Primary tabs

You are here

الجيش والمجتمع: شرعية الجيش اللبناني في دولة ومجتمع الطوائف

Publishing Date: 
August, 2016
Dossier: 
Conflict Analysis Project
Author(s): Marie Kortam
Abstract: 
يحلِّل هذا المقال تمثّلات المدنيين في طرابلس عن الجيش اللبناني وفق ثلاث مراحل نعتبرها مفصليةً في تطور العلاقة بين الجيش والمدنيين. كانت هذه العلاقة المدنية ـ العسكرية مبنيةً في المرحلة الأولى على القطيعة والاصطدام الطائفي اليومي وانعدام الثقة في الجيش. أما المرحلة الثانية، فتتمثّل بالتواصل الحذر ومدّ الجسور بين الجيش والمدنيين بهدف استعادة السلم الأهلي والاجتماعي، وكسب الثقة المتبادلة. أخيرًا، شهدت المرحلة الثالثة فرض الأمم المتحدة والمجتمع الدولي نموذجًا جديدًا على الجيش من خلال مفهومٍ مدني جديدٍ للأمن وللتموضع داخل المجتمع بهدف بناء علاقاتٍ عسكريةٍ ـ مدنيةٍ آمنةٍ وسليمة.
Keywords: Security & Policing, Tripoli, Lebanese Armed Forces
Full text: 
Full text

شهدت مدينة طرابلس، عاصمة شمال لبنان، بين العامين 2011 و2014 عشرين جولةً من العنف المسلح دارت بين الحزب العربي الديمقراطي، ذي القاعدة العلوية، في جبل محسن ومجموعاتٍ مسلّحة في المناطق السنّية المحيطة به وأبرزها منطقة باب التبانة[1]. لعب الجيش خلالها دور الحكَم والحامي للفريقين، غير أنّ الاتهامات التي وُجهت إليه بأنّه نصيرٌ لحزب الله والحزب العربي الديمقراطي وبأنّه حامي مصالح الطائفتين الشيعية والعلوية تكشف التصوّرات والتمثّلات التي يحملها عنه أهالي طرابلس في الأحياء الفقيرة وتدلّ على وجود أزمةٍ تتعلّق بشرعية الجيش، ما اضطره إلى إعادة النظر بطريقة عمله في المدينة.

في هذا السياق من فقدان الشرعية، واجهت المؤسسة العسكرية القطيعة وعدم الثقة الشعبية بها تارةً بالامتناع عن المواجهة ومدّ الجسور، وطورًا بالمواجهة بالقوة وإنهاء ظاهرة الإسلاميين المحرّضين على الجيش. وقد نجحت هذه المؤسسة في فرض نموذجٍ آخر للعلاقات المدنية ـ العسكرية في ظلّ انعدام الإجماع الوطني عليها، مثلما تبيّن المقابلات التي أُجريت لغرض هذا البحث مع سكان المدينة عن العلاقة بين الجيش والسكان في الفترة الممتدة بين العامين 2013 و2015. تمت مقابلة خمسة عشر شخصًا من الفاعلين في الأحياء المشمولة بالدراسة، وهم إمّا شيوخٌ أو أشخاصٌ معروفون في أوساطهم بوصفهم زعماء سياسيين أو دينيين أو أفرادٌ عبّروا عن اهتمامهم ورغبتهم في المشاركة بهذه الدراسة. كذلك، أُجريت مقابلاتٌ شبه موجّهة، على غرار مقابلات الفاعلين، مع خمسة ضباطٍ من المؤسسة العسكرية في طرابلس أو في بيروت، لا يزال بعضهم في الخدمة وآخرون متقاعدون. تم تغيير كثيرٍ من الأسماء بناءً على طلب المحاورين واستُبدلت بأسماء مستعارة.

على الرغم من هشاشة النظام السياسي اللبناني[2]، تمضي الحياة السياسية في البلد أحيانًا باتجاه الاستقرار والسلم الاجتماعي. ولكن مع نشوب أزماتٍ سياسيةٍ محليًا أو إقليميًا أو في البلدان المجاورة، سرعان ما يهتزّ الاستقرار في لبنان. هذا ما حصل عندما اندلعت الأزمة السورية. فتاريخيًا، وعلى الرغم من الخلافات بين جبل محسن وباب التبانة، استطاع هذان الحيان النسيان واستعادة العلاقات الاجتماعية المتينة. إلا أنّ التوتر قد عاد مع بداية الأزمة السورية. وقد اختلّت عملية التوازن والانتقال السياسي الطائفي بسبب ما ذكرنا آنفًا، وبسبب تركيبة لبنان الطائفية والمذهبية المتأصّلة دستوريًا والتي تجعل منه بلدًا ذا طبقةٍ سياسيةٍ هشة، إذ إنّ الحامي والمحامي الأول لكل لبناني هو طائفته التي من خلالها يوجد ويكون. تجسّد ذلك في طرابلس في الأحياء الفقيرة، منذ العام 2011، في انقسام الطبقة السياسية اللبنانية بين مؤيدين ومعارضين للثورة السورية، أي بين الحزب العربي الديمقراطي[3] الموالي للنظام السوري في جبل محسن[4] من جهة، وبين مجموعاتٍ مسلحةٍ داعمةٍ للثورة السورية في الأحياء السنية المحيطة بجبل محسن وأبرزها باب التبانة والقبة. تتلقّى هذه المجموعات المسلحة الدعم من بعض سياسيي المدينة، منهم من هم ضد تيار المستقبل[5] الممثل بزعيمه سعد الحريري، ومن شخصياتٍ ومسؤولين بارزين في تيار المستقبل الداعم لـ"الثورة" السورية.

في هذا الصراع السياسي المُقنّع طائفيًا بامتياز، تعرضّت المؤسسة العسكرية لعدّة أزمات. لقد نجحت هذه المؤسسة الوحيدة الجامعة التي يتغنّى بها أكثرية اللبنانيين في كثيرٍ من الأوقات في حمل سمة الرمز الوطني وفشلت في أوقاتٍ أخرى، لأنّ الجيش تنظيمٌ اجتماعيٌّ "مغلقٌ" ولكنّه منخرطٌ في علاقات تأثيرٍ وتأثّرٍ مع المحيط الاجتماعي والسياسي للبلد. وبالتالي فهو يمثّل تعدّد الطوائف والمذاهب، ويعكس بشكلٍ معقولٍ المجتمع الطائفي اللبناني تحت مظلة مؤسسةٍ وطنيةٍ جامعةٍ واحدةٍ لكل اللبنانيين.

انطلاقا من هذا السياق، سنحاول تحليل تمثّلات المدنيين في طرابلس عن الجيش اللبناني وفق ثلاث مراحل نعتبرها مفصليةً في تطور العلاقة بين الجيش والمدنيين. كانت هذه العلاقة المدنية ـ العسكرية مبنيةً في المرحلة الأولى على القطيعة والاصطدام الطائفي اليومي وانعدام الثقة في الجيش. أما المرحلة الثانية، فتتمثّل بالتواصل الحذر ومدّ الجسور بين الجيش والمدنيين بهدف استعادة السلم الأهلي والاجتماعي، وكسب الثقة المتبادلة. هكذا، يحاول الجيش التغلغل في المجتمع من خلال استقطاب وزرع أشخاصٍ لتجميع أكبر كمٍّ من المعلومات لاستعادة رصيده وربح كلّ ما خسره في المرحلة السابقة، لكنّ ذلك يحدث بصعوبةٍ في أغلب الأحيان. أخيرًا، شهدت المرحلة الثالثة فرض الأمم المتحدة والمجتمع الدولي نموذجًا جديدًا على الجيش من خلال مفهومٍ مدني جديدٍ للأمن وللتموضع داخل المجتمع بهدف بناء علاقاتٍ عسكريةٍ ـ مدنيةٍ آمنةٍ وسليمة.

قطيعةٌ واصطدامٌ طائفي وانعدام ثقة

سنعمل أولًا على رصد كافة أشكال التوترات والاصطدامات الطائفية[6] مع الجيش وتحليل تأثيرها في نمط العلاقة التي تتشكّل بين الجيش والمدنيين. هنالك أحداثٌ عديدةٌ جرت وأثّرت إما سلبيًا وإما إيجابيًا في تمثّلات المدنيين عن المؤسسة العسكرية. فبعض هذه الأحداث غيّر تدريجيًا صورة المؤسسة العسكرية عند أغلبية سكان أحياء الدراسة في مدينة طرابلس، ما أدّى إلى القطيعة بين المدنيين والجيش. تندرج الأحداث العديدة التي أدت إلى تغذية التمثّلات السلبية عن الجيش اللبناني تحت عنوانين أساسيين. الأوّل هو ضعف الأحزاب والحركات السياسية الإسلامية[7]، والدور السلبي الذي يقوم به الزعماء الدينيون المتطرفون في الأحياء والمناطق الفقيرة والمهمشة في ظلّ غياب وضعف دار الفتوى، المؤسسة السنية الرسمية الأولى في الدولة. في المقابل، يتمثل العنوان الثاني في خطابٍ شعبي سائدٍ حول جدلية دور حزب الله في البلاد والذي أدى إلى انحياز المؤسسة العسكرية لطرفٍ معينٍ وخضوعها لإمرة السياسة الإيرانية السورية المتمثلة في حزب الله في لبنان[8]. وقد حال هذا الأمر دون اتفاق الحكومة على استراتيجية الأمن القومي، لاسيما بالنسبة لما يحصل في سوريا، بحكم انقسام الحكومة بين قوى ١٤ آذار/ مارس [9] و٨ آذار/ مارس[10]، وتدخّل حزب الله في الحرب السورية على الرغم من الموقف اللبناني الرسمي بالنأي بالنفس خشية انتقال الأزمة وأعمال العنف من سوريا إلى لبنان.

الأحداث المباشرة التي أفضت إلى القطيعة

أدّت حرب تموز/ يوليو في العام 2006 إلى تغيير صورة حزب الله سلبيًا وإيجابيًا. فكانت النتيجة ازدياد نفوذ حزب الله في البلاد، وقد اعتبر عددٌ من ضباط الجيش اللبناني أنّه كان يجب على حزب الله استشارة المؤسسة العسكرية قبل الدخول في الحرب.

وفي العام 2007، جاءت معركة مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين التي شنّها الجيش اللبناني ضد تنظيم فتح الإسلام بعد أن تعرّض لمجزرةٍ على يد هذا التنظيم، فرفعت رصيد الجيش في البلاد على حساب رصيد حزب الله، وأكّدت التزام الجنود والضباط السنة وحاضنتهم المحلية بالمؤسسة العسكرية وفق العرف الطائفي المحلي. حيث تمكّن الجيش من القضاء على تنظيم فتح الإسلام بتدمير مخيم نهر البارد بعد 105 أيام من حصاره. وكانت النتيجة مئات من القتلى: 179 قتيلًا في صفوف الجيش اللبناني، 226 من الإسلاميين و50 فلسطينيًا، إضافةً إلى آلاف الجرحى وتهجير آلاف العائلات الفلسطينية.

 ولكن ما لبثت أن حصلت حادثة 7 أيار/ مايو 2008، حين دخلت قوات حزب الله وأمل وحلفائهما إلى بيروت، ما أظهر للمدنيين علاقةً غامضةً بين حزب الله والجيش اللبناني إلى حدّ أنّ حزب الله لم يستشر الجيش مرةً أخرى قبل دخوله إلى المناطق الشعبية من الجهة الغربية للعاصمة. لم يكن أمام الجيش خيار، فاتخذ موقفًا حياديًا وقام باحتواء الموقف قدر الإمكان. وما إن وقعت حادثةٌ أخرى بعد شهورٍ قليلة حتى ازداد اتهام المدنيين والمجموعات السياسية لحزب الله بأنّه يسيطر على المؤسسة العسكرية. ففي آب/ أغسطس 2008، أسقط حزب الله مروحيةً للجيش اللبناني "عن طريق الخطأ" في الجنوب، ما أسفر عن مقتل قائدها. فألهب هذا الحادث مرةً أخرى التوتر الكامن ضمن العلاقات المدنية ـ العسكرية.

لطالما وجد الجيش نفسه في مواقف غير مريحةٍ في مواجهة حزب الله. فعلاوةً على قتل الشيخ أحمد عبد الواحد التابع لتيار المستقبل في عكار في أيار/ مايو 2012 والذي دعا عضو كتلة المستقبل النائب هادي حبيش إلى نفي "المعلومات التي تحدّثت عن طرد الجيش من عكار"، موضحاً أن "كتلة نواب عكار لم تجتمع ولم تتّخذ أي قرار"، هنالك الهجوم الذي شنه الجيش اللبناني ضد الشيخ أحمد الأسير المشهور بخطاباته ضد حزب الله بعد استهدافه لعناصر من الجيش في صيدا، في حزيران/ يونيو 2013.

إنّ كلّ هذه الأحداث أعطت انطباعًا لمجموعة من اللبنانيين بأنّ الدولة في لبنان لا تحتكر استخدام القوة بسبب "ازدواجية السلطة" في البلاد ودور حزب الله كحزبٍ متسلّطٍ مسيطرٍ وليس مقاومًا، وأثّرت في نظرتهم إلى الجيش[11]. وقد أثنى على ذلك عميدٌ متقاعدٌ في الجيش اللبناني في حديثه معنا بقوله: "بعد اغتيال الحريري، أُجبر النظام السوري على سحب جيشه من لبنان، لكنّ بنية النظام السوري بقيت متأصلةً في المؤسسات الوطنية، لاسيما الجيش. فعلى الرغم من الصعوبات التي واجهها حزب الله في البداية، أثبت فيما بعد أنّه الوحيد الذي يتمتع بمهارات عمل النظام السوري"[12].

وفي ظلّ كلّ هذه الأحداث المقيدة للمؤسسة العسكرية، انتشر خطابٌ اتهامي مناهضٌ للجيش ضمن فئات من أهل السنّة في طرابلس. فهو متهمٌ بأنّه واجهةٌ ومعرَض، وحامٍ للعلويين الممثلين بالحزب العربي الديمقراطي. نجد في هذا الخطاب فارقًا بسيطًا لدى الأفراد، فهم يفرّقون بين المؤسسة العسكرية والقوات المسلحة والجنود الذين يسعون كلٌ حسب طائفته إلى التصرف وفقًا لهويته الدينية ومصالح طائفته. بمعنى أنّه إذا أظهر بعض الضباط أو الجنود الولاء لطائفتهم، فهذا لا يعني أنّ المؤسسة العسكرية بكاملها متعاونةٌ مع طرف ضد طرف، بل يعني أنّ بعض الأفراد هم الذين يعطون هذه الصورة. فالجنود، وفقًا للمدنيين، "يشكلون طرفًا في الصراع الدائر سعيًا للدفاع عن الخط السياسي لطوائفهم"[13]. هكذا، يعتبر المدنيون أنّ أفراد الجيش لا يخضعون جميعهم لقرارٍ موحدٍ صادرٍ عن قائد الجيش، بل إنّ هنالك كثيرًا من الضباط يستمدّون أوامرهم من السيد حسن نصر الله، أمين عام حزب الله. ولبلورة هذه الفكرة، يتّهم الشيخ السلفي الجهادي سالم الرافعي[14] الجيش قائلًا، إنّ "المجوقل"، أي القوات الخاصة المنقولة جوًا، الذي أطلق النار في عرسال على وفد هيئة علماء المسلمين الذي يفاوض جبهة النصرة من أجل إطلاق سراح العسكريين، هو نفسه من أطلق النار على الشيخ عبد الواحد في عكار، وهذا يعني بالنسبة إليه أنّ هنالك ضباطًا مخترقين لصالح حزب الله وحليفه قائد الجيش السابق، الجنرال ميشال عون. يطغى هذا المنطق الفردي على المنطق الجماعي الذي يشكّل صورة الجيش. إذ إنّ المدنيين يأسفون لأنّ حزب الله حوّل المؤسسة العسكرية إلى أداةٍ سياسية في هذه الدولة، في حين كانت ضمانة فخرٍ لأهل السنّة حين حاربت فتح الإسلام في مخيم نهر البارد[15] .

القطيعة

لم يكن بوسع الجيش بين العامين 2011 و2014 إلا تخدير الوضع في طرابلس بخططٍ أمنيةٍ لإنهاء كل جولة نزاعٍ بناءً على قرارٍ سياسي. فقد كانت الحالة السياسية والعسكرية اللبنانية والإقليمية تحدّد بداية المعركة، أو جولة العنف، ثم يتدخّل الجيش لوقف الصراع بناءً على قرارٍ سياسي وعلى رفع الطبقة السياسية الغطاء السياسي عن المقاتلين. استمرت هذه الدائرة من الصراع ثلاث سنوات وتضمّنت عشرين جولة عنف.

في هذا الصراع، يعتبر محاوري أنّ الجيش حليفٌ للعلويين ويحمي جبل محسن. يقول أبو داوود، أحد المقاتلين السنّة: "موقف الجيش على خط التماس يجعل العلويين أقوى، يطلقون النار علينا دون خوفٍ من أي شيء"[16]. ويؤكد ماهر[17] من باب التبانة بأنّ "الجيش ضدنا، وليس معنا" لتحديد انحياز الجيش وتبرير تهميشهم له بمنعه من دخول أحياء باب التبانة. وبهذا العمل، يعتبر هؤلاء المقاتلون أنهم يحدّون من تدخّل حزب الله في حياتهم اليومية. من ناحيةٍ أخرى، وعلى الرغم من هذا الانتقاد للمؤسسة العسكرية، يعترف أبو جندل[18]، أحد المقاتلين، بالمسؤولية المترتّبة على سكّان باب التبانة في موضوع سوء معاملة الجيش والدخول في معركة مع المؤسسة العسكرية، لأنّها في نهاية المطاف هي وحدها من يسهر على أمن البلد.

نتيجةً لهذه الأسباب والأحداث، شاع التصريح بأنّ بعض الضباط في المؤسسة العسكرية يخضعون لأوامر حزب الله في التمثّلات الشعبية لدى بعض الفئات السنّية التي ترى بأنّه لا يجوز لحزب الله احتكار المقاومة، إذ إنّ السنّة قبل الشيعة كانوا بمختلف انتماءاتهم يقاتلون في الجنوب ضد العدو الصهيوني، ولا يجوز لحزب الله تحت شعار التنسيق من أجل المقاومة ضد إسرائيل السيطرة على المؤسسة العسكرية. يطرح هذا الاعتقاد الشعبي مسألة استقلالية القرار العسكري في جوٍ تخضع فيه المؤسسة العسكرية في لبنان لضغوطات عدةٍ تحدّ بالأساس من استقلاليتها، سواء على المستوى العسكري، أي المعدّات، أم على المستوى الوظيفي، أي التدريب.

وفي طرابلس، حيث تمثّلت المرحلة الأولى بالقطيعة، رأت الزعامات الشعبية في المدينة أن الجيش لا يملك إرادةً لوقف الصراع، بل يكتفي بلعب دور الحكم، فهو خاضعٌ لرجال السياسة الذين يقرّرون خفض وتيرة الصراع أو رفعها. وفي المقابل،، يُعدّ الجيش في باقي أرجاء البلاد وفق هذه النظرة جيش الوطن وهو يضرب بيدٍ من حديد كلّ من يحاول المسَّ بالأمن. لقد أكد أحد الضباط[19] بالفعل في أواخر العام 2013 أنّ هدف الجيش، حينذاك على الأقل، كان ضبط النزاع بأقلّ الخسائر الممكنة، وذلك عبر محاولة الحدّ من القتال والإقلال منه ومنع الاعتداءات والتحام مختلف الفئات فيما بينها، في ظلّ ما اعتبره غياب الغطاء السياسي وفي بعض الأحيان هجوم فعاليات طرابلس ونوابها على الجيش والتحريض عليه لمنعه من القيام بدوره. لذلك ظلّ دور الجيش في أماكن النزاع، أي جبل محسن وباب التبانة، مقتصرًا على تسيير الدوريات والانتشار في أماكن النزاع ومراقبة خطوط الفصل، فضلًا عن تجنّب أي احتكاكٍ مع المدنيين وتجنّب أن يقوم أحد الأطراف بمجزرةٍ ضد الآخر. واعتبر الضابط أن الجيش لا يستطيع القيام بأكثر من هذا، فهو لا يستطيع مثلًا سحب السلاح من دون قرارٍ سياسي، لأنّ الجميع يتسلحون للدفاع عن أنفسهم وحماية حاراتهم بغطاءٍ وتمويلٍ سياسي محلي وإقليمي.

  الاصطدام والخطةالأمنية

تيقّظ الجيش أثناء فترة القطيعة لحقل الألغام الذي يحيط به بحكم خضوعه للتوازن السياسي الذي ولّد مناخَا شعبيَا في طرابلس ضد المؤسسة العسكرية، واستعدّ لمواجهاتٍ مسلحة في جوٍّ معادٍ. فخاض معركته، لإنهاء عدائية بعض الإسلاميين الذين نعتهم الجيش "بالإرهابيين" في رسائله المرسلة على الهواتف الجوالة للمدنيين لتحذيرهم. وكان الأمر سهلًا لأنّ تلك العدائية لم تكن متماسكةً وعامّة، ولم يكن يمثّلها سوى مجموعاتٌ متناثرة وفقًا لمصدرٍ أمني[20] .

ما لبثت العلاقة بين الجيش اللبناني والمدنيين المحليين أن دخلت مرحلةً جديدةً مع بدء الخطة الأمنية في طرابلس في شهر نيسان/ أبريل 2014. إذ إنّ قيادة الجيش قرّرت المواجهة وحسم الصراع في طرابلس. وجاء ذلك بعد نجاح تمّام سلام بتأليف حكومته الجديدة في شباط/ فبراير 2014، أي بعد أحد عشر شهرًا من تكليف رئيس الجمهورية، العماد ميشال سليمان، له بتأليفها. وقد وفّرت هذه الحكومة الغطاء السياسي للجيش وتم إقرار الخطة الأمنية في الأول من نيسان/ أبريل 2014، ما وضع حدًّا نهائيًا لعشرين جولة عنفٍ شهدتها المدينة.

نُفّذت الخطة الأمنية عسكريًا من خلال تعزيز انتشار فرقتي التدخّل الأولى والرابعة في المدينة على محاور الأحياء الداخلية التي يجري فيها الشحن الطائفي والسياسي والصراع المسلح كجبل محسن وباب التبانة المنكوبين ودوار أبو علي. اقتصرت الخطة الأمنية على إجراءاتٍ عسكريةٍ ورفع الغطاء عن "قادة المحاور"[21]، فقام بعضهم بتسليم نفسه للجيش وأكثرهم من باب التبانة، وفرّ آخرون إلى جهاتٍ مجهولة. كذلك، غادر المسؤول السياسي للحزب العربي الديمقراطي رفعت عيد إلى سوريا قبل أن يُصدر القضاء العسكري قرارًا اتهاميًا بحقه. أمّا على الصعيد المدني، فقد التزم أبناء باب التبانة والقبة وجبل محسن بالخطة الأمنية وساهموا في إزالة بعض الدشم التي بنوها بأيديهم، كما أنّهم رفعوا السواتر والأسلاك الشائكة التي كانت تفصل بين أحيائهم. هكذا، تمكّن الجيش من دخول أحياء لم يدخلها من قبل وأقام فيها نقاطًا عسكريةً في ظلّ تعاونٍ شعبي كبير، واستمرّ في المداهمات وعمليات التوقيف التي أدّت إلى اعتراضاتٍ في صفوف الأهالي لكن من دون أي تحركاتٍ تصعيديةٍ كما كان يحصل سابقًا.

واصلت الخطة الأمنية تصاعدها ضمن جوٍّ شعبيٍّ مؤيّدٍ للجيش، ما أدى لتوقيف كلّ من شارك في المعارك تدريجيًا. وقد شكّل ذلك تحولًا ملحوظًا تمثّل في احتضانٍ شعبي نسبي للجيش، ولكن في المقابل واصل الإسلاميون الشحن ضد الجيش في طرابلس.

ومع تواصل الخطة الأمنية، تم توقيف أحمد الميقاتي، في 23 تشرين الأول/ أكتوبر في الضنية، وهو أحد "الإرهابيين"[22] المطلوبين للجيش اللبناني. ردًا على هذا التوقيف، هاجم مقاتلون إسلاميون في اليوم التالي دوريةً للجيش اللبناني في القسم التاريخي من مدينة طرابلس، ما أسفر عن إصابة أربعة جنودٍ وأدّى إلى اشتباكاتٍ عنيفةٍ بين جنودٍ من الجيش اللبناني والمسلحين. بدأ القتال وسط طرابلس، في الأسواق، ومن ثمّ انتقل إلى باب التبانة وامتدّ إلى بحنين في عكار والمنية.

موقف رجال الدين

تُصنّف طرابلس منذ عقودٍ كمدينةٍ متطرفةٍ وحاضنةٍ للإرهاب. يمنح هذا التصنيف الدولة ومؤسساتها ما يكفي من المبررات للاستمرار في إهمال طرابلس وحرمانها من أبسط حقوقها، ما يُفسح المجال أمام مستثمري الصراع لمزيدٍ من الاستثمار، ويزيد من صعوبة الوضع السياسي في المدينة ولا يتيح مجالًا لتدخّل المؤسسة العسكرية إلّا بالفصل بين القوى المتحاربة وليس بحسم الصراع. وقد أكد هذا الأمر رجال دينٍ وهيئاتٌ دينية بعد لقاءٍ بينهم في طرابلس في شتاء 2014. يصوّر رجال الدين أنفسهم بوصفهم المتحدثين الحقيقيين الأصلاء عن المدينة وأبنائها، ويُعدّ هذا جزءًا من صراعهم مع الزعامات السنّية التقليدية في المدينة. وقد اتّفقوا في هذا اللقاء على وجود استثمارٍ في الصراع داخل طرابلس ضمن محاولاتٍ تاريخيةٍ متواصلةٍ تهدف إلى أن تكون المدينة "حاضنةً لمشاريع مشبوهة" كإمارة التوحيد في ثمانينيات القرن الماضي، والمواجهات مع الإسلاميين في أحداث الضنية في العام 2000 وتنظيم "فتح الإسلام" في طرابلس ومخيم نهر البارد في العام 2007. ورأى المشايخ أن هذه المحاولات لـ"شيطنة" طرابلس وتحويلها إلى مدينةٍ مهمشةٍ ومتطرفةٍ باءت ولا تزال تبوء بالفشل. كذلك، أكّدت النقاشات أنّ من يقف وراء كل هذه الأحداث تياراتٌ سياسيةٌ ودينيةٌ وأجهزةٌ أمنيةٌ مختلفة ترغب في تحويل طرابلس إلى ساحة صراع[23]. أخيرًا، أكد المشايخ أنّ قيام بعض الموتورين أو المأجورين باستهداف مواقع للجيش في المدينة لا يعني أنّ ثمة عداوة بين المدينة والجيش، بل إنّ عاصمة الشمال خلافًا لذلك تحتضن الجيش وتشكّل خزانًا كبيرًا له. فمن الواضح أنّ الاعتراض على المؤسسة العسكرية والاعتداء عليها يبقى فرديًا لعدم وجود حركةٍ سياسيةٍ تهاجم الجيش. إلّا أنّ من يقوم بالاعتداء الممنهج وغير المباشر، وفقًا لرأيهم، هو حزب الله الذي يستدرج المجموعات المسلحة كي يضربها الجيش. وقدّم الشيخ سالم الرافعي معركة عرسال كمثالٍ على عملية الاستدراج التي خطّط لها حزب الله ونفّذها ضباطٌ في الجيش اللبناني موالون لحزب الله.

كما يتمتّع رجال الدين بتأثيرٍ خاصٍّ في شبان طرابلس من ناحية نظرتهم إلى الجيش، فأغلب تمثّلات الشباب عن الجيش تتشكّل في الجوامع من خلال الاحتكاك برجال الدين الذين ينقسمون إلى فئةٍ تشحن الشباب وتساندهم في ردود الفعل العنيفة ضدّ الجيش، وأخرى تدعو إلى إنهاء السلوكيات الخاطئة لبعض عناصره عن طريق استراتيجية عملٍ يضعها المدنيون والقيادات الدينية الرافضة لسلوك الجيش من أجل حوارٍ لتغيير هذه السلوكيات وليس بردود فعلٍ عشوائية. وقد روى الشيخ نبيل رحيم، في مقابلة أجريتها معه في شهر شباط/ فبراير 2015، مثلًا يُحتذى به حسب رأيه، لمعرفة كم تفتقر الطائفة السنّية إلى حكماء يعملون على أساسٍ استراتيجي. يقول: "أطلق الجيش النار على طريق المطار ضد مسيرةٍ انطلقت من الضاحية في العام 1992، قُتل فيها اثنا عشر شخصًا وجُرح العشرات، ودعا حينها الشيخ صبحي الطفيلي إلى عصيانٍ مدني، أي نزول الحزب للانتشار والسيطرة، لكنّ مجلس شورى حزب الله رفض هذه الدعوة لأنّ الدخول في مواجهةٍ مع الجيش لا يخدم مشروع الحزب ولا هدفه الاستراتيجي، وذلك لوجود قيادةٍ موحدةٍ وحكيمة". ثم أضاف قائلًا إنّ هذا التخطيط والإدارة الواعية هو ما ينقص السنّة.

في المقابل، يقول الشيخ سالم الرافعي الذي اشتُهر بخطبه النارية ضد الجيش، في مقابلةٍ معه في طرابلس في شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2014 بأنّه من غير الجائز نشوبٍ صراعٍ بين الشباب والجيش أو المؤسسة العسكرية. وهو يعترف بخطورة الأمر رغم خطبه المنتقدة لسلوكيات الجيش والمنددة بها. كما أنّه يرى أنه وبعض المشايخ مضطرّون للتنديد بما يتعرض له الشباب عندما يشتكون لهم. فالمشايخ يحتضنون الشباب خشية أن يذهبوا إلى شيوخٍ آخرين يحرّضونهم على الجيش، ودورهم هو دورٌ حاضنٌ للشباب وذو طابعٍ توعوي، خطابه واحدٌ وموحدٌ يدعم المؤسسة العسكرية ويندّد في الوقت عينه بتصرّفات بعض العسكريين والضباط. وهو يرى أيضا أنّ الاصطدام مع الجيش ليس لمصلحة أحد، بل يخدم مصالح حزب الله الذي من مصلحته خوض حربٍ ضروس.

نلاحظ من خلال كلّ ما قدّمناه سابقًا كيف أدّت مجموعةٌ من الأحداث إلى اهتزاز ثقة المدنيين بالجيش في المرحلة الأولى ثم إلى اصطدامٍ معه في المراحل التالية. ونلاحظ أيضًا أنّ غياب الجيش عن دوره في ضمان الأمن لجميع المواطنين وتحوّله إلى طرفٍ في الصراع، إضافةً إلى ضعف دور المؤسسة السنّية الشرعية الأولى، قد فتح الباب للحضور القوي للمرجعيات الطائفية والدينية خارج دار الفتوى. لقد أدّى الفشل في بناء شرعيةٍ وطنيةٍ جامعةٍ من رموزها الجيش ودار الفتوى إلى تفتّت الهوية الوطنية إلى انتماءاتٍ متناقضةٍ ومتصارعةٍ باسم المرجعية الطائفية والدينية المتشددة.

التواصل الحذر ومدّ الجسور

سنعمل في هذا القسم على تتبّع جميع الاستراتيجيات والخطوات العملية التي اعتمدها الجيش للخروج من حالة القطيعة وعدم الثقة التي يعيشها مع المدنيين. وسنحلّل مدى نجاح هذه الاستراتيجية والمعوّقات التي تقف أمامها. بعد القطيعة والاصطدام والخطة الأمنية، حاولت المؤسسة العسكرية التواصل مع سكان المدينة المتحاملين عليها بتوفير جوٍّ أمنيٍّ مريح، فعملت بحذرٍ على مدّ جسورٍ جديدةٍ للعلاقات المدنية ـ العسكرية. يعرض هذا القسم أولًا الخطة التي اتّبعتها المؤسسة العسكرية لمدّ الجسور مع نهاية الحرب الأهلية اللبنانية. ثم يعرض ثانيًا الصعوبات الحالية، مع الأزمة السورية، التي تواجه إعادة مدّ هذه الجسور من خلال جهاز المخابرات رغم تذمّر بعض المدنيين السنة من هذا التصرف. وثالثًا، التجاوزات التي تعرقل مدّ الجسور، حيث أكّد محاوري على ثلاث نقاطٍ أساسيةٍ تتعلق بالتجاوزات والفساد وتهزّ ثقتهم بالمؤسسة العسكرية، وهي احتواء الجيش على عناصر كانت أثناء الحرب الأهلية تتبع للميلشيات، وتعاطي المؤسسة القضائية مع الموقوفين، وتجاوزات حقوق الإنسان مع الموقوفين الإسلاميين[24].

يمكن القول إنّ العلاقات المدنية - العسكرية في لبنان تواجه بعض الأزمات، كما في البلدان التي لديها مشاكل معممة في التكامل والتلاحم الاجتماعي وتُعرف بكونها متعدّدة الأعراق و/ أو الإثنيات ومتعددة الطوائف. وفي هذه الحالات، فإنّ حماية المؤسسة العسكرية لنفسها تدفعها إلى ممارسة الحياد وعدم التدخل وإلا ستصبح وحدتها على المحك[25].

منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، تُظهر المؤسسة العسكرية وعيًا واضحًا للتحديات التي تواجهها في معركة الحفاظ على المبادئ الشهابية الموروثة، وعلى هيكلية المؤسسة العسكرية، وعلى أن تكون مؤسسةً وطنية. وقد سعت لإقامة علاقاتٍ مدنيةٍ ـ عسكريةٍ مستقرّة عبر نوعٍ من اتفاقٍ ضمني بعدم تسييسها والحفاظ على مهنيتها. لذلك، نفّذ الجيش مشروع "الاندماج الكامل" منذ العام 1992، فحافظت المؤسسة العسكرية على نظام التكافؤ الطائفي في خمسة ألويةٍ من أحد عشر لواءً، في حين بقيت قوّات بقية الألوية مؤلفةً من 70 بالمئة من المسلمين و30 بالمئة من المسيحيين، كما سعت الوحدات المتخصصة إلى الاعتدال المذهبي[26].

علاوةً على ذلك، ثمة جوٌّ من التواصل الحذر بين المؤسسة العسكرية ومحيطها، يجعل إمكانية مدّ الجسور أكثر صعوبةً. فتماسك المؤسسة العسكرية مرهونٌ بالقوى والضغوط والتوازنات السياسية المحيطة بها والتي تؤثر في انخراطها في الجو السياسي المشحون، وتلوّن الممارسات والعمليات العسكرية التي تخضع لها. غالبًا ما يكون مدّ الجسور عن طريق جهاز المخابرات من خلال تجميع المعلومات ورصدها لاستباق الأحداث ومراقبة الوضع الأمني.

ولهذا، يعمل جهاز المخابرات على تجنيد أشخاصٍ مدنيين للعمل معهم في تتبّع المعلومات أو اللجوء إلى طرقٍ غير رسميةٍ لتجميع المعلومات من أشخاصٍ عاديين، أو ربّما إلى بثّ الشائعات التي تفيد في الحفاظ على توترٍ معينٍ مطلوبٍ مقابل مبالغ ضئيلةٍ أو خدمات. حيث يتّهم كثيرون مخابرات الجيش، ولاسيما العميد عامر الحسن مدير المخابرات السابق في الشمال، بأنّها تساهم في خلق الاضطراب الأمني وعدم إيقاف المطلوبين. والرواية المتداولة التي أجمع عليها كافة المحاورين هي مراسم دفن والدة العميد عامر الحسن، إذ حضر إلى العزاء جميع الأشخاص الصادرة بحقهم مذكرات توقيفٍ ولم يُعتقل أحد. ولم يخفِ جميع المحاورين قلقهم من تدخل أيادٍ خفيةٍ لتحريض الشباب على قتال الجيش. فمنهم من يعتقد مثلًا أنّ هنالك من تَعمّد استفزاز الشيخ خالد حبلص بنشر فيديو له على مراكز التواصل الاجتماعي يحاسبه فيه أشخاصٌ على توريطهم في المعركة: "يا شيخ خالد الله لا يسامحك، أنت اللي حمستنا وحرضتنا عالجيش، الجيش كان عم يقصفنا بالأسواق وأنت خذلتنا وما نصرتنا". يبدو أنّ الشباب الذين صوّروا هذا الشريط تابعون للأجهزة الأمنية. وقد نجحوا في استفزاز الشيخ خالد الذي نزل مع شبابه، فخطفوا جنودًا لمقايضة الجيش وإجباره على التوقّف عن قتل الشباب في الأسواق.

كذلك، يندّد غالبية سكّان طرابلس بتصرّفات الجيش ويحمّلون جهاز المخابرات المسؤولية. فالقرارات العسكرية لا ترضي المدنيين السنّة في طرابلس الذين يعتبرون أنفسهم ضحيةً للمؤسسة العسكرية. غير أنّهم يشفقون على الجنود ويروون قصصًا عدّةً كان الجنود ضحيةً فيها ولم يتمكّنوا من الردّ لحماية أنفسهم لأنهم لم يتلقّوا الأوامر العليا.

غير أنّ المصدر الأمني السابق عينه يؤكّد لنا أنّ الجيش اللبناني يعمل جاهدًا للحياد وعدم التحيز لتجنب الاتهامات بالتحزّب. ففي الآونة الأخيرة، علت بعض الأصوات في لبنان، وتحديدًا داخل الطائفة السنية التي تدعم المعارضة السورية ذات الأغلبية السنية، لتلوم حزب الله على تدخّله في الصراع السوري وإرساله آلاف الجنود إلى سوريا من أجل دعم قوّات النظام السوري. هكذا، يجد الإسلاميون المندفعون، والمنخرطون في الحرب السورية، أنفسهم مقموعين ومضطهدين مقابل دخول مجموعاتٍ من مقاتلي حزب الله إلى الداخل السوري. وفي حال تمكّن أحد الإسلاميين من الدخول، يتمّ توقيفه لدى عودته. أنعش هذا الكيل بمكيالين حسّ العداء الذي يكنه هؤلاء الإسلاميون للجيش اللبناني. يقول محاوري إنّ بعض السنّة شعروا في 7 أيار/ مايو بأن الجيش لا يدافع عنهم حينما شاهدوا ضباطًا من الجيش اللبناني يطلقون النار فرحًا بانتشار مسلحي أمل وحزب الله في بيروت. لقد شعر هؤلاء الإسلاميون حينها بأنّ حزب الله يحكم الجيش، فدعوا إلى الأمن الذاتي للدفاع عن أنفسهم.

بيد أن مدّ الجسور بين المؤسسة العسكرية والشعب لا يخلو من استثناءات، حيث يقوم بعض الجنود والضباط بتجاوزاتٍ تعرقل العلاقة الجيدة المرجوة من الطرفين. وتنقسم هذه التجاوزات إلى فرديةٍ وهيكلية.

أولًا وعلى المستوى الفردي، ليست تجاوزات السلطة وعدم الالتزام بما هو قانونيٌ أمرًا جديدًا، ولكنّ نسبتها تتفاوت حسب المكان والزمان. كذلك، لم تسهّل الحرب اللبنانية ووجود الأحزاب والميليشيات احترام السلطة والقانون. فمن ناحية، هنالك السلاح المتوافر بكثرةٍ بين أيدي المدنيين، ما يفقده دوره في الدفاع والحماية ويصبح مسلطًا على الداخل وليس الخارج. ومن ناحيةٍ أخرى، احتوت المؤسسات العسكرية والأمنية أكثرية عناصر الأحزاب والميليشيات المنحلة، وحافظت بعض الوحدات على ولائها الميليشياوي. فوالى اللواء السادس حركة أمل، واللواء الحادي عشر الحزب التقدمي الاشتراكي، واللواءان الثاني والثالث النظام السوري، ووحدات أنصار الجيش كانت ميليشيا تابعةً لحركة أمل، ويوالي اللواء السابع المردة. وعلى الرغم من أنّ إعادة تنظيم الجيش كانت تهدف لتخليص الجيش من هيمنة الميليشيات[27]، إلا أنّ التربية الحزبية لدى الملتحقين بالمؤسسة العسكرية الوطنية وثقافة ‘الأقوى هو الرابح’ وثقافة الفساد كانت راسخة، ما يعني انتشار الفساد الذي أصبح قاعدةً وثقافةً متناقلةً تبيح انتهاكاتٍ أكبر ضد المدنيين. لم يوافقنا على هذا التحليل عميدٌ في الجيش اللبناني، فقد اعتبر في مقابلةٍ أجريت في بيروت، في شهر آب/ أغسطس 2015، أنّ إدماج حوالي 10000 عنصر من الميليشيات المنحلة في الجيش اللبناني كان أمرًا إيجابيًا، فلم يُظلم هؤلاء الشباب وتمكّنت المؤسسة العسكرية من إزالة أفكارهم واستبدلت بها خطابًا واحدًا موحّدًا وممارساتٍ واحدة. أمّا الفساد لدى بعض الأشخاص حسب قوله، فيكمن إمّا في بنية الشخصية، لأنّ الجندي أو الضابط هو في نهاية المطاف إنسانٌ لديه نقاط ضعفٍ كأي إنسانٍ آخر، أو في الانتماء السياسي أو الحزبي، ما يشكّل أزمة ولاءٍ في المؤسسة العسكرية. وفق العميد المحاور، هنالك فقط ما بين 20 إلى 30 بالمئة من عناصر الجيش غير مسيسين وغير تابعين لطوائفهم، وقد كانت هذه الظاهرة جليةً في عكّار بعد مقتل الشيخ عبد الواحد (انظر أعلاه). في هذا الجو، يقول محاوري، لا يمكن تكليف الضابط عينه في المكان عينه بالمهام عينها من دون حساباتٍ طائفيةٍ وسياسية، وإذا لم يؤخذ هذا الأمر في الحسبان، فقد تحدث تجاوزاتٌ آنيّة.

ثانيا، يشكّل الجسم القضائي الاستثناء الأهمّ في ما يُعرف بالتجاوزات الهيكلية، حيث أنّ الحكم الذاتي في الأمور القضائية من خلال المحكمة العسكرية يدفع بالعسكريين إلى التصرّف وفق رغباتهم. فإحساسهم بأنّ أمثالهم هم من سيحاكمونهم ضمن مؤسستهم الخاصة قد يلعب دورًا في هذه التجاوزات. وربّما يؤدي هذا الأمر إلى مشكلات الفساد، والتجريم، والمعارضة السياسية، وانتهاك حقوق الإنسان. وهذه العوامل جميعًا هي في الوقت عينه أسبابٌ لعدم المحاسبة ونتائج لها.

يضرب لنا الأستاذ نبيل الحلبي، محامي حقوق الإنسان في لبنان ومدير جمعية لايف، في حديثٍ معه في شهر آذار/ مارس 2015 مثلًا يجده نموذجيًا عن معنى محاكمة عسكري أو شرطي عنّف زوجته أمام المحكمة العسكرية وليس أمام المحاكم العاديّة، إذ يجب أن يتساوى هذا الزوج العسكري مع غيره من المدنيين أمام القانون والمحاكم وهذا يطرح مشكلة استقلال القضاء. إذ ينصّ مبدأ المساواة أمام القانون على حق المتقاضين في أن يُحاكموا بطريقةٍ متساوية، أمام المحاكم عينها وتبعاً للقواعد الإجرائية والأحكام القانونية عينها. حسب قوله، أدّت جرائم كثيرةٌ ارتكبها عسكريون وعناصر شرطة إلى طرح مشكلة استقلال القضاء عن الأجندة السياسية في لبنان. ويأتي في المقدمة "طغيان الوجود العسكري في أكثر من مستوى في عمل القضاء العسكري في ظل حضورٍ خجولٍ للقضاة العدليين"[28]. علاوةً على ذلك، استهلّ الحكم الصادر عن المحكمة العسكرية في حقّ الوزير السابق ميشال سماحة النقاش القانوني حول الثغرات والإشكاليات التي تثيرها المحكمة العسكرية، كالإصلاح واستقلاليّة القضاء والمحاكمة العادلة.

أمّا العائق الثالث أمام مدّ الجسور، فهو قضية الموقوفين على إثر الخطة الأمنية والموقوفين الإسلاميين الذين لم يحاكموا منذ أشهرٍ وسنوات، ويبدو أنّ شروط توقيفهم والتحقيق معهم تنتهك حقوق الإنسان[29]. وأهم الاتهامات الموجهة، ليس فقط على المستوى الشعبي بل على المستوى الحقوقي العالمي، إلى الأجهزة الأمنية في لبنان ومن ضمنها المؤسسة العسكرية هي انتهاكاتٌ لحقوق الإنسان. فقد ذكر تقرير مؤسسة "لايف للشؤون الإنسانية" عن معاملة الموقوفين الإسلاميين في سجن رومية "أنّ جميع السجناء، من دون استثناء، تعرّضوا للضرب وأصيب بعضهم بجروحٍ وكسورٍ تطلّبت معالجاتٍ سريعةً في المستشفيات فضلًا عن تعرضهم لإهاناتٍ مذهبية"[30]. هكذا، تراوحت العلاقات المدنية - العسكرية بين مدٍّ وجزر، ما أدّى إلى فرض دورٍ جديدٍ على المؤسسة العسكرية لتفادي الأزمات والتوترات مع المدنيين.

أخيرًا، نلاحظ أنّه وعلى الرغم من المجهود المبذول والنجاحات المحقّقة في إطار علاقة الجيش بالمدنيين، تبقى قضية الرقابة القانونية على سلوك الجيش المؤدّي لإيذاء المواطنين وكذلك قضية استقلال القضاء عن الجيش عائقين أساسيين أمام النجاح الكلي لهذه العلاقة.

فرض نموذج جديد على الجيش

سنرى في هذا القسم كيف أنّ المرحلة الانتقالية التي يعيشها الجيش اللبناني تحت تأثير تجربته الخاصة وكذلك الضغط الخارجي ستؤدي إلى بروز استراتيجيةٍ جديدةٍ تسعى لإعادة تشكيل علاقةٍ جديدةٍ مع المدنيين.

فبين اصطدامٍ وقطيعةٍ ومدّ جسور، في طرابلس وغيرها من المدن اللبنانية، وتحت تأثير موازين القوى المحلية والإقليمية، يتطلّع الجيش اليوم لإقامة علاقةٍ متوازنةٍ بينه وبين المجتمع لتفادي أزماتٍ سابقةٍ عاشتها المؤسسة العسكرية، تأرجحت بين الشلل والتفكّك وإعادة الهيكلة. نتيجةً لذلك، انخرط الجيش اليوم في التنمية وأصبح له دورٌ فعّالٌ في هذا المجال، إذ لم يعد يقتصر على تقديم الخدمات في أوقات الكوارث فحسب، وتعزّز هذا الدور مع الأزمة السورية. لبلورة هذا النموذج، نستعرض بدايةً الأحداث (تبقى هذه الأحداث فردية) التي تعرضت لها المؤسسة العسكرية وعرّضت وحدتها الوطنية للتفكّك، ثم دورها التنموي الجديد لتأسيس علاقاتٍ مدنية ـ عسكرية جديدة.

إنّ التوتّرات والتحركات السنّية، سواء داخل الجيش أو خارجه، الداعية للانشقاق عن الجيش، أو الاستقالات الاحتجاجية، لم تجد حتى الآن حاضنةً سياسيةً لها كما حصل في الحرب الأهلية. فعلى سبيل المثال، تراجع جميع ضباط الجيش الذين تقدّموا بعد أحداث 7 أيار/ مايو 2008 بطلبات تسريحهم من المؤسسة العسكرية احتجاجاً على مهاجمة حزب الله مناطق يقطنها لبنانيون من أهل السنّة، باستثناء ضابطٍ واحد هو العميد حمود الذي ترك المؤسسة العسكرية وكان من أبرز مموّلي المجموعات المسلحة في طرابلس. أما خارج الجيش، فهنالك مجموعاتٌ سنّيةٌ تقاتل في سوريا، ومن خلال تلك المجموعات أصبح لجبهة النصرة وجودٌ حقيقي في لبنان. لقد شجّعت جبهة النصرة السنّة اللبنانيين على الانشقاق عن الجيش في آذار/ مارس الماضي. وقبل عامَين فقط، استطاع الفلسطيني توفيق طه، العضو في كتائب العزام، تجنيد عناصر من الجيش اللبناني في التخطيط لهجماتٍ على ثكنات عسكرية. إضافةً إلى إنّ آخر الانشقاقات حدثت في معارك عرسال.

نموذج التعاون المدني العسكري

في كثيرٍ من البلدان التي تعيش حروبًا إثنيةً وطائفية، يتمتع الجيش، إضافةً إلى الدور العسكري، بمهاراتٍ لشراكةٍ فعّالةٍ مع السلطات المدنية والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني ككل، وهو ما يُعرف عالميًا باسم التعاون المدني العسكري (CIMIC). وهذا يستلزم خلق القدرة على العمل داخل القوات المسلحة للانخراط في الخدمات الاجتماعية من خلال استراتيجية تعاونٍ مدني - عسكري من أجل بناء السلام وتعزيز الاستقرار.

من خلال إدراك الجيش اللبناني للأهمية المتزايدة للبعد المدني في العمليات العسكرية التقليدية، عمل على إنشاء قدراتٍ للتعاون المدني العسكري داخل المؤسسة منذ العام 1990 بعد انتهاء الحرب الأهلية. ومنذ ذلك التاريخ، تطوّر دور الجيش في مجال تعزيز التعاون مع مختلف المؤسسات الرسمية الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية، ما ساهم بشكلٍ كبيرٍ في إنعاش الدولة في فترة ما بعد الحرب. جاءت فكرة التعاون المدني ـ العسكري في لبنان من انخراط الجيش اللبناني في مهام اليونيفيل منذ تأسيسها في جنوب لبنان. وأصبح انخراط الجيش اللبناني في التعاون المدني ـ العسكري أكثر وضوحًا منذ العام 2006، وبخاصةٍ في المناطق المتضرّرة من حرب العام 2006 بتعبئةٍ رسميةٍ للقوات المسلحة اللبنانية جنوب نهر الليطاني. تواصلت عملية تطوير ما يعرف باسم التعاون المدني ـ العسكري في الجيش على مرّ السنين لتشمل أنشطةً مثل المساعدة في المجتمع وبناء الثقة، والاتصال بين الجيش ومختلف الطوائف اللبنانية. نتيجةً لذلك، أنشأت قيادة الجيش في العام 2012 قسم التعاون المدني ـ العسكري تحت إشراف مديرية المعلومات، وهو يندرج في إطار الإدارة العامة للعمليات العسكرية ويُعدّ مسؤولًا عن عملية وضع استراتيجية التعاون المدني ـ العسكري.

في هذا الإطار، ثمة تعاونٌ بين الجيش اللبناني وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي واليونيفيل ومفوضية حقوق الإنسان لوضع استراتيجيةٍ وطنيةٍ لبرنامج التعاون المدني ـ العسكري CIMIC الذي تدعمه وزارة الدفاع الأميركية لمدّة خمس سنوات، بدعمٍ من رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان ورئيس الوزراء وقائد الجيش. تهدف هذه الاستراتيجية إلى "تعزيز التعاون المدني العسكري في المناطق الحضرية والريفية لتعزيز الاستقرار".

في طرابلس، وضمن إطار برنامج التعاون المدني ـ العسكري، أقيمت عدة نشاطات بين العامين 2013 و2015. فقد وزّعت وحدات الجيش عددًا من آلات التصوير الصوتية على عددٍ من مراكز وزارة الشؤون الاجتماعية مقدمة من شركة Medicap في المنية والقلمون. وفي الإطار عينه، نفّذت وحداتٌ من الجيش حملات توعيةٍ صحيةٍ في عددٍ من المدارس الرسمية، ضمن مناطق طرابلس والضنية وعكّار، تخللها توزيع 2500 وحدة طبية شخصية (Health kit) على الطلاب. كذلك، وزعت نحو 6000 قطعةٍ من الألبسة على المواطنين في منطقة التبانة في طرابلس، كما وزعت كمياتٍ من الكتب التثقيفية باللغات الانكليزية والفرنسية والعربية على عشر مدارس رسمية ضمن مدينة طرابلس في مناطق: التبانة، جبل محسن، الميناء، الزاهرية بمعدل 250 كتابًا لكلّ مدرسة، ومعاطف شتوية وأغطيةً شتوية على حوالي 1000 عائلة من أهالي منطقة باب التبانة.

الخاتمة

لقد بينّا من خلال ما عرضناه أنّ المؤسسة العسكرية تعرّضت إلى توتراتٍ وضغوطاتٍ هزّت صورة تماسكها الداخلي وحيادها الخارجي في علاقتها بالمدنيين. وبذلك نستنتج أنّ التركيبة الطائفية والمذهبية للدولة اللبنانية تقف عائقًا أمام بناء علاقةٍ متوازنةٍ بين الجيش والمجتمع. إنّ عدم استقلال المؤسسة العسكرية عن السلطة السياسية وكذلك غياب رقابةٍ أمنيةٍ وقضائيةٍ على أداء أفراد الجيش يدعم لجوء المدنيين إلى البحث عن الأمن في فضاءاتهم الخاصة بطرقهم الخاصة. تهدّد حماية الدستور للانتماء الطائفي والمذهبي وحدة العقيدة العسكرية الوطنية، وفي نهاية المطاف ولادة دولة المواطنة اللبنانية. لكن وعلى الرغم من هذه الصعوبة، فإنّ الجهود التي تبذلها المؤسسة العسكرية للابتعاد عن الانقسام السياسي والمذهبي وتدعيم البعد الوطني للجيش تبقى ذات أهميةٍ في مناخ عدم الاستقرار الإقليمي والوضع السوري المأزوم وانعكاساته على لبنان. لقد أعاقت هذه العوامل الداخلية والخارجية وحدة المؤسسة العسكرية من جهة، وشرعيتها من جهةٍ أخرى.

تجدر الإشارة إلى أنّ هذه السنة (2015) هي السنة الأولى التي يحتفل فيها المجتمع السياسي والمدني الطرابلسي رسميًا بعيد الجيش منذ عدة سنوات. فقد زينت الأعلام اللبنانية وصورة قائد الجيش كلّ شوارع وساحات طرابلس، وعمّت الاحتفالات ومراسم التهنئة الثكنات العسكرية والجمعيات الأهلية والبلدية.

على الرغم من هذه الاحتفالات، لا تزال هنالك نظرةٌ تسم الجيش بالطائفية، ولا تزال تمثّلات المؤسسة العسكرية تنعكس سلبًا على العلاقة بين المدنيين والجيش بسبب التهميش الاجتماعي والفقر. ما يعني أنّ العلاقة المدنية - العسكرية تبقى مرتبكةً ومهدَّدةً على الرغم من عمل المؤسسة العسكرية الدؤوب لجعلها مؤسسةً وطنيةً جامعة. فهذه العلاقة مهدّدةٌ بالتدهور في أي لحظة حسب الحالة السياسية والدور الذي يلعبه المشايخ في تهدئة الشباب أو تعبئتهم ضد المؤسسة العسكرية. وعلى الرغم من برنامج التعاون ـ المدني العسكري والمشاريع التنموية التي تقوم بها المؤسسة العسكرية لرأب الصدع وجسر الفجوات الناجمة عن إهمال الدولة، يبقى دور رجال الدين والسياسيين كهيئاتٍ وسيطةٍ بين المدنيين والمؤسسة العسكرية هو الأهم.

ختامًا، إنّ تجاوز هذا السياق الطائفي والمذهبي وبناء عقيدةٍ للجيش قائمةٍ على المواطنة والانتماء الوطني اللبناني هما وحدهما الضامن لحماية المصالح الوطنية واستقرار النظام السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي.

 

[1] يبلغ عدد سكان منطقة التبانة 60000 نسمة. وفق آخر دراسةٍ للإسكوا (لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا) (2015)، تبلغ نسبة الأسر المحرومة 87 بالمئة ونسبة الحرمان الشديد 52 بالمئة. انظر: ESCWA, Institut Arabe pour le développement des villes  (الإسكوا، المعهد العربي لإنماء المدن (IADV))، 2014.

[2] للمزيد عن هذا الموضوع، انظر: Didier Leroy, “Les Forces Armées Libanaises, symbole d’unité nationale et objet de tension communautaire”  (ديدييه لوروا، "القوات المسلحة اللبنانية، رمز الوحدة الوطنية وموضوع توترٍ مذهبي")، ورد في مجلة Maghreb Machrek  (مغرب مشرق)، 2012، العدد 214.

[3] تأسست حركة الشباب العلوي كحركة لبنانيةٍ مستقلةٍ في العام 1971 وما لبثت أن تحوّلت، مع وصول حافظ الأسد إلى رئاسة الجمهورية السورية في العام عينه ودعم رفعت الأسد لها، إلى حزبٍ علوي داعمٍ وحليفٍ عضوي للنظام السوري في لبنان.

[4] أصبحت منطقة جبل محسن تجمعًا علويًا مع بداية الحرب الأهلية اللبنانية، فترك كثيرٌ من سكان التبانة العلويين بيوتهم ولجأوا إلى جبل محسن خوفًا من الحرب الطائفية. يبلغ عدد سكان جبل محسن اليوم ٤٠ ألف نسمة. من بينهم 57,5 بالمئة، أي ما يعادل 23000 ناخب، مسجّلون في سجلات باب التبانة و42,5 بالمئة، ما يعادل 17000 ناخب، مسجّلون في سجلّات القبة (مقابلة أجريتها مع غسان ريفي، مدير جريدة السفير في الشمال في ١/٩/٢٠١٤). ما يعني أنّ جبل محسن ينقسم إداريًا إلى قسمين.

[5] يترأّس سعد الحريري قيادة تيار المستقبل منذ اغتيال والده رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، ويعتبر التيار الحزب الرئيسي في كتلة 14 آذار/ مارس.

[6] Florence Gaub, “Multi-Ethnic Armies in the Aftermath of Civil War: Lessons Learned from Lebanon” (فلورانس غاوب، "الجيوش المتعددة الإثنيات في ما بعد الحرب الأهلية. دروس من لبنان)، ورد في مجلة Defense Studies  (دراسات دفاعية)، 2007، 7، الصفحات 5 إلى 20.

[7] ينقسم التيار الديني الإسلامي إلى عدة مجموعاتٍ متفاوتة الحجم، أبرزها الجماعة السلفية (الدعوية، الجهادية، البرلمانية)، الجماعة الإسلامية (الإخوان المسلمون)، حركة التوحيد الإسلامي، تيار المستقبل، هيئة علماء المسلمين، دار الفتوى.

[8]  Oren Barak, The Lebanese Army: A National Institution in a Divided Society (أورين باراك، الجيش اللبناني: مؤسسة وطنية في مجتمعٍ منقسم)، نيويورك، منشورات جامعة نيويورك الحكومية، 2009.

[9] أبرزها تيار المستقبل والقوات اللبنانية والكتائب اللبنانية.

[10] الممثلة بحزب الله وأمل والتيار الوطني الحر الذي يتزعمه الجنرال ميشال عون.

[11] Judith Palmer Harik, Hezbollah: The Changing Face of Terrorism (جوديث بالمر هاريك، حزب الله: الوجه المتبدل للإرهاب)، الطبقة الثانية، لندن، منشورات I.B. Tauris & Co. Ltd.، 2016.

[12] مقابلة أجريتها في بيروت مع عميدٍ متقاعد بتاريخ 16/11/2013.

[13] مقابلة مع أبو أحمد، ناشط ومقاتل في باب التبانة، أجريتها في طرابلس في شباط/ فبراير 2015.

[14] مقابلة أجريتها في منزله في الكورة/ شمال لبنان، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014.

[15] انظر أعلاه.

[16] مقابلة أجريتها في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، في طرابلس.

[17] مقابلة أجريتها في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، في باب التبانة.

[18] مقابلة أجريتها في شباط/ فبراير 2015، في باب التبانة.

[19] مقابلة أجريتها في 15/11/2013، طرابلس.

[20] مقابلة أجريتها في آذار/ مارس 2015، طرابلس.

[21] ينقسم فضاء الصراع إلى عدة محاور لتنظيمه، ولا تفصل بين المحور والآخر إلا مسافة قصيرة. يبلغ عدد المحاور 12 محورًا برئاسة 12 قائدًا، ليس لهم دعمٌ موحّدٌ وغالبًا ما يكون الدعم داخليًا وخارجيًا.

[22] كان ينتمي إلى جماعة التكفير والهجرة وشارك في معارك الضنية أواخر العام 1999 ضد الجيش اللبناني. شارك في معارك التبانة وجبل محسن وصدرت مذكرة توقيفٍ بحقه في العام 2013 بجرم تأليف عصابة مسلحة، وكان يحرّض جنود الجيش اللبناني على الانشقاق. www.beirutobserver.com

[23] "مشايخ طرابلس يستعرضون واقعها: الفلتان ظاهرة فردية"، غسان ريفي، جريدة السفير، 7/10/2014.

 [24] للمزيد من المعلومات عن هذا الموضوع، انظر: Camille Lons, "Is justice for everyone? Arbitrary detention and torture of Islamists in Lebanon" (كميل لونز، "هل العدالة للجميع؟ احتجاز الإسلاميين التعسفي وتعذيبهم في لبنان")، مركز معلومات المجتمع المدني، دعم لبنان، 1/3/2016 [على الشبكة العنكبوتية]: http://cskc.daleel-madani.org/content/justice-everyone-arbitrary-detention-and-torture-islamists-lebanon [آخر زيارة بتاريخ 1 تموز/ يوليو 2016].

[25] انظر: Aram Nerguizian, “The Lebanese Armed Forces, Challenges and Opportunities in Post-Syria Lebanon” (آرام نرغيزيان، "القوات اللبنانية المسلحة، التحديات والفرص في لبنان ما بعد الوجود السوري")، ورد في: Burke Chair in Strategy Reports, Center for Strategic and International Studies (قسم بورك في التقارير الاستراتيجية، مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية)، واشنطن العاصمة، شباط/ فبراير 2009 (نسخة منقحة).

[26] Rial Juan, « The question of the Military in Lebanon » (ريال جوان، "المسألة العسكرية في لبنان"، ورد في: Peace & Security (السلم والأمن)، ريسدال، 2014، الصفحة 5.

[28] المفكرة القانونية 9/06/2015. " تنتهك المحكمة العسكرية مبدأ استقلالية القضاء من حيث تشكيلها. فتشكّل محكمة التمييز في هيئتين يرأسهما قاضٍ عدليّ. وينضم إليه أربعة ضباطٍ في الهيئة الناظرة في الجنايات وضابطان في الهيئة الناظرة في الجنح. نلاحظ إذاً طغيان الوجود العسكري في أكثر من مستوى في عمل القضاء العسكري في ظل حضورٍ خجولٍ للقضاة العدليين. ومن شأن ذلك طبعًا أن يولّد خطرًا جسيمًا على الحريات الشخصية وضمانات المحاكمة العادلة، خصوصًا حق الدفاع واستقلالية القضاء.... ومن ناحية أخرى، يتوقف تحريك دعوى الحق العام في بعض الجرائم على قرار قيادة الجيش الملزِم لمفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية (وهو قاضٍ عدلي)، ما يعني المساس بوظيفة هذا الأخير وتجريده من سلطته واستقلاليته في الملاحقة، وهذا تجاوزٌ خطيرٌ لمبدأ فصل السلطات واستقلالية القضاء…. كما يتولى وزير الدفاع تعيين القضاة العسكريين في بدء كل سنة بقرارٍ مبني على اقتراح السلطة العسكرية العليا بما يتعلق بالضباط التابعين للجيش، كما يبقى العسكريون رؤساء المحاكم العسكرية وأعضاؤها أثناء تولّيهم القضاء العسكري تابعين مباشرة لوزير الدفاع، وخاضعين لأنظمة السلك الذي ينتمون إليه. نلحظ إذًا الارتباط الوثيق للقضاة بالسلطة التنفيذية والسلك العسكري، ما يلقي شكوكًا كبيرةً على استقلال المحكمة العسكرية وحياديتها".

[29] في 3/10/2014، صدر التقرير السنوي للجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة. ويهدف التقرير إلى تحديد مدى تنفيذ اتفاقية مناهضة التعذيب وغير ذلك من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وقد شمل التقرير بلدانًا عدة من ضمنها لبنان، وأتى نتيجةً لتحقيقاتٍ سريةٍ أجرتها اللجنة منذ شهر أيار/ مايو 2012 لغاية شهر نيسان/ أبريل 2013، حيث عقدت لقاءاتٍ عدّةً جمعتها بمسؤولين رسميين بالإضافة إلى ممثلين عن جمعيات المجتمع المدني وبعض المحتجزين وبعضٍ ممّن تعرّضوا للتعذيب على أيدي الأجهزة الأمنية اللبنانية. ركّزت اللجنة اهتمامها على وضع السجناء الذين تم توقيفهم أثناء مواجهات مخيم نهر البارد في العام 2007 والذين ادّعى عددٌ كبيرٌ منهم تعرّضهم لتعذيبٍ شديدٍ ومبرحٍ على أيدي محققي قوى الأمن الداخلي أو الجيش، علمًا بأنّ بعضهم ادّعى انه لا يزال يعاني "ألمًا مرتبطًا" بنوع التعذيب الذي خضع له. وتبين للّجنة أثناء زيارتها لسجن مديرية المخابرات العسكرية في مقر وزارة الدفاع في اليرزة وجود "بطاريات سيارات على الأرض في غرفة التسجيل الملاصقة لغرفة الاستجواب في القبو المؤلف من طابقين". كما وجدت اللجنة "كرسيًا متحركًا مطويًا وموضوعًا على طرف أحد الممرات" ويستخدم هذا الكرسي بحسب التفسيرات التي قدمها العسكريون المناوبون " لنقل الأشخاص ذوي الإعاقة ". لكن اللجنة قالت إنّه يمكن الاستنتاج بأنّ الكرسي يستخدم لنقل المحتجز الذي أنهى التحقيق بعد التعذيب الشديد الذي يكون قد تعرّض له. وأشارت اللجنة إلى أنّها وجدت "مقعدين طويلين منخفضين وقضيبًا خشبيًا مكسورًا لكن لم يستطع أحدٌ توضيح طبيعة استخدام هذه الأدوات". وتوقفت اللجنة أمام أمرٍ بالغ الأهمية، يكمن في اكتشافها (خاصةً في ظلّ تواجد طبيبٍ شرعي بين أعضاء اللجنة) أنّ السجل الطبي التابع لمحتجزي فرع المخابرات "لم يكن حقيقيًا، ما جعلهم (أعضاء اللجنة) يعتقدون أنّه أُعدّ خصيصًا لهذه الزيارة". واعتبرت اللجنة أنّ ظروف الاحتجاز التي عاينتها في مختلف أمكنة الاحتجاز التي زارتها، "تثير قلقًا بالغًا ويمكن وصفها بأنّها أوضاعٌ قاسية ولاإنسانية ومهينة، لا بل يمكن اعتبارها بمثابة أعمال تعذيبٍ في بعض الحالات".

[30] "كبارة عن المشنوق: اسكندر ذو القرنين"، غسان ريفي، جريدة السفير، 24/04/2015.