابطة موظّفي القطاع العام، وروابط المعلّمين في التعليم الرسمي الأساسي والثانوي، ونقابة المعلّمين في المدارس الخاصّة، وكانت في ذلك الوقت بقيادة حنا غريب الذي له ميول يسارية. تأسَّسَت هيئة التنسيق النقابية في العام ٢٠٠٦ لتنسيق جهود القطاع العام من أجل الاحتجاج على إلغاء عقود القطاع العام في إطار ضرورات التقشّف الجديدة التي فرضَها مؤتمر المساعدة باريس ٣ من أجل تخفيض الدين العام (بو خاطر 2015أ). وتضمّنت مطالب هيئة التنسيق النقابية بشكل أساسي تصحيح الرواتب بنسبة ١٢١%، وتعديل سلسلة الرتب والرواتب. تخلّل التحرّك سلسلة من الإضرابات والتجمّعات الحاشدة التي تميّزت بمشاركة شعبية واسعة. ودعمت هيئة التنسيق النقابية العديد من التحرّكات الاجتماعية الهامّة الأخرى في ذلك الوقت وشاركت فيها، بينها التحرّكات المُناهِضة للطائفية (بو خاطر 2015ب). لكنَّ قدرتها على أن تصبح عنصر تحفيز جديد للنضالات المشتركة من أجل الحقوق الاجتماعية-الاقتصادية تلاشت بالكامل في العام ٢٠١٥، حيث سقطت استقلاليتها أمام نجاح الأحزاب الحاكمة في التسلّل إليها واستقطابها (صلّوخ وآخرون 2015، 70-87: 86-87). بالتالي، بقيَ نضالهم على المحكّ. ومن ناحية أخرى، كانَ الموقف الصارخ المُناهِض للعمّال الذي تبنّاه الاتّحاد العمّالي العام في المواجهة بين شربل نحّاس والمنظومة السياسية، وبين المنظومة وموظّفي القطاع العام، بمثابة الدافع الأخير الذي أدّى إلى انفصال الاتّحاد الوطني لنقابات العمّال والمُستخدَمين في لبنان بشكل نهائي عن الاتّحاد العمّالي العام.

وعلى الرغم من أنَّه فشلَ في فرض نفسه كقوّة جماهيرية، شاركَ الاتّحاد الوطني لنقابات العمّال والمُستخدَمين في لبنان بشكل ناشط في مجموعة من التحرّكات الاجتماعية المُناهِضة للنظام منذ العام ٢٠١١، ودعمَ النضالات العمّالية التي تكشّفت خارج نطاق الاتّحاد العمّالي العام. وإلى جانب نضال هيئة التنسيق النقابية، كانَ النضال الأهمّ هو نضال عاملات المنازل المهاجرات للحصول على الحقّ في إنشاء النقابات. بدأت العملية التأسيسية لعاملات المنازل في العام ٢٠١٢ بإسهامٍ من منظّمة العمل الدولية وبالشراكة مع الاتّحاد الوطني لنقابات العمّال والمُستخدَمين في لبنان ومنظّمة كفى غير الحكومية (طيّاح 2014). وأُنشئت النقابة (نقابة العاملات في الخدمة المنزلية في لبنان) أخيرًا في العام ٢٠١٥ وطالبت مرارًا وتكرارًا بترخيص رسمي من وزارة العمل. ولكنْ، رغم الحملة البارزة التي نجحت النقابة في تنظيمها، كانت تُقابَل برفضٍ مستمرّ لإعطاء الترخيص. ومن ناحية أخرى، أدّى نضال النقابة ظاهريًا إلى زيادة الوعي حول وضع العاملات الأجنبيات في لبنان، إلى جانب ربط النقابة بمجموعة متنوّعة من المنظّمات النسوية والمناهضة للعنصرية.

وكانت النضالات داخل القطاع الخاصّ مثمرة بشكل أكبر، حيث أنَّ التهميش الكبير من جانب النخب السياسية الوطنية تركَ مجالًا أوسع للعمّال لممارسة الضغط بشكل ناجح. وكانَ من أهمّها حراك موظّفي المصارف للحصول على تجديد عقودهم الجَمَاعية في عام ٢٠١٣، وحراك عمّال سلسلة سوبر ماركت سبينيس من أجل زيادة الرواتب والحقّ في التنظيم النقابي، الذي مُنِحَ في العام ٢٠١٢ (صفيّ الدين 2012).

٢.٦- إعادة إشعال فتيل الحراك المنظّم؟ انتفاضة ١٧ تشرين الأوّل/أكتوبر وانعكاسها على العمل المنظّم

في ١٧ تشرين الأوّل/أكتوبر ٢٠١٩، اندلعت انتفاضة شعبية غير مسبوقة في الشوارع اللبنانية، للمطالبة، من خلال مجموعة متنوّعة من الشعارات والممارسات وأشكال التضامن، بإعادة تعريف جذري للنظام الاجتماعي-الاقتصادي والسياسي اللبناني، على أُسُس أقرب إلى مفاهيم المحاسبة والمساواة. وسرعان ما اتّخذت الانتفاضة مواقف واضحة ضدّ المنظومة الحاكمة. استمرّت لأربعة أشهر متواصلة وتجاوزت كلّ الحدود فشملت مختلف المناطق الجغرافية والطبقات الاجتماعية والطوائف والأنواع الاجتماعية والفئات العمرية.

وبسبب علاقته العضوية بالنخب التي تُشكِّل موضع جدل، ظلَّ الاتّحاد العمّالي العام غائبًا عن التحرّكات. من ناحية أخرى، عملت الانتفاضة على تفعيل عملية مهمّة للتنظيم العمّالي البديل بين المهنيين، تحت مظلّة "تجمّع مهنيات ومهنيين"، في تحدٍّ تامّ لهيمنة الاتّحاد العمّالي العام والأحزاب الطائفية. وجاءت النواة الأولى لـ"تجمّع مهنيات ومهنيين" مع تشكيل "تجمّع أساتذة مستقلّين في الجامعات"، بالتزامن مع انطلاق الانتفاضة اللبنانية، على يد مجموعة من المتظاهرين الجامعيين الذين كانت لهم مشاركة فاعلة في التحرّكات. واستُلهِمَت فكرة نقابة "تجمّع مهنيات ومهنيين" من الرابطة المهنية السودانية، بما يعكس الدور البارز الذي لعبته هذه الأخيرة في الانتفاضة السودانية (القاق 2021). وتمّ نشر بيانها التأسيسي عبر الإنترنت في ٢٨ تشرين الأوّل/أكتوبر، وتمكّنت من حشد مجموعة متنوّعة من الفئات المهنية بسرعة، من خلال الجمع بين الشبكات القاعدية والنشاط على شبكة الإنترنت. ومن أبرز هذه الفئات: الصحافيون والمحامون والأطبّاء والمهندسون والمهندسون المعماريون والعاملون في قطاع الفنون والثقافة، مع منظّمات بديلة محدّدة لكلّ قطاع. تُساهِم هذه التنظيمات بشكل تدريجي في نزع هيمنة القوى الطائفية ضمن الأُطُر المهنية (بو خاطر 2020). وأوّل انتصار في هذا الصدد سُجِّلَ في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١٩ بانتخاب المستقلّ ملحم خلف رئيسًا جديدًا لنقابة المحامين في لبنان (أبي رعد 2019). وسُجِّلَ انتصارٌ مهمّ آخر أحرزته لائحة المعارضة "النقابة تنتفض" في نقابة المهندسين في بيروت في تمّوز/يوليو 2021. ولا شكّ في أنَّ هذه الانتصارات تُشكِّل إنجازًا مهمًّا في التاريخ الحديث للعمل المنظّم في لبنان. ومن ناحية أخرى، لم تُلاحظ أيّ تطوّرات تنظيمية جوهرية في قطاع العمل المأجور والعمل غير الرسمي، الذي يبقى في الغالب مشتّتًا و/أو غير مُنظَّم بشكلٍ كافٍ.

قائمة المراجع

Abisaab, Malek Hassan. 2010. Militant Women of a Fragile Nation. Syracuse University Press.

Baroudi, Sami E. 1998. “Economic Conflict in Postwar Lebanon: State-Labor Relations between 1992 and 1997.” The Middle East Journal 52 (4): 531.

Beinin, Joel. 2001. Workers and Peasants in the Modern Middle East. Cambridge University Press.

Beinin, Joel, and Zachary Lockman. 1998. Workers on the Nile: Nationalism, Communism, Islam, and the Egyptian Working Class, 1882-1954. American Univ in Cairo Press.

Bou Khater, Léa. 2015. “Public sector mobilisation despite a dormant workers’ movement.” Confluences Méditerranée 92 (1): 125. https://doi.org/10.3917/come.092.0125.

———. 2019. “Understanding State Incorporation of the Workers’ Movement in Early Post-War Lebanon and Its Backlash on Civil Society.” Text. Civil Society Knowledge Centre. January 4, 2019. https://civilsociety-centre.org/paper/understanding-state-incorporation-....

———.2020. “Did Someone Say Workers? Part 1 and 2”. The Public Source. January 29, 2020. https://thepublicsource.org/did-someone-say-workers

al-Buwari, Ilyas. 1986. Tārīḫ al-̜Ḥarakah al-ʿUmmāliyyah wa al-Niqābiyyah fī Lubnān - Vol. I, II, III. Dar al-Farabi

Chalcraft, John T. 2004. The Striking Cabbies of Cairo and Other Stories: Crafts and Guilds in Egypt, 1863-1914. SUNY Press.

Chahine, Marylin. 2020. “Workers Unite: The rise, fall, and future of Lebanon’s labour movement”. Beirut Today. June 22, 2020. https://beirut-today.com/2020/06/22/workers-unite-lebanon-labour-movement/

Clark, Janine A., and Bassel F. Salloukh. 2013. “Elite Strategies, Civil Society, and Sectarian Identities in Postwar Lebanon.” International Journal of Middle East Studies 45 (4): 731–49. https://doi.org/10.1017/S0020743813000883.

Couland, Jacques. 1969. “Mouvement Syndical En Situation Coloniale: Le Cas Du Liban.” Le Mouvement Social, no. 68: 57–76. https://doi.org/10.2307/3807400.

———. 1970. Le mouvement syndical au Liban, 1919-1946: son évolution pendant le mandat français de l’occupation à l’évacuation et au Code du travail. Éditions sociales.

———. 1981. "Movimento sindacale e movimento nazionale e progressista in Libano" in Lotte sociali e movimenti di sinistra nel mondo arabo contemporaneo. Quaderni Feltrinelli (15): 71-94.

———. 1994. “Du Corporatisme au Syndicalisme: Le Cas du Levant Arabe.” in Kançal, Salgur, and Jacques Thobie. 1994. Industrialisation, communication et rapports sociaux en Turquie et en: Méditerranée orientale. Editions L’Harmattan: 287-298

Dirani, Ahmad, Ghassan Slaiby, Nizar Hariri, and Michele Scala. 2019. “The Lebanese Labor Movement Facing the Test of the Intifada of October 17, 2019.” Confluences Mediterranee No 111 (4): 135–47.

Donato, J. 1952. “Lebanon and Its Labour Legislation.” International Labour Revie 65,(1),(JAN 1952,): 64–92.

Dubar, Claude, and Sālim Nasr. 1976. Les Classes sociales au Liban. Presses de la Fondation Nationale des Sciences Politiques.

Eddé, Carla. 2002. “La Mobilisation « populaire » à Beyrouth à l’époque Du Mandat, Le Cas Des Boycotts Des Trams et de l’électricité.” BookSection. 2002. http://books.openedition.org/ifpo/3200.

Gates, Carolyn. 1998. Merchant Republic of Lebanon: Rise of an Open Economy. I.B.Tauris.

Gendzier, Irene. 1996. Notes from the Minefield: United States Intervention in Lebanon and the Middle East, 1945-58. Columbia University Press.

Ismael, Tareq Yousif, and Jacqueline S. Ismael. 1998. The Communist Movement in Syria and Lebanon. University Press of Florida.

el-Kak, Nadim. 2021. "Alternative Labor Unions in Lebanon: Comparative Reflections and Lessons." Lebanese Center for Policy Studies -- Featured Analysis. April 2021. https://www.lcps-lebanon.org/featuredArticle.php?id=342

Kardahji, Nick. 2015. “A Deal With the Devil: The Political Economy of Lebanon, 1943-75.” EScholarship, January. http://escholarship.org/uc/item/4762t40q.

Khuri-Makdisi, Ilham. 2013. The Eastern Mediterranean and the Making of Global Radicalism, 1860-1914. Univ of California Press.

Lockman, Zachary. n.d. Workers and Working Classes in the Middle East: Struggles, Histories, Historiographies. SUNY Press.

Majed, Rima. 2020. انهيار ماليّ وثورة ووباء: أين النقابات والاتحادات؟. The Lebanese Center for Policy Studies - Featured Analysis. May 2020. https://www.lcps-lebanon.org/featuredArticle.php?id=304

Maucourant Atallah, Nada. 2020. “Lebanese protests: the missing trade unions”. Le Commerce du Levant. February 2, 2020 https://www.lecommercedulevant.com/article/29632-lebanese-protests-the-missing-trade-unions

Mandarino, Louis. 2016. “De la pérennisation d’un statut précaire à la lutte pour la titularisation : un regard rétrospectif sur la mobilisation des journaliers de l’Électricité du Liban (EDL).” Civil Society Knowledge Centre 1 (1). https://doi.org/10.28943/CSKC.001.40003.

Massignon, Louis. 1953. “La Structure Du Travail à Damas En 1927: Type d’Enquête Sociographique.” Cahiers Internationaux de Sociologie 15: 34–52.

Nasr, Salim. 1978. “Backdrop to Civil War: The Crisis of Lebanese Capitalism.” MERIP Reports, no. 73: 3–13. https://doi.org/10.2307/3012262.

———. 1990a. “Lebanon’s War: Is the End in Sight?” Middle East Report, no. 162 (January): 4–30. https://doi.org/10.2307/3013276.

———. 1990b. “Anatomie d’un système de guerre interne: le cas du Liban.” Cultures & Conflits, no. 01 (January). https://doi.org/10.4000/conflits.80.

Petran, Tabitha. 1987. The Struggle over Lebanon. Monthly Review Press.

Safieddine, Hicham. 2012. "Unionizing in Lebanon: the Struggle is Elsewhere". Jadaliyya. October 11, 2012. https://www.jadaliyya.com/Details/27198

Salloukh, Bassel F., Rabie Barakat, Jinan S. Al-Habbal, Lara W. Khattab, and Shoghig Mikaelian. 2015. The Politics of Sectarianism in Postwar Lebanon. Pluto Press.

Scala, Michele. 2015. “Clientélisme et contestation : l’exemple de la mobilisation des travailleurs de Spinneys au Liban.” Confluences Mediterranee N° 92 (1): 113–23.

Slaiby, Ghassan. 1994. "Les actions collectives de résistance civile à la guerre" in Fadia Kiwan (ed.), Le Liban Aujourd'Hui. CERMOC.

———. 1999. Fī al-Ittihād Kuwwah? Baha fī Muškilāt al-I ̣ ̣ ṯ ttihạ̄ d al-ʿUmmālī al-ʿĀm fī Lubnān. Mokhtarat.

———. 2019. “انتفاضة 17 تشرين اللبنانية والنقابات”. An-Nahar. November 4, 2019. https://www.annahar.com/arabic/article/1062054-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B6%D8%A9-17-%D8%AA%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA

Snyder, Allan. 1961. Organized Labor in Lebanon and Jordan. Ithaca, N. Y. https://catalog.hathitrust.org/Record/009633693.

Sharrouf, Ayman. 2021. الأزمة اللبنانية تثير تساؤلات عن دور "الاتحاد العمال. Al-Hurrah. March 25, 2021 https://www.alhurra.com/lebanon/2021/03/25/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1-%D8%AA%D8%B3%D8%A7%D8%A4%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%AF%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A

Suleiman, Michael W. 1967. “The Lebanese Communist Party.” Middle Eastern Studies 3 (2): 134–59.

Tayah, Marie-José. 2014. "Organizing Domestic Workers through Research:

The Story of a Participatory Action Research with Women Migrant Domestic Workers, NGOs, and Union members in Lebanon". ILO. April 2014. http://www.ilo.org/dyn/migpractice/docs/346/MJ.Tayah%252520Domestic%2525...

Thompson, Elizabeth. 2000. Colonial Citizens: Republican Rights, Paternal Privilege, and Gender in French Syria and Lebanon. Columbia University Press.

Traboulsi, Fawwaz. 2012. A History of Modern Lebanon. Pluto Press.

Tufaro, Rossana. 2020. “Also a class (hi)story: working-class struggles and political socialization on the eve of Lebanese Civil War.” Confluences Mediterranee N° 112 (1): 21–35.

Van Leeuw, M. 1994. "Les Syndacats Libanais Vus par les Americains au Debut des Années Cinquante" in Kançal, Salgur, and Jacques Thobie. 1994. Industrialisation, communication et rapports sociaux en Turquie et en: Méditerranée orientale. Editions L’Harmattan: 299-308

Yildirim, Onur. 2008. “Ottoman Guilds in the Early Modern Era.” International Review of Social History 53 (S16): 73–93. https://doi.org/10.1017/S0020859008003611.

 

About the author(s):
Rossana Tufaro:

Researcher in Contentious Politics - MENA

Rossana is a Research Fellow and a researcher in Contentious Politics - MENA at Lebanon Support.
In the past years, she devoted most of her research activities to the investigation of Lebanese labor history and the history of Lebanese popular politics in the global 1960s from a transnational perspective. Her main research interests include the history of popular and contentious politics in the Levantine region, Lebanese political economy, and the history of transnational radical cultures in the Mediterranean area. Over the years, she has lectured in a variety of international conferences and universities, and has been affiliated with numerous Lebanese and Italian academic institutions. Rossana is currently a Teaching Assistant of Contemporary History of the Arab Middle East at the University of Rome “La Sapienza”. 

Rossana has a PhD in Studies on Africa and Asia, she specialised in the social and political history of contemporary Lebanon.