You are here

مسار امرأة فلسطينية في بناء هويتها: من الألم إلى الفعل

Dossier: 
Gender Equity Network
Author(s): Marie Kortam
Abstract: 
تظهر قصة نور كيف أن هذه الأخيرة تمكَّنت من بناء ذاتها كشخص فاعل ضمن مسار محفوف بالألم. فعلى الرغم من مُعاشها الأليم، استطاعت أن تبني "أنا" قوية، حتى إن كان عليها الإمتثال لبعض المتطلبات، والقبول بالقيوض المفروضة عليها، والتصدي لعلاقات تسودها الهيمنة. في هذا المقال، تكشف نور عمّا يختلج في داخلها من مشاعر في لحظة تغوص فيها في نفسها مبتعدةً (بصورة استبطانية أو مُدركة) عما يدور من حولها، في محاولة منها لإعادة صياغة دلالات سلوكها.
Keywords: Gender Based Violence, Palestinian Refugees, Identity, Women Status & Issues, Palestinian Women

To cite this paper: Marie Kortam, "مسار امرأة فلسطينية في بناء هويتها: من الألم إلى الفعل", Civil Society Knowledge Centre, Lebanon Support, 2017-08-01 00:00:00.
[ONLINE]: http://civilsociety-centre.org/node/43347

Full text: 
Full text

 تهدف هذه الورقة البحثية إلى تسليط الضوء على عوامل مختلفة تطبع القصة العائلية والمسار الإجتماعي لإمرأة فلسطينية تعيش في مخيم للاجئين في لبنان. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن مكوِّنَيْن من الهوية يضطلعان بدور اساسي في بلورة مسألتنا، وهما الهوية الجندرية، والهوية الوطنية. فواقع أن نور تجمع بين كونها امرأة وفلسطينية يجعلها تواجه أشكالا عديدة من العنف، وذلك بسبب الديناميات و/أو حالات التوتر القائمة بين الرجال والنساء من جهة، والفلسطينيين واللبنانيين من جهة أخرى.

وقد استندت المنهجية المُعتمدة لجمع البيانات على السيرة[1] الشخصية. والحقيقة أن هذه السيرة لأساسيةٌ للخروج من لغط المشاعر والغوض في الذكريات بحثا عما يتصل في الواقع. كما أنها تُتيح للشخص إمكانية إعادة بناء قصته الخاصة، والسعي إلى إيجاد كيف ترخي قصة الآخرين بثقلها عليه، وكيف عمل هذا الشخص بالتحديد على بناء ذاته"[2]. وتصف نور عبر سرد قصَّتها الخاصة مختلف جوانب ما وراء مشاعرها، بما يشمل مجموعة مركَّبة من من المؤثِّرات، والإنفعالات، والإستيهامات، وردود الفعل، إلى جانب الخبرات المتراكمة وحالات العنف وسوء الإساءة المُخزية[3]. والواقع أن العنف الذي وقعت ضحيته نور ساهم في تغيير هويتها وعلاقتها بمجتمعها من جهة، كما ساعد على بناء ذاتية مؤلمة، من جهة أخرى؛ ما يظهر بالتالي الألم كعنصرٍ مكوِّن للرابط الإجتماعي.

أما التحليل الذي أجريناه، فيقضي بتحديد العناصر المشكِّلة للهوية، التي يحشدها الألم، وذلك بغية تحديد مختلف جوانب هذه العناصر بالتحديد بشكل بارز، واستِبطاني، وسردي. ويُمثِّل تحليل عملية تكوين الهوية ذاتيةَ نور التي تُظهرها بشكل واضح كشخص فاعل من جهة، وإدارتها الخاصة لما تتعرض له من عنف من جهة أخرى. وتكشف هذه الإدارة التي تعتمدها أن للعنف مصادر متعدِّدة. والواقع أنه سيُعمل طوال هذا المقال على تحديد هذين الجانبَيْن من هوية نور وتصنيفهما حسب الفئة التي ينتمي كل منهما إليها، ووفقا لمختلف المراحل التي طبعت حياة هذه الأخيرة، وفي مختلف مستويات الحياة الإجتماعية، وذلك لمساهمتهما في تكوين هويتها.

وتجدر الإشارة بهذا الخصوص إلى أن المصطلح "هوية" يُستَخدم للدلالة على شعور المرء بأنه موجود وبأن "الأنا" الخاصة به مختلفة عن "الآخرين"[4]. إلى ذلك، يُتيح هذا التعريف المُعتمد فهما أفضل لكون الغَيْريّة والهوية يمثِّلان الوجهان الذاتي والإجتماعي لتحديد الهوية في سياق عملية تفاعل ضرورية لكل هوية. من جهة أخرى، يرتبط الشِّق النظري للهوية بانتماء مزدوج[5]. فهي في الوقت عينه ذات صلة بشعور ذاتي وشخصي، وبالتالي فردي، ومنبثقة عن العلاقة بالآخر وعن تفاعل اجتماعي. وهكذا فإن الهوية، وبجزئها الذاتي والشخصي، توفِّر خيارا للفرد بأن يحدِّد ذاته وفقا لتطلعاته، كما أنها تترك حيِّزا وافرا للتصنيف الإجتماعي ولما قد يحمله من تأثير على الفرد.

ما تريد حقا قوله نور: صورة الأب والام

"العنف موجود في كل مكان من حولك"، بهذه الكلمات تختصر نور السياق الذي تعيش فيه. فبالنسبة إليها الجميع يختبر حالة عنف ويفرضها على الآخرين. فمنذ مرحلة الطفولة، تعمل نور جاهدة لتوفير سبل عيشها ومساعدة عائلتها. فهي تركت المدرسة بحثا عن عمل. وهي غارقة في حزن عميق مرده  لعوامل عديدة. فما عاشته من حالات قمع واستغلال تحول إلى عنف وسوء معاملة مخزية. والحقيقة أن حالات العنف هذه ستجعل نور تعيش في دوامة عنف بحيث تغدو هي في الوقت عينه الضحية والجانية.

نور، البالغة من العمر 28 عاما، هي لاجئة فلسطينية[6]، متزوِّجة، وأم لثلاث فتيات. أوقفت تحصيلها العلمي الجامعي عندما كانت في السنة الثانية. ثم تابعت بعدها دورات في مجال العمل الإجتماعي لتبدأ من ثم العمل لحساب منظمة غير حكومية كبيرة في المخيم. ولدى إجراء المقابلة، كانت مسؤولة عن تنفيذ مشروع صحة مجتمعية للشباب.

والجدير ذكره أن نور هي من عائلة مؤلفة من سبعة أفراد. أما الوالد فهو غائب لأنه يمضي وقته لدى زوجته الثانية. فوالد نور تزوَّج من والدتها إرضاءً لأسرته. لذا، وبعد انقضاء الشهر الأول من الزواج، ترك زوجته للإرتباط بالمرأة التي لطالما أحبها، والتي لم تكن تحظى برضى والديه. فوجدت عندها والدة نور نفسها وحيدة لمصيرها بعد فترة وجيزة من عقد قرانها. ولكن الوالد الغائب كان يتردَّد بين الحين والآخر لزيارة أسرته، و يرهب الجميع حتى في غيابه.

عاشت نور طفولة صعبة، بين والد غائب وعنيف، ووالدة ضعيفة الشخصية تعاني من تعرضها للضرب على يد زوجها.

فوالدة نور هي امرأة ينبذها والداها وزوجها، كما انها ترفض الطلاق خوفا من أن ينبذها المجتمع. والحقيقة ان هذا العنف المخذي الذي تختبره الوالدة ولَّد معاناة في نفس نور التي سرعان ما ستفهم المصائب التي تعيشها والدتها.

وبغية سرد هذا الواقع وتسليط الضوء على خنوع والدتها، تروي نور لنا هذه الحكاية المضحكة:

"كانت أمي تخشى والدي إلى حد أنها رفضت نقلي إلى المستشفى عندما أُصِبت بحروق خشية أن يأت والدي وألا يجدنا في المنزل؛ ما أدى إلى التهاب جرحي في اليوم التالي".

إلى ذلك، تربط نور بوالدها علاقة عنف وكبت. فكل ما يدور في البيت يحصل سرّاً. وفي خلال فترة المراهقة، باحت نور بعلاقتها وعلاقة أختها الغرامية لوالدها أملا منها في تشاطر تجربتها المُعاشة مع والدها. ولكن ما كان من الوالد إلا أن قام بأخذ ابنتَيْه عند زوجته. وعمد على سجنهما داخل المنزل مانعا إياهما من مقابلة أي شخص،  كما عمل على إغلاق ستائر البيت بواسطة عصا، قبل أن يذهب لمهاجمة الشابَّيْن.

حاولت عندها زوجة الأب الإستفادة من الوضع المستجِّد والتفرقة في ما بين الشَّقيقَتَيْن، لكن من دون جدوى. فأحدث بالتالي وجودهما توترا بين الأب وزوجته، غادرت إثره الزوجة المنزل لتستقر عند والديها. وبعد انقضاء عدة أيام، عادت الزوجة إلى المنزل لترمي من النافذة كافة مقتنيات الفتاتَين. فهم عندها الأب الرسالة التي أرادت زوجته إيصالها له. فقام فورا بإرسال ابنتَيه عند والدتهما.

إلى ذلك، تعترف نور بأنها لطالما حُرمت من اشياء كثيرة. وهكذا فإنها وجدت نفسها مضطرة أن تستعير الثياب من صديقاتها. كما أنها قفزت من النافذة لزيارة إحدى صديقاتها في المخيم. وعلى الرغم من جو العنف الذي كانت تعيش فيه، فإنها كانت تلميذة مجتهدة في المدرسة. فهي تمكَّنت من إكمال السنة الأخيرة من المرحلة المتوسِّطة بنجاح، ومن الترفُّع بالتالي إلى المرحلة الثانوية. وبغية تهنئتها على ما حقَّقته من نجاح، قطع أساتذتها عليها وعدا بزيارتها في المنزل. ولكن، تجنبا للإذلال الذي قد تتعرض له على يد والدها أمام زوارها، اختارت نور الهرب من المنزل. إلى ذلك، واحتفالا بنجاحها ونيلها الشهادة الثانوية، اختارت نور أن تنظِّم سرا حفلةً صغيرة عند صديقتها، وذلك خوفا منها من أن تطلب إذن والدها.

وكانت نور تشعر بالإضطراب وتنهمر دموعها وهي تروي لنا قصَّتها إذا قالت لنا:

"يزعجني أن أُخبر كل هذه الأمور لأن ذلك يوقظ في نفسي ذكريات أليمة. وأنا لا أحب البكاء".

تشعر نور وكأنها ترعرعت في جو يسوده الظلم. وهي لم تكتشف ذلك إلا عندما قارنت حياتها بحياة الآخرين.

تحوُّل ضعف[7] نور إلى فعل

نظرا إلى كون نور تعاني ضعفا شديد في فترة المراهقة، أقدمت مرة على الهرب من منزلها وقامت بمحاولتَي انتحار. ومرد ضعفها هذا إلى رؤية والديها يخضعان للتَّنقيص على يد وجوه سلطة. وهذا ما دفعها في ما بعد إلى استبطان وجوه متناقضة من شأنها المساهمة في إضعاف الجهاز النفسي. والحقيقة أن هذه النزاعات تظهر مجددا كلما وجد الفرد نفسه في وضع مذِّل[8].

تجدر الإشارة إلى أن هروب نور مع شقيقتها من المنزل حصل في خلال الصيف فيما كانت في السنة الأخيرة من المرحلة المتوسِّطة. كانت هذه المرة الأولى التي تخرجان منها من المخيم. تركتا المخيم، وتوجهتا إلى المدينة، واستقلتا الباص متوجِّهَتَيْن نحو بيروت. ولدى وصولهما إلى أحد مخيمات العاصمة، استقبلتهما عائلة بعد أن أخبراها أن والديهما متوفَّان. لكن، بعد أن أجرت العائلة تحقيقا بهذا الشأن، اتصلت هذه الأخيرة بالأب الذي سرعان ما أتى برفقة زوجته الثانية لاسترجاع ابنتَيْه. وما إن سمعت شقيقة نور بخبر وصول والدهها حتى تظاهرت بالذهاب إلى الحمام حيث عملت من شدة خوفها على شرب ماء جافيل. فتم نقلها على الفور إلى المستشفى لإخضاعها لغسيل مَعِدة. عندما عرفت الوالدة بخبر هروب ابنتَيها، تركت المنزل الزوجي هربا من الوالد، والتجأت عند والدَيها لتجنُّب رؤية زوجها. وإذ لم يعد بوسعها مواجهة زوجها خوفا من أن يحمِّلها مسؤولية سوء تربية الفتاتَيْن وهروبهما، طلبت الطلاق.

وبعد أن حصلت والدة الفتاتَين على الطلاق، استقرت في منزل والدَيْها برفقة أولادها الثلاثة الآخرين، في حين بقيت الفتاتَيْن مع والدهما. وتجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أن هذه الحادثة شكَّلت السبب المباشر للطلاق بين والدي الفتاتَين. كما أتى هذا الإنفصال ليزيد الأمور سوء لنور في خلال إقامتها عند زوجة والدها، رغم أن الوالد كان قد اتخذ قرارا بتغيير سلوكه تجاه ابنتَيْه. وفي هذا السياق، طلب من ابنتَيْه كتابة ما يزعجهم في شخصيته. نزولا عند رغبته، باحت نور له بكل ما يضايقها. وعندما قرأ الأب ذلك، ثارت أعصابه. فانهال ضربا على شقيقتها.

وفي دائرة العنف التي عاشت فيها نور، نسجت في خيالها رواية تعطيها أملا في الغد. فهي بحسب ما اختلقته في انتظار والديها الحقيقين، وعلى اقتناع بأن اللذين تجد نفسها مضطرة للعيش معهما، ليسا بوالديها الحقيقين، وبأنهما وجداها في الشارع. ومذذاك الحين، باتت تعيش على أمل بأن يأتي والداها الحقيقيّان ذات يوم لإصطحابها.

الرجل، والحب والزواج في حياة نور

في سن المراهقة، وقعت نور في حب جارها، إلا أنه تخلى عنها بعد انقضاء خمس سنوات ليرتبط بفتاة أخرى. وشكَّل هذا الأمر الصدمة الثانية التي تسبَّب لها بها رجلٌ في حياتها، بعد والدها. وبعد أن تلقت صدمة من والدها، باتت نور تقيم علاقة حذرة وقاسية مع بيئتها. والواقع أن معاناتها لم تعد تُحتمل، وتبدَّد أملها. وهذا ما يبدو واضحا في ما قلته:

"لقد آلمني ذلك كثيرا. ذرفت الكثير من الدموع إلى حد قالت لي إحدى صديقاتي: "توقفي عن البكاء". فأجبتها: "لا أستطيع ذلك، فليست عيناي اللتان تذرفان الدموع بل قلبي". لقد شعرت أن حياتي كلها ذهبت سدى. لذا كانت أصرخ لشدة الألم".

في هذه الأثناء، دخلت نور الجامعة. وتزوجت شقيقتها بحبيبها. فوجدت عندها نور نفسها مسؤولة وحدها عن إعالة والدتها وإخوتها. كما وجدت أن عليها بمفردها التغلُّب على علاقتها الغرامية الفاشلة، والسيطرة على غضبها، والتعامل مع حزنها، وقلبها المحطم. صحيح أن كثيرين هم الرجال الذين كانوا يطلبون يدها، لكنها كانت ترفض الزواج من كل رجل بتقدم لها لشعورها الدائم بالإشمئزاز، وتضع بالتالي خاتما لكي يظن الجميع أنها مخطوبة ويتركوها وشأنها.

عانت نور طوال سنة من آثار صدمتها العاطفية، فوضعت حد لتحصيلها العلمي الجامعي، وراحت تعمل في المبيع فتبيع السلع مباشرة في البيوت لمساعدة والدتها التي كانت تعمل في متجر عام كبير. وفي خلال عملها، التقت بعلي. فتزوجت به بدون أن تفكِّر كثيرا بالأمر، بحسب ما قالته لنا:

"عندما التقيت بعلي بعد سنة، لم أفكِّر بأي شيء. أردت فقط الزواج".

والواقع أن هذا الزواج يشكِّل بالنسبة إلى نور عبورا نحو شيء مختلف. فهو بمثابة هروب نحو المجهول. أما بالنسبة إلى الوالدة[9]، فإن الخطيب سيُخرج ابنتها من البؤس المالي والعاطفي الذي تختبره:

"لم يكن أولادي بمحبوبين. وعلاقاتهم بالآخرين كانت محدودة. وفي الحقيقة، يؤثر على الولد أن يشعر بأنه شخص غير محبوب، حتى والدهم لم يكن يهتم لأمرهم وكان جافا، عندما كان يعيش معنا، ولم يكن حتى يراهم. فمشاكلنا في البيت لم تكن تهمّه".

بعد الزواج، اكتشفت نور واقعا مغايرا. فهي لا تحب زوجها لأنهما من ثقافتَيْن مختلفتَيْن. ورغم أن زوجها عربي ومسلم مثلها، إلا أنه كمصري لا يشاطرها رؤيتها للعالم. أما تصرفاته فتزيد الطين بلة. وفي هذا السياق، تصف نور زوجها بأنه عنيف، وغريب الأطوار. وهي لطالما أرادت الطلاق، لكنها لم تجرؤ ترجمة رغبتها إلى فعل. فكانت تشعر بالتالي بالظلم، وبأنه محكوم عليها أن تعيش في الشقاء:

"أشعر بالظلم، وبأنه محكومٌ علي أن أعيش هذه الحياة. وهنا لا أقصد أن الأمور ما زالت على حالها. فكل شيء قد تبدل. ذهبت للعيش في مصر. وعند عودتي، أردت الطلاق. بعد ذلك، تغيَّر زوجي. لكن مازلت أشعر انني لست بخير، وأن علي المضي قدما لأنه لم يعد بوسعي العودة إلى الوراء".

وإذ كانت والدة نور متواجدة لدى إجراء المقابلة، فإنها عملت على المدافعة عن ابنتها، وطلبت عدم الحكم عليها، بل تفهُّم أفعالها والأسباب التي آلت بها إلى ما هي عليه اليوم. فراحت عندها هذه الأخيرة تشرح لي السياق لمساعدتي على بناء فهم أفضل للوضع القائم قائلة: "كنا في مخيَّم آخر على مقربة من والدَّي. كانت عندها تعمل كبائعة. وبما أن نور هي الإبنة البكر في العائلة، كان عليها مساعدتي في الوقت الذي كنت أنا أيضا أعمل. لذا، فإنها كانت تعمل في بيع السلع مباشرة في البيوت. ولهذا الغرض، كانت تذهب في الصباح الباكر لتعود في وقت متأخِّر عند المساء، فتكون رجلاها متنفِّختين من شدة التعب. وكانت تقوم بكل ما تقوم به لكي توفِّر لنا قوتنا اليومي. والحقيقة أن المالك كان قد طردني من الشقة لأنه لم يعد بوسعي تسديد بدل الإيجار. كما أن جدي قد رفض أن يدعني استأجر شقَّته بحجة أنه لو لم نسدِّد بدل الإيجار، سيشعر بالإزعاج إزاء مطالبتنا بتسديد المبلغ المتوجِّب علينا. وفي هذه الأثناء، لم يأت أحد ليطلب يدها. لذا فكان عليها أن تقبل بأول رجل طلب يدها لتضع حدا للحياة التي تعيشها. لم يمد لنا أحدٌ يوما يد العون".

وتجدر الإشارة إلى أن الوقائع التي عاشتها نور مع والدها عادت وتكرَّرت في حياتها مع زوجها. فعندما كانت يافعة، كانت تشعر بخوف شديد من والدها عندما يعود غلى المنزل. وعندما تزوَّجت، باتت تعيش المشكلة نفسها مع زوجها؛ فما إن يفتح الباب حتى تشعر بخوف شديد، لا بل اسوأ من ذلك، فإنها تشعر دائما بأنها تختنق على كافة الأصعدة، حتى انها أحيانا تشعر أن حب بناتها يخنقها.

إلى ذلك، لا ترى نور نفسها كامرأة، بل إنها تشعر أنها امٌ تبذل كل ما في جهدها في سبيل حماية بناتها. كما أنها تشعر بالوحدة. فهي تواجه بمفردها خوفها، وعنف والدها:

"ما من أحد يدعمني عندما أكون في نزاع مع زوجي. أنا أخاف منه بشكل لا إرادي. فأنا أخشى أن يحتجزني وأن يضربني أمام الأولاد. وغالبا ما يضربني، ثم عندما يخرج تأتي البنات لتخفيف ألمي".

وشغل نور الشاغل هو أن ألا تختبر بناتها هذا العنف، ذلك أن بناتها يشعرن أكثر فأكثر بالإضطراب إزاء أفعال والدهن، ولا يتردَّدن في إخبار الآخرين ما تعانيه والدتهن من جراء أفعال والدهن. في ظل هذا الواقع، طلبت نور من زوجها أنه عندما يريد ضربها ألا يفعل ذلك أمام الفتيات. أذعن زوجها مع الوقت لإرادتها إذ لم يعد يعنِّفها بحضور الأولاد. لكنها كانت بذلك تدرك أنه عندما يناديها وهو غاضب، فإن ذلك يكون لضربها، وإهانتها والتفريغ عن غضبه. فهو يضربها بكل ما يقع في يده، أي زنار، عصا...الخ. وما إن ينتهي من ضربها حتى يوجه لها الكلام كأن شيئا لم يكن، بدون حتى أن يقدم لها أي اعتذار. أما هي فيسبِّب لها الضرب كدمات في وجهها وفي كافة أنحاء جسمها، كما يجعلها تشعر بالحقد تجاهه. لذا فإنها ترفض رؤية بناتها بعد تعرضها للضرب، وتشعر بأنها فاشلة. غير أن نور تعلمت مع الوقت ألا تفكِّر بما يفعله زوجها بها. فكل منهما ينام في غرفة منفضلة منذ ولادة طفلهما الأول. وعندما يريد مضاجعتها، يناديها، فتلبي رغباته وتعود بعد ذلك إلى غرفة بناتها.

استنساخ أنماط العنف

تعي نور أنها تعمل في خلال تعاملها مع أولادها على استنساخ النمط الأسري. فهي متطلِّبة مع ابنتها البكر، وتلقي على كاهلها الكثير من المسؤوليات، تماما كما كانت تفعل والدتها معها. كما أنها تعوِّل عليها لمساعدتها وتشاطر الأعمال المنزلية معها.

وعليه، باتت نور تعيش في دائرة مفرغة من العنف الذي لا ينفك يتكرَّر. فوالدتها كذا والدها ضحية الوالدين. أما هي وإخوانها، وأخواتها فهم بدورهم جميعهم ضحية أهلهم. ولفترة طويلة، كانت نور وإخوانها متنفَّسا لهذا العنف الذي عاشه الوالدان. لذا توصلت نور في ما بعض إلى خلاصة مفادها بأنه إن لم يكن والدها يحب والدتهان فسيتعذَّر عليه أن يحب الأولاد. لذا فإنه غالبا ما كان غائبا عن المنزل.

إلى ذلك، لا تشعر نور بالرضى عندما تضرب ابنتها. لكنها تشعر أنها من خلال ذلك تلبي إحدى احتياجاتها. لذا فإنها تشعر عندما تنتهي من ضربها بانزعاج مزدوج.

والحقيقة أن نور تشبه العديد من الأمهات في محيطها اللواتي يشعرن بالحاجة إلى تفريغ غضبهن بالطريقة الأسهل، ألا وهي عبر صب جام غضبهن على الأطفال. فيصبح عندها هؤلاء متنفَّسا للعنف الذي يقع ضحيته الوالدان. غير أنها تختلف عن الأمهات الأخريات بوعيها بحالة العنف الذي تزج أولادها فيها، وبما تعيشه من معاناة، إلى جانب ما تعانيه من ضغط لأن كل ذلك جعلها تشعر بالحاجة إلى اللجوء إلى وسيلة التعبير هذه.

أضف إلى ذلك أن حياة نور عبارة عن سلسلة مُتوالية من اللااستقرار واللاأمان: اللاأمان المالي، واللاأمان العاطفي، واللاأمان في مكان العمل. والواقع أنها إلى جانب اللاأمان الذي تختبره نور في زواجها، فإنها تعيش أيضا حزنا عميقا في ما خص وضع إخوانها الذين لا يحظون باي دعم، ويرفضون العمل والمضي قدما، بالإضافة إلى كونهم لم ينالوا أي شهادة ولم يحصلوا على أي فرصة عمل.

إلى ذلك، فإنها تشعر بالندم إزاء واقعها، كما تندم على عدم متابعتها تحصيلها العلمي لأنها لو فعلت لكان وضعها أفضل بكثير مما هو عليه اليوم. لذا فإنها تشعر بالذنب لكونها دمرت نفسها. وإن نور لتعي تماما هذا الشعور بالذَّنب الذي يندرج في إطار العلاقات بين الأنا المثالي والأنا لأنه يساعدها على المضي قدما.

والجدير بالذكر أن شخصية نور نمت وسط المعاناة والألم. فهي لم تلق الرعاية الضرورية أثناء طفولتها لتشعر بالإنشراح. والحقيقة أن هذا المُعاش حدد قدرتها على التفاعل مع بيئتها الإجتماعية. فكلما كانت تمر في مراحل محدَّدة مسبقا في الحياة ، كان فهمها لنفسها ولحياتها يولِّد في نفسها شعورا بالظلم. وكانت تتبدَّل بالتالي مع الوقت توقعاتها إزاء المجتمع. وعليه، اكتسبت نور عبر مختلف خبراتها مشاعر حذر تجاه مجتمعها. وبالفعل، طبع العنف جميع علاقاتها التي لطالما كان مصيرها الخيانة أو الفشل.

ويتجسَّد العنف الذي تعيشه نور في ما تظهره هذه الأخيرة من عُدوانية. كما يأتي كاستجابة غير مُراقبة، وإنما مُكتسبة، وكردَّة فعل على وضع من الإذلال، إذ تعمل من خلال اللجوء إلى العنف  على التعبير عن معاناتها، وعما يجول في نفسها من مشاعر سلبية من جراء وضعها الذي يحط من قدرها في العمل. وتستطيع نور بذلك إخراج ما تعيشه في نفسها من معاناة ومشاعر دفينة فيتبلور في مواجهاتها مع أطفالها. وهي تصرح في هذا السياق ما حرفيته:

"مرد كل ذلك إلى تراكم المشاكل، وإلى الأمور التي لم نقله ، ونعبِّر عنها. أعود أحيانا إلى المنزل منهكة القوى. وعندما يوجِّه ليا أحدهم الكلام، أشعر بأنني اريد قتله. ولكن، لا أكون في الواقع أتوجَّه بالكلام إليه إذ إنني أعمل على إسقاط صورة الشخص الذي ألحق بي الأذى في العمل. غير أننا إذا استطعنا فصل الأمور عن بعضها في العلاقات التي نقيمها مع الآخرين، سنكون أفضل حالا. ولكن يتعذَّر علينا القيام دائما بذلك. وهذا بالتحديد ما يولٍّد العنف. وبما أنه ليس لدي أي سلطة على شخص ما، فإنني استخدم ابنتي الصغيرة كمتنفِّس لعنفي لأنها ببساطة أشد ضعفا مني".

ترفض نور ما تتعرض له من إذلال وحط من قدرها. فهي تجد نفسها في علاقة تسودها القوة واللامساواة. و يولِّد هذا الواقع بالتحديد في نفسها شعورا بالحقد إزاء الشخص المتسلِّط، أو زوجها،أو مديرها. لذا يتفجَّر عنفها الشفهي والجسدي في إطار تفاعل مبني على المواجهة مع الأشخاص الأكثر ضعفا منها الذين تستطيع السيطرة عليهم، أي وبتعبير آخر الأطفال.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن هذا التصرف يصبح أسلوبَ عملٍ تنتهجه نور إلى حد بات يتعذَّر عليها الخروج منه:

"كثيرا ما وقعت ضحية العنف، وأصبحت عنيفة. لكنني لا أستطيع ألا أتصرَّف هكذا. والواقع أنني اكتسبت هذه العادات لأفرِّغ طاقتي. فالعادة تجعلك لا تفهم إلا عبر اللجوء إلى العنف. فمثلا، أنا معتادة مع زوجي على هذا الأسلوب: عندما تثير أعصابُه، يصبح بإمكانه التعبير عن نفسه بهدوء. لكن، في المقابل، إن لم تثر أعصابه بقوة، ويلجأ إلى الشتائم، والصراخ، لا أصدق أنه حقا غاضبٌ".

الخاتمة

تقع نور ضحية العنف الجسدي والنفسي الذي يمارسه عليها والداها وزوجها. والواقع أن عاملَيْن أساسيَّيْن يساعدانها على مقاومة عنف زوجها وعدم الرضوخ له. يتمثل العامل الاول بكونها عادت إلى المخيم لتعيش فيه برفقة زوجها وأولادها. فشعرت عندها بأنها أشد قوة في بيئتها منه في مصر. أما العامل الثاني فهو حصولها على فرصة عمل واستقلالها الذاتي المالي. وبالفعل، منذ أن أصبحت المورد المالي الأول للعائلة، وباتت تحصل على أجر، لم تعد ضحية سهلة لزوجها.

والحقيقة أن نور تعلمَّت مُماثلة معاناتها عبر خوضها مضمار العمل الثابت. لكنها، مع ذلك، لن تغفر أبدا لثلاثة رجال شكلوا مصدر معاناتها وهم: والدها، وصديقها السابق، وزوجها.

إلى ذلك، يظهر مُعاش نور أن الفترة التي تحتل فيها النُّفوذية (أو قابلية المرء على امتصاص الصدمات) مكانة لافتة على كافة المستويات المهنية، والعائلية، والعاطفية، لم تكن الأمور تسير على ما يرام بالنسبة إليها. وهكذا عكس محيطُها إدراكَها الحسي لنفسها في جو يسوده الحذر لا الثقة؛ والعار والحيرة واللغط في الأدوار، عوضا عن الإعتماد على الذات؛ والعزلة، والركود بدلا من الخصوصية، والتطور، في حين حل اليأس محل السلامة الشخصية.

من جهة أخرى، تظهر لنا قصة نور كيف أن هذه الأخيرة تمكَّنت من بناء ذاتها كشخص فاعل ضمن مسار محفوف بالألم. فعلى الرغم من معاناتها، استطاعت أن تبني "أنا" قوية، حتى إن كان عليها الإمتثال لبعض المتطلبات، والقبول بالقيوض المفروضة عليها، والتصدي لعلاقات تسودها الهيمنة. والواقع أنه عندما أجرينا المقابلة مع نور، كانت هذه الأخيرة تعيش لحظة مفصلية لجهة هويتها، فابتعدت بالتالي (بصورة استبطانية أو مُدركة) عما يدور من حولها، في محاولة منها لإعادة صياغة دلالات سلوكها. ومرد هذه الذاتية المؤلمة، التي هي عبارة عن مزيج من الإعتماد على الذات، والإستبطانية، وقوة الإرادة، بشكل مباشر إلى وضع نور العائلي، وبشكل غير مباشر، إلى السياق العام الخاص بوضع اللاجئين الفلسطينيين الذي يجعلهم أشد ضعفا من سواهم على كافة المستويات.

 

 

لائحة المراجع باللغات الأصلية:

Michel Agier, « La Force du témoignage. Formes, contextes et auteurs de récits de réfugiés », dans Marc Le Pape, Johanna Siméant, Claudine Vidal (eds.), Face aux crises extrêmes: intervenir et représenter, Paris, La Découverte, 2006, p.151-168.

Souheil Al-Natour, Les Palestiniens du Liban : La situation sociale, économique et juridique, (traduit par Donadieu, L.), Beyrouth, Dar el taqadom al arabi, 1993.

Jacqueline Barus-Michel, « Avatars du sens et déplacement des références », dans Jacqueline Barus-Michel, Florence Giust-Desprairies (eds.), Scène sociale: crise, mutation, émergence. Paris, ESKA, vol. 4, n° 9, 1998, p. 77- 89.

Vincent de Gaulejac, Les sources de la honte, Paris, Desclée de Brouwer, 1996.

Jean-François Laé, Numa Murard, « L'enquête, l'enquêteur et la perception », dans Jean-François Laé et Numa Murard (eds.), Les récits du malheur, Paris, Descartes et Cie, 1995, p. 167-180.

Isabelle Taboada-Léonetti, Stratégies identitaires et minorités: le point de vue du sociologue, dans Camel Camilleri (eds.), Stratégies identitaires, Paris, PUF, 1990, p. 45-83.




[1]  جان فرنسوا لايه، نوما مورارد، "التحقيق، والمحقِّق، والإدراك الحسي"، في جان فرنسوا لايه، نوما مورارد (إشراف)، روايات  الشقاء، باريس، ديكارت وشركاؤه، 1995، ص. 167-180.

[2]  فانسان دو غولوجاك، مصادر العار، باريس، ديكلي دو بروير، 1996.

[3]  حالات العنف وسوء الإساءة هي على صورة  مختلف وجوه السلطة. العنف الإقتصادي (الفقر، البؤس، الإستغلال، البطالة...)، والعنف الإجتماعي (فقدان حقوق، عدم مساواة...)، والعنف الرمزي (وصمة، إلغاء، إقصاء وتجريد من صفة...)، والعنف الجسدي (سوء المعاملة، التعذيب)، والعنف النفسي (الإحساس بالدونية وخَفْض القيمة، الرفض، تنقيص...)، المرجع نفسه.

[4]  إيزابيل تابوادا-ليونيتي، "الإستراتيجيات الخاصة ببناء هوية والأقليات: من وجهة نظر عالم الإجتماع"، في كاميل كاميليري (إشراف)، الإستراتيجيات الخاصة ببناء هوية، باريس، دور نشر جامعات فرنسا، 1990، ص. 45-83

[5]  المرجع نفسه

[6]  لمزيد من المعلومات حول وضع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، راجع: سُهيل الناطور، أوضاع الشعب الفلسطيني في لبنان، بيروت، دار التقدم العربي، 1993.

[7]  جاكلين باروس ميشال، "تبدُّل الإدراك ونَقل حالات الإسناد"، في جاكلين باروس ميشال ، فلوران غيست-ديبريري (إشراف)، الساحى الإجتماعية: أزمة، تبدُّل، وبروز، باريس، دار نشر إيسكا، المجلد 4، العدد 9، 1998، ص 77-89.

[8]  فانسان دو غولوجاك، مرجع سابق، 1996.

[9]  المقابلة الثانية، 9 شباط/فبراير 2011، طرابلس-لبنان. 

About the author(s):
Marie Kortam:

Marie Kortam is a sociologist, member of the Arab Council for Social Sciences, and an associate researcher at the Institute Français du Proche-Orient (IFPO - Beirut). She is the author of numerous journal articles and book chapters on violence, conflicts, inequalities, radicalisation process, Palestinian refugees and segregation. She holds her PhD in Sociology and a Master in Clinical Sociology from the University of Paris-Diderot. She has a professional Master in Information-Communication and a Master in Social Work from Saint Joseph’s University in Beirut. She was invited as a visiting research fellow to the Christian Michelsen institute in Bergen. Previously, she worked from 1999 to 2004 as a social worker in urban deprived areas in Tripoli, and has worked with UNRWA. She is the author of two books: Jeunes Palestiniens, jeunes français: quels points communs contre la violence et l’oppression?, Paris, L’Harmattan, 2013; Jeunes du centre, jeunes de la périphérie : discours sur la violence, Berlin, Editions Universitaires Européennes, 2011.